أوائل تسعينيات القرن الماضي ، كُلفت مرافقا لفربق عمل تربوي بيداغوجي ، خبراء و كوادر الإختصاص من بينهم أجانب.
كانت مهامي محددة ألا تتعدى حدود وسط مدينة أدرار. أطلعهم على بعض المعالم الحضارية الثقافية التاريخية البسيطة ، كانت من بينهم ساحة الشهداء حاضرة ساحة (ماسيني) La place ، سوق الدينار ، سلسلة الفقاقير ، البناء المعماري الهندسي للمدينة ، و على معالم ابوابها الأربعة . دخلنا باب بودة و امتد بنا المسير وجهة سوق بودة. في منتصف الطربق فجأة خرج رجل أشعثا اغبرا من بين ازدحام المارة ، لا احد يدري من أين نزل أو من أين صعد في هذا الشارع الطويل الذي يوشك ألا ينتهي عند حانوت معين او عند طاولة بائع متجول معين . الجميع هنا يشتري و الجميع يبيع ايضا ، و اللي ما شرا يتنزه كما يقول المثل الشعبي الجزائري.
خرج الرجل يشق صفوف الناس ، مهتلسا ، مهوسا ، هرمسيا ، كان دائما يتكلم حينما لم يكن أحدا يريد ان يستمع اليه ، كلام أضغاث احلام ، بالكاد الأسماع تقبض على جملة مفيدة فيه حتى يشط بالمعنى الى هامش آخر ، أكثر شتاتا و تلعثما و تلكؤا ، .
حافي القدمين ، تبدو ثيابه لا تشبه أي ثياب لا لون و لا شكل ، قلقا ، لا يدوم على حال و لا يستقر على وضع ، كالطائر الجريح مكسور الجناح ، يحاول الطيران لكن سرعان ما تشده الجاذبية الأرضية الى أسفل ، الى حيث يترجل الناس أجمعين.
غير انه لا من هؤلاء و لا من اولئك ، من طينة اخرى ، و من نفس اخرى ، و من مملكة أخرى... أين يفقد فيه المرء احسن ما يميزه كجنس البشر سيد المخلوقات جميعا ، عقله ، ربما خسر تجارة و ذهب عقله ، ربما خسر حبيب ، و ربما تعرض لخيانة أو فقدان عزيز....تعددت الأسباب و الجنون واحد..الشعراء هم أكثر اناس عرضة للجنون في مجرى التاريخ ، سمى افلاطون الشعر بالجنون السماوي ، و هو لا يبدع ما لم يفقد عقله. كما سمى الخبراء الإستراتيجيين الحرب "جنون التاريخ" ، حين يفكر المرء و فق (منطق ابليس) ، أي وفق قدرته التدميرية.
الجنون هو الملح الذي يحمي العقل من الفساد !
اقل من تلك اللمحة الاولى للنظرة الاولى ، كالبرق الخاطف ، كالإعصار العاصف شق صفنا ، لم نره في بادئ الامر لكن شعرنا بإرتداد سلم ريتشر من حولنا ، علمنا أن الأرض اهتزت ثم رست تنتمي الى مجموعتها الشمسية المعتادة.
لم يذهب بعيدا حتى عاد الينا مدبرا ، ادرنا اليه جمعا ملتمسا مني أنا شخصيا ان اعطيه بالضبط عدا و نقدا خمسون دينارا جزائريا و هو مبلغا زهيدا بالكاد يسد رمقه لبعض السويعات المعدودات....
كان صوته عاليا و مكرر الطلب امرا و ليس خيارا ، ادعى كل واحد منا
لم نسمع و اكملنا المسير ، كنا كلما أقتربنا السوق ، شعرنا يزداد بعدا ، أكيد اليوم لا احد في يومه من هؤلاء الناس جميعا ، خاصة في ظل وجود هذا المجنون..سمعنا بعض العجائز تمتم و تردد بعض التعويذات ، بعض الكلمات الطقسية الدينية أو الشبيهة للدين ، سألني بعض الزوار من هم معي معنى كلمة "أمسلمين" !؟
التي ترددها عجوز ، رغم كبر سنها إلا انها أسرعت الخطى و هي تردد امسلمين...امسلمين...امسلمين !
حاولت ان أجيب الزائر عن معنى الكلمة ، لكن كنت كلما اقتربت من المفهوم يهرب التعريف مني مجددا !
طقس متعاهد عليه ، متوارث يؤخذ كما هو لا يفسر ، تماما كالأساطير لا تفسر !. تماما كلما رأى الرائي منظرا أو مشهدا هائلا ، مذهلا ، مدهشا ، يعجز عن التفسير ؛ يردد كلمة "أمسلمين"....!
هي بعض الخطوات خطيناها قدما حتى سمعنا المجنون يردد جملة ظلت عالقة في ذهني الى يومنا ...هذه المرة كلمات واضحة معاني و كانها سطرت تسطيرا بالمسطرة المليمترية قبل أن تكتب بقلم الحبر الجاف.
هذه المرة لسنا وحدنا من نسمع ، الجميع اليوم بصره وسمعه حديد ، يقول : واه...هذا انت يا العقيد...يا الشاعر...يا المثقف....حمسون دينارا بخلت بها الي...طز...يا الفهامة...!
هنا جميعنا و كأن أقدامه ضربت بمسامير الى الارض ، بل كل جوارحنا و حواسنا توقفت عن تراسلاستها و تداعياتها وظائفها الفيزيولوجية....لا أحد يصدق ما يسمع !
ظل الحال هكذا الاعين تنطر الى الاعين ، و لكن لا احد تجاوب مع الموقف الذي وضعنا فيه هذا المجنون....حتى تحامل احد الكوادر على نفسه قائلا :
أسمعت يا العقيد هذا يعرفك !
تماسكت انا بدوري و استرجعت قواي و كأني توا افقت من غيبوبة فقد الاوكسجين ما وراء الغلاف الجوي الفرط صوتي...حاولت ان الحق بالرجل المجنون...ان امنحه ضعف مما طلب. الرجل يسارع الخطى...يهرول...يجري...و كأنه بهرب مني ، لم يعد يريد مني شيئا...! اختفى فجأة ، كان في مرمى عيناي...، هل صعد الى السماء ، أو ابتلعته الأرض...أين اختفى الرجل !؟
عدت الى رفاقي وجدتهم و كأن الطير على رؤوسهم ، كما تركتهم و كأن الرصيف ألتصق باحذيتهم ، ما كدت ألتقط انفاسي حتى صدمني احدهم هل بلغته !؟
أجبته : أختفى !
سمعت رفيقا آخر يقول : راحت عليك يا العقيد !
و ثالث أردف يقول : لا علينا ، هيا نكمل ما تبقى....حتى المجانين تعرفك يا العقيد !
صرنا نمشي و أكيد كل واحد منا كان يردد سرا ترنيمة تعويذة تلك العجوز : أمسلمين...أمسلمين...امسلمين !.
كانت مهامي محددة ألا تتعدى حدود وسط مدينة أدرار. أطلعهم على بعض المعالم الحضارية الثقافية التاريخية البسيطة ، كانت من بينهم ساحة الشهداء حاضرة ساحة (ماسيني) La place ، سوق الدينار ، سلسلة الفقاقير ، البناء المعماري الهندسي للمدينة ، و على معالم ابوابها الأربعة . دخلنا باب بودة و امتد بنا المسير وجهة سوق بودة. في منتصف الطربق فجأة خرج رجل أشعثا اغبرا من بين ازدحام المارة ، لا احد يدري من أين نزل أو من أين صعد في هذا الشارع الطويل الذي يوشك ألا ينتهي عند حانوت معين او عند طاولة بائع متجول معين . الجميع هنا يشتري و الجميع يبيع ايضا ، و اللي ما شرا يتنزه كما يقول المثل الشعبي الجزائري.
خرج الرجل يشق صفوف الناس ، مهتلسا ، مهوسا ، هرمسيا ، كان دائما يتكلم حينما لم يكن أحدا يريد ان يستمع اليه ، كلام أضغاث احلام ، بالكاد الأسماع تقبض على جملة مفيدة فيه حتى يشط بالمعنى الى هامش آخر ، أكثر شتاتا و تلعثما و تلكؤا ، .
حافي القدمين ، تبدو ثيابه لا تشبه أي ثياب لا لون و لا شكل ، قلقا ، لا يدوم على حال و لا يستقر على وضع ، كالطائر الجريح مكسور الجناح ، يحاول الطيران لكن سرعان ما تشده الجاذبية الأرضية الى أسفل ، الى حيث يترجل الناس أجمعين.
غير انه لا من هؤلاء و لا من اولئك ، من طينة اخرى ، و من نفس اخرى ، و من مملكة أخرى... أين يفقد فيه المرء احسن ما يميزه كجنس البشر سيد المخلوقات جميعا ، عقله ، ربما خسر تجارة و ذهب عقله ، ربما خسر حبيب ، و ربما تعرض لخيانة أو فقدان عزيز....تعددت الأسباب و الجنون واحد..الشعراء هم أكثر اناس عرضة للجنون في مجرى التاريخ ، سمى افلاطون الشعر بالجنون السماوي ، و هو لا يبدع ما لم يفقد عقله. كما سمى الخبراء الإستراتيجيين الحرب "جنون التاريخ" ، حين يفكر المرء و فق (منطق ابليس) ، أي وفق قدرته التدميرية.
الجنون هو الملح الذي يحمي العقل من الفساد !
اقل من تلك اللمحة الاولى للنظرة الاولى ، كالبرق الخاطف ، كالإعصار العاصف شق صفنا ، لم نره في بادئ الامر لكن شعرنا بإرتداد سلم ريتشر من حولنا ، علمنا أن الأرض اهتزت ثم رست تنتمي الى مجموعتها الشمسية المعتادة.
لم يذهب بعيدا حتى عاد الينا مدبرا ، ادرنا اليه جمعا ملتمسا مني أنا شخصيا ان اعطيه بالضبط عدا و نقدا خمسون دينارا جزائريا و هو مبلغا زهيدا بالكاد يسد رمقه لبعض السويعات المعدودات....
كان صوته عاليا و مكرر الطلب امرا و ليس خيارا ، ادعى كل واحد منا
لم نسمع و اكملنا المسير ، كنا كلما أقتربنا السوق ، شعرنا يزداد بعدا ، أكيد اليوم لا احد في يومه من هؤلاء الناس جميعا ، خاصة في ظل وجود هذا المجنون..سمعنا بعض العجائز تمتم و تردد بعض التعويذات ، بعض الكلمات الطقسية الدينية أو الشبيهة للدين ، سألني بعض الزوار من هم معي معنى كلمة "أمسلمين" !؟
التي ترددها عجوز ، رغم كبر سنها إلا انها أسرعت الخطى و هي تردد امسلمين...امسلمين...امسلمين !
حاولت ان أجيب الزائر عن معنى الكلمة ، لكن كنت كلما اقتربت من المفهوم يهرب التعريف مني مجددا !
طقس متعاهد عليه ، متوارث يؤخذ كما هو لا يفسر ، تماما كالأساطير لا تفسر !. تماما كلما رأى الرائي منظرا أو مشهدا هائلا ، مذهلا ، مدهشا ، يعجز عن التفسير ؛ يردد كلمة "أمسلمين"....!
هي بعض الخطوات خطيناها قدما حتى سمعنا المجنون يردد جملة ظلت عالقة في ذهني الى يومنا ...هذه المرة كلمات واضحة معاني و كانها سطرت تسطيرا بالمسطرة المليمترية قبل أن تكتب بقلم الحبر الجاف.
هذه المرة لسنا وحدنا من نسمع ، الجميع اليوم بصره وسمعه حديد ، يقول : واه...هذا انت يا العقيد...يا الشاعر...يا المثقف....حمسون دينارا بخلت بها الي...طز...يا الفهامة...!
هنا جميعنا و كأن أقدامه ضربت بمسامير الى الارض ، بل كل جوارحنا و حواسنا توقفت عن تراسلاستها و تداعياتها وظائفها الفيزيولوجية....لا أحد يصدق ما يسمع !
ظل الحال هكذا الاعين تنطر الى الاعين ، و لكن لا احد تجاوب مع الموقف الذي وضعنا فيه هذا المجنون....حتى تحامل احد الكوادر على نفسه قائلا :
أسمعت يا العقيد هذا يعرفك !
تماسكت انا بدوري و استرجعت قواي و كأني توا افقت من غيبوبة فقد الاوكسجين ما وراء الغلاف الجوي الفرط صوتي...حاولت ان الحق بالرجل المجنون...ان امنحه ضعف مما طلب. الرجل يسارع الخطى...يهرول...يجري...و كأنه بهرب مني ، لم يعد يريد مني شيئا...! اختفى فجأة ، كان في مرمى عيناي...، هل صعد الى السماء ، أو ابتلعته الأرض...أين اختفى الرجل !؟
عدت الى رفاقي وجدتهم و كأن الطير على رؤوسهم ، كما تركتهم و كأن الرصيف ألتصق باحذيتهم ، ما كدت ألتقط انفاسي حتى صدمني احدهم هل بلغته !؟
أجبته : أختفى !
سمعت رفيقا آخر يقول : راحت عليك يا العقيد !
و ثالث أردف يقول : لا علينا ، هيا نكمل ما تبقى....حتى المجانين تعرفك يا العقيد !
صرنا نمشي و أكيد كل واحد منا كان يردد سرا ترنيمة تعويذة تلك العجوز : أمسلمين...أمسلمين...امسلمين !.