مبارزةٌ بالهراوة، لفرانسيسكو غويا (١٨١٩-١٨٢٣)
أوقفه الضبعُ عند نقطة الدخول الرئيسة إلى الغابة، طالباً منه هويته. تمنَّع في البداية وهو يقول:
-كيف تمنعونني من الدخول؟
رد عليه الضبع بلطف:
-إنها التعليمات، ولستَ مستثنىً منها!
قدَّم له هويته مضطراً، جرّاء إصرار الضبع، الذي ما أن قلَّبها على وجهيها، وهو يمعن النظر فيها، خاطبه:
-أنت مطلوب!
ابتسم، وهو يقول بلهجة لا تخلو من سخرية:
-مطلوب ممَّن ولماذا؟
أشار الضبع إلى لافتة عالية، وهو يقول له:
-ألم تقرأها بعد. انظر، أتريد أن أقرأها لك؟ إنها معلَّقة لك، ولكل من هو من جبلّتك" ممنوع الدخول لغير الحيوانات "!
ابتسم ثانية، أكثر من المرة الأولى، وقال ساخراً، وهو يشير إليها:
-ألا تعرفون من نكون؟
رد عليه الضبع، وهو يلوّح بهويته:
نعرفكم جميعاً. لِعلمك ، ولعلم من هم من جبلّتك، ثمة تعميم بذلك، فلا تجادل..الأفضل لك أن ترجع!
-هذا غير جائز!
قالها وهو يحاول الدخول. لكن الضبع كشَّر عن أنيابه قليلاً هذه المرة:
-حذار، لا خرق للتعليمات !
سكت قليلاً، ثم قال له بلهجة هادئة، وابتسامة خفية:
-أليس هناك من طريقة للدخول، أستطيع أن أرضيك بما تشتهي ؟
كشَّر الضبع عن أنيابه أكثر، وهو يقول:
-احترس..هكذا أنتم..تريد رشوتي؟
-اعتبرها عربون محبة؟
-أحذّرك للمرة الثانية، إياك وقولها !
خرج النمر من مكتب مجاور، قال وهو يتقدم منه:
-لقد سمعت كل شيء،لماذا تريد الدخول؟
نظر إليه، وهو ماض في ابتسامته، وقال:
-لأن ذلك غير مقبول!
نظر النمر في هويته، ومن ثم حدق في وجهه، وأراد لفت نظره وهو يشير إلى مبنى ضخم في الجوار:
-أترى هذا المبنى؟ إنه عبارة عن غرف كثيرة. ليس من كائن حي، إلا وله سجل باسمه. ثمة غرفة ، غرفة صغيرة نسبياً، تضم سجلات بأسماء كل الكائنات التي نعرفها، وباقي الغرف، وهي كثيرة جداً، ومقسّمة، تضم سجلات ضخمة بأسمائكم، وفيها جنايات مختلفة، جنايات مرتكبة بحقنا وطبيعتنا، وما قرارنا هذا بمنع الدخول لغير الحيوانات، إلا إجراء اضطراري، لأنكم لم تتركوا شيئاً إلا وعبثتم به.
ابتسم وهو يقول بصوت أعلى:
-كيف لكم أن تحاكمونا؟
قال النمر بهدوء:
- أرأيت مقدار صلفك.. هكذا أنتم؟ نحن لا نقرّر شيئاً إلا بناء على ثبوتيات.. إنها قوانيننا الخاصة ..
اعترض قائلاً:
-وهل لديكم قوانين ؟
رد النمر بهدوء وصوت مسموع:
-وهذه بمثابة جناية، عندما تتحدث أنت ومَن هم مثلك عن القوانين؟ نعم، قوانيننا قائمة، إنها في دمائنا، في جلودنا، في أعصابنا، في روائحنا مذ كنا.. لا نحتاج إلى حمْلها أو كتابتها نحن جميعاً، خلافكم، وأنتم تضعونها كما تشتهون، وتنتهكونها فيما بينكم متى أردتم.
-نضع القوانين ليعرفنا الآخرون طبعاً.
علَّق النمر بسخرية:
-وهل عرفتم أنتم أنفسكم، قبل الآخرين ؟
ثم سأله النمر، حين أبصر صورة حمار على زنده:
-ماذا تفعل هذه الصورة هناك؟
نظر إليها، ورد عليه وهو يبتسم:
-لا بد أنك تعرفها بالتأكيد، إنها صورة حمار!
-وماذا تفعل صورة الحمار هناك؟ ماالذي يجمع بينكم والحمار؟
-أنت تخلط الأمور ببعضها بعضاً. لأمر ما يعنينا!
رد النمر بجدية واضحة:
-لا شيء يجمع بينكما.. ثم أنت تشير إليه بسخرية.. انتبه.. أنت تسيء إلى مواطن في غابتنا..أن تحمل أثراً من غيرك، صورة وسواها، تعدّ عليه..كلّ منا يعرف حدوده، ما عداكم أنتم.. تنسبون كل شيء، إليكم..هذا من بين الجنايات الكبرى ..
-يكفي أننا نتكلم مع بعضنا بعضاً، فماذا لديكم؟
رد النمر وهو يكشّر عن أنيابه هذه المرة:
-كل لغاتكم التي اصطنعتموها لم تمنعكم من ضرب بعضكم بعضاً، ومن التعدي على الآخرين، على كل شيء. كما قلت لك، لا نحتاج إلى لغات مثلكم، إن طريقتنا في شم الروائح كافية للتمييز بين الأشياء..
ثم استدعى النمر نمساً، وقال له:
-هوذا النمس الخبير في العلاقات العامة، ولديه معلومات كافية عنكم، جرّاء تحرياته الطويلة والدقيقة، أليس كذلك يا نمس؟
-نمس، وماذا لدى النمس ليكون محل ثقة؟
حاول النمس الرد عليه، لكن النمر أشار إليه بأن يهدأ، ليقول له مخاطباً إياه:
-وهذه جناية أخرى.. لا يُسمح لك، ولأي كان، في أن يسخر من مقابله. إنه محل ثقتنا، وعليك أن تأخذ علماً بذلك..
ثم استدعى نملة، وهو يطلب منها فحصه:
-وماذا لدى النملة، لتفحصني؟ هذا غير مقبول إطلاقاً؟
قالها وهو في هيئة غضب، بينما النملة كانت تتقدم منه وتلمسه، ورد النمر:
-يا لكم من غريبي الطباع! تحكمون على الأشياء والآخرين، من خلال أشكالهم وأحجامهم..لولا ثقتنا أيضاً بالنملة، ومعرفتنا أن كل حيوان في مجموعتنا ما يميّزه، لما طلبنا منها ذلك.. إنها بخبرتها الأرضية، وتعقّب الأثر، ومع صغر حجمها، تستطيع التمييز بين جسم وآخر بمجرد لمسه.. تلك هي فضيلة النملة..
-أنا أرى أشياء غريبة تحدث أمامي، لا بد أن هناك خللاً ما .
قالها وهو ينظر حواليه.
-نريد إيقاظك وتنبيهك إلى ما يجري، ولكي تخبر بني جلدتك بذلك..
قالها النمر، ثم طلب منه أن ينظر ليرى ما يحدث حوله:
-انظر جيداً.. ها هي حيوانات كثيرة تتابع ما يجري.. إنها متوثبة، ولا تخفي توترها، لا بد أنها متخوفة مما يمكن أن يحدث بسبب ظهورك هنا، خوفها من أن تضربها ببعضها بعضاً، ولأنني مسئول رئيس عن هذه النقطة، أقول لك للمرة الأخيرة، بأن دخولك وكل من هم مثلك إلى الغابة ممنوع، للأسباب التي ذكرناها.
ثم مخاطباً الضبع قائلاً:
-أعطه هويته، ودعه يرجع من حيث أتى بالحسنى، قبل حدوث ما لا يسر له، ولا يسرنا نحن أيضاً !