انتصف الليل في مدينة إدمنتون، أضاءت إشارة المرور باللون الأحمر، نسيم بارد ينذر بقدوم الشتاء. توقفت بجانبي سيارة سوداء قديمة الطراز، ينبعث من نافذتها طرب السلم الخماسي وصوت يحمل ذكرياته وعبق الزمن الجميل، عزفٌ ليس على وتر بل على الأحاسيس والوجدان.
"وكل الأشواق ... آهاه ... بتجرح قلب المشتاق".
عَرفتُ ذلك الصوت، إنه الفنان إبراهيم الكاشف. ربما في داخل السيارة سوداني أبعدته السنين عن وطنه فتذكر قلبه سمراوة كان يهواها فتزوحت غيره بعد أن أضناها الانتظار، أو تذكر قرية قضى فيها طفولته وزرع في طين أرضها رفقة أبيه، أو صديقا ألقاه الزمن بلا رحمة في صحراء الحجاز، أو وطنا افتقده بحرقة، وطنا رُكل مستقبله بأقدام راعي إبل يقود مجاميع من الحنجويد. آه لو كنتُ أملك وطنا مثله.
صوت صفارة الشرطة يشق السكون من خلفنا، تخترق سيارة الشرطة الإشارة الحمراء دون تردّد لعلّها في طريقها إلى جدال بين شخصين أو امرأة انزلقت على الرصيف أو كلباً أزعج جاره، المؤكد الوحيد أنها ليست في طريقها إلى تفريق مليشيتان قبليتان اقتتلتا أو القبض على زعيمٍ معارض عبّر عن رأيه.
يعود صدى الأغنية يتسلل إلى أذني
"ليك رسالة
لو روحك يوم تنسى دلاله
ليك رسالة
ونعود أحباب زي ما كُنّا"
تنقلب الإشارة إلى الأصفر ثم الأخضر وتنطلق السيارات، كلٌ إلى وجهته وفي ذهنه تدور حكايات.
تعود الوحدة لترافقني كما كانت. من بعيد ومن وراء أطول نهر في ألبيرتا تلوح أضواء قرية فورت ساسكتشوان. أمامي طريق من الأسفلت وليل طويل لا يرحم الغرباء.
"وكل الأشواق ... آهاه ... بتجرح قلب المشتاق".
عَرفتُ ذلك الصوت، إنه الفنان إبراهيم الكاشف. ربما في داخل السيارة سوداني أبعدته السنين عن وطنه فتذكر قلبه سمراوة كان يهواها فتزوحت غيره بعد أن أضناها الانتظار، أو تذكر قرية قضى فيها طفولته وزرع في طين أرضها رفقة أبيه، أو صديقا ألقاه الزمن بلا رحمة في صحراء الحجاز، أو وطنا افتقده بحرقة، وطنا رُكل مستقبله بأقدام راعي إبل يقود مجاميع من الحنجويد. آه لو كنتُ أملك وطنا مثله.
صوت صفارة الشرطة يشق السكون من خلفنا، تخترق سيارة الشرطة الإشارة الحمراء دون تردّد لعلّها في طريقها إلى جدال بين شخصين أو امرأة انزلقت على الرصيف أو كلباً أزعج جاره، المؤكد الوحيد أنها ليست في طريقها إلى تفريق مليشيتان قبليتان اقتتلتا أو القبض على زعيمٍ معارض عبّر عن رأيه.
يعود صدى الأغنية يتسلل إلى أذني
"ليك رسالة
لو روحك يوم تنسى دلاله
ليك رسالة
ونعود أحباب زي ما كُنّا"
تنقلب الإشارة إلى الأصفر ثم الأخضر وتنطلق السيارات، كلٌ إلى وجهته وفي ذهنه تدور حكايات.
تعود الوحدة لترافقني كما كانت. من بعيد ومن وراء أطول نهر في ألبيرتا تلوح أضواء قرية فورت ساسكتشوان. أمامي طريق من الأسفلت وليل طويل لا يرحم الغرباء.