سمير لوبه - حارس المدينة...

تعمل الجرافات بلا توقف، تردم الترعة التي كانت يومًا شريان الإسكندرية.
وقف الشيخ "إمام" بجوار حفيده عند حافة ترعة المحمودية، يتأملان ما تبقى منها وهي في سبيلها أن تصبح ذكرى.
يمضي المشروع بخطواتٍ ثقيلةٍ فوق ما كان ماءً حيًا، حتى بلغ كوبري التاريخ، وتوقف هناك؛ لم تُردَم الترعة عند هذا الموضع، كأن المدينة ترفض أن تُمحَى ذاكرتها.
يشير الحفيد إلى الامتداد الجديد للطريق:
- سيصبح محورًا كبيرًا يا جدي، تمر عليه السيارات والشاحنات. ليختصر الزمن.
ابتسم إمام في صمتٍ طويل، وارتسمت في عينيه نظرةٌ غائرةٌ نحو الماء الذي لم يُدفَن بعد.
وبصوتٍ خافتٍ:
- ليته يختصر الزمان، ويترك المكان .
ثم التفت إلى حفيده:
"هل أخبرتك يا أحمد عن طيفٍ قابلته يومًا هنا؟
ضحك أحمد، وقال بعفوية:
- طيفٌ! تقصد شبحًا يا جدي؟
ابتسم الشيخ إمام ابتسامةً يغمرها الحنين:
- حارس من حجرٍ ونورٍ.
- لم تخبرني عن ذلك يا جدي
- اسمع يا بني، فالحكاية بدأت من هنا، كنت في مثل عمرك، زمن الحرب، حين اشتعلت سماء الإسكندرية بغارات الألمان.
يومها كنت صبيًّا أعمل مع والدي في مخازن غلال مينا البصل، قرب مكابس القطن على أطراف كوبري التاريخ.
كانت الليالي تموج بصافرات الإنذار، والمدينة تختبئ في العتمة.
وفي البر الثاني من الترعة، أرى الصيادين من أبناء غيط العنب وكفر عشري يحملون شباكهم في طريقهم للملاحة، يتهامسون عن طيفٍ يظهر فوق كوبري التاريخ.
يقولون أنه يطير إلى السماء حين يقترب أزيز الطائرات؛ يصدُّ القنابل ليحرس الإسكندرية . حينها ضحكت منهم ، وقلت في نفسي: "شبحٌ يحرس المدينة ، إنهم يهزون"
- وماذا وجدت يا جدي؟
- كنت مخطئًا.
في إحدى الليالي، وأنا أنقل أجولة الغلال إلى المخزن ، لمحت بابًا صغيرًا من حجر ظننته صخرًا ، لم أرَه من قبل.
على الباب نقشٌ، اقتربت، ووضعت كفي عليه فشعرت بحرارة، وضعت أذني فسمعت أنفاسًا بطيئةً، عميقةً.
دفعت الصخر بيدي، فانفتح، ومن بين الغبار رأيت عينين تلمعان؛ صرخت.
فإذا بصوتٍ خفيضٍ كأن الريح هي التي تنطق:
- لا تخف .
تجمدت مكاني، تلعثم لساني:
- من أنت؟!
- أنا حارس المدينة . جئت من معبد راقودة، تمثالي ما زال هناك تحت البحر. منذ أزمنةٍ بعيدة وأنا أحرس المدينة .
وبخوفٍ طفولي متلعثمًا:
- ألست عِفريتًا؟
ابتسم، وقال:
- تعال، لا تخف.
تقدمت قليلًا، فإذا به تمثالٌ من رخامٍ أبيضَ لفارسٍ شابٍ في ملابس الحرب يتأبط خوذته، يمسك سيفًا قصيرًا.
- وماذا بعد يا جدي؟
- بعد أيامٍ، حدث ما لم تنسه الإسكندرية.
سقطت قنبلةٌ بجوار مقام سيدي" أبو الدوردار" ولم تنفجر، هرع الناس إلى هناك يهللون ويكبرون وأنا بينهم.
سكت الشيخ إمام ، ووقف الحفيد مشدوهًا، يحدق في الجزء المتبقي من الترعة، والماء يجري فيها شاحبًا.
يقول الحفيد بهدوءٍ:
- أحقًّا هناك حارس للمدينة ؟
ابتسم الشيخ إمام ومسح على شعره:
- نعم ، ولا يظهر إلا حين تخاف المدينة.
في تلك اللحظة، هبَّت نسمةٌ باردةٌ من جهة عمود السواري، فاهتز سطح الماء، ورأى الحفيد لوهلةٍ طيفًا من نورٍ؛ شهق الطفل والتفت نحو جده، الذي ابتسم قائلًا:
- لا تخف، الإسكندرية ما زالت تنبض.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى