خطاب الترهيب و آثاره على عقل و نفسية المسلم
و أنا عائدة من اختتام الصالون الدولي للكتاب يوم 09 نوفمبر 2025 و بمحطة المسافرين الخروبة بالعاصمة أخرت رحلتي بساعة و نصف إلى حين يأتي دور الحافلة الثانية في الساعة التاسعة و النصف ، كي أجلس في المقعد رقم واحد ( 01) بحكم حالتي الصحية، وشرحت للقابض سبب تأجيلي ركوب الحافلة الأولى و طلبت منه أن يعطيها المقعد الأول بحكم أني الأولى التي تطلب تذكر سفر، و كان لي ما أردتُ، انتظرنا اكثر من ساعة و نصف إلى حدين قدوم الحافلة الثانية، و ما إن ذهبت لشراء الماء، و ركبت الحافلة حتى وجدت سيدة تجلس مكاني و قد حجزت مقعدا لابنها ، و كان هذا الشاب قد نزل لاقتناء أشياء تخصهما، و لما أردت الجلوس قالت السيدة هذا مقعد ابني، أريتها تذكرة السفر بأنني حجزتُ في المقعد الأول، و شرحت لها الأسباب، لم أتمكن من رؤية وجهها كله، لأنها كانت تضع "برقعا"، و على جبهتها رباطٌ،شدته بعقدة خلف راسها ، لكنها كانت متفهّمة ، حملت أغراض ابنها و تركت لي المقعد بعد أن ردت علي: من حقك ذلك
الأمر هنا يبدو عاديا، المفاجأة أن الشاب حين عاد إلى الحافلة و وجدني جالسة، ثار غضبه ظنا منه أني احتلت مكانه، ظل يرمقني و ينظر إليه بنظرات غضب و عدوانية ، كلّمته باحترام: هذا مقعدي أخي، لكنه تعنّت و انتفض رغم أن والدته شرحت له بما أخبرتُها ، جلس في المقعد المقابل على اليمين و راح يتهجم عليّ بألفاظ عنيفة جدا، و لما أريته التذكرة، قال لي و في حضور الركاب: تَذْكِرَتُكِ أمزّقها لأنني لا أعترف بها، لي قانوني، كان يرتدي قميصا و يطلق لحيته حينها أدركت إلى أيّ تيار ينتمي
والحقيقة أن والدته عاملتني بلطف، لما وقفَتْ على ردود فعلي و أنا أرد عليه دون خوف: تخاطبني بعنف؟ لا تظن أنك سترعبني، ولغة الترهيب هذه لا تخيفني
ردَّ و بكل وقاحة: أنتِ لم تري تمردي بعد
شعرت أن نيران الغضب تشتعل في جسدي
قلتُ تتحدث عن التمرّد، إذن احذر تمرّد المرأة...، كان هذا ردي الأخير
وقد وقف بعض من كانوا داخل الحافلة خشية من أن يحدث شيء ما
وأجدني اسمع لأحدهم يقول لمرافقه: إنه هو البادئ، يهددها و يقول لها أمزق تذكرتكِ؟
حينها استعدت هدوئي بعد أن استغفرتُ ربي و شربتُ كمية من الماء
التفتت إليّ والدته و أخبرتني بأنها تعاني من داء السرطان و أن ابنها مرت عليه ظروف جعلته (.....) و فهمتُ أنه يعاني من حالة نفسية ما، لأن معاملته لي كان فيها تمرد و رهبنة، و لا يعلم أنه يتعامل مع نفسية متمردة بل أكثر منه تمردا، فتاة لا يسكن الخوف قلبها، المهم هدأت النفوس و دخلتُ مع والدته في دردشة، طول الطريق و كم كانت الصدمة لما أخبرتني أمه بأنه يدرس بالمدرسة القرآنية و يُحَضِّرُ نفسه ليكون معلم قرآن في المستقبل، إنه التديّن المغشوش و الوعي المفقود، كيف يكون هذا الشاب قدوة في المستقبل؟، وبأيّ لغة يكلم تلاميذه، هل يخاطبهم بلغة الترهيب والوعيد؟ ، أم بلغة الداعية القدوة؟، لهذه الأسباب فشل مشروع الإصلاح في بلادنا
بدأت الشكوك تتسلل إلى قلبي ، بعد أن أصبحت هذه "المبرقعة" تطرح علي أسئلة عن لقبي؟ و عائلتي؟ و أين أقيم؟ و ماذا أفعل؟، دون أن تراعي الخصوصيات، و لحالتها المرضية ترفّعتُ و لم أصدّها، لكن انتابني شعور بوجود " زندقة " رهيبة تدبُّ بخبث و مكر و في هدوء، تتسلل بمفاهيمها الفاسدة، تأسفت من أعماق قلبي، فهناك من يُظْهِرُ لكَ ما لا يبطنه و ذلك هو النفاق و الرياء بعينه و ذلك هو التديّن المغشوش، فكيف لنا أن نأمن لهم و نثق فيهم؟ ، تيقنتُ أنه لم يعد لمفهوم "الأخوة الإسلامية" وجودٌ ، و بفقدان هذا المفهوم ، فقد الإنسان هذا الجيشان الروحي و الوجداني، و لذا نجد أشخاصا يفضلون العزلة عن المجتمع كخيار إيجابي
نقول: إنه في مثل هذه المواقف و ما ورد من سلوكيات عدوانية من هذا السلفي ( داعية المستقبل) أن الذهنية المتحجرة لا تحقق التغيير، وكم من أمثاله من كانوا سببا فيما وقع من حروب أهلية في العالم الإسلامي كله، عالَمٌ ظل متخلفا ومنقسما، منذ سقوط الخلافة الإسلامية، و كان عليه أن يواكب الحداثة على الطريقة الإسلامية، فالمشكلة هي مشكلة ذهنيات و من الصعب تغييرها، لأنها تجذرت في عقول البعض في ظل التغيرات التي يشهدها العالم كله.
إن التعصب في الفكر و التشدد في معاملة الآخر ، زاد من تشتت المسلمين ، و اختلافهم في كل المسائل ، فلم يكن هناك تعايش فيما بينهم ، و الدليل اختلافهم في المفاهيم ، كمفهوم المجتمع المسلم الذي يتميز بالأخوة و التضامن و التآزر، و المجتمع الإسلامي الذي يتميز أيضا بالتضامن الأخوي، وتطبيق الأخلاق والسلوكيات الإسلامية، و هما مفهومان يخدمان معنى واحد و غاية واحدة، لكن هذا الأخير حمل لونا سياسيا، لا هو ديني و لا هو إنساني، و ما هو ظاهر سوى شعارات مزيفة و قد دفعت سلوكات بعض هذه الجماعات إلى "تشيُّع" بعض المسلمين السُنيّين ، لأن الخطاب الديني انحرف و بدلا من أن يكون خطاب ترغيب تحول إلى خطاب ترهيب.
علجية عيش