استطعتُ أن أنجو.
انطلقتُ راكضًا، بعد أن تسلّلتُ على أطرافِ أصابعي.
ركضتُ بسرعةٍ جنونية، يسبقني لهاثي، يُربكني قلبي بخفقانه، ويُعيق الظلام سرعتي، خاصّةً وأنّ أزقّتنا مليئةٌ بالحُفر وأكوام القُمامة.
أخيرًا وصلتُ.. على الفور، أيقظتُ الشرطة.
تثاءبوا، تمطّوا، رمقوني بغضب، وحين شرحتُ لهم ما أنا فيه، أخذوا يتضاحكون.
سألني الرقيب:
– هل أنت تهذي؟!
أقسمتُ لهم بأني لا أَهذي، ولستُ في حُلم، بل ما أقوله حقيقة.
وإن كانوا لا يُصدّقون، فعليهم أن يذهبوا معي، ليُشاهدوا بأعينهم، وليشنقوني في حال كان كلامي كاذبًا.
لكنّ المُساعد المُناوب أخبرني، بعد أن تظاهر بالاقتناع:
– نحن لا نستطيع تشكيل دوريّة للذهاب معك، إلّا بعد أن يأتي سيادة النقيب.
أرسل القسم الثاني متى شئت.
وحين سألته عن موعد مجيء سيادة رئيس المخفر، أجاب:
– صباحًا... بعد التاسعة.
ولولا خوفي الشديد من رجال الشرطة، لكنتُ صرختُ في وجهه:
– لكني لا أستطيع الانتظار، إنّ الأمر غايةٌ في الخطورة!
كبحتُ انفعالي، وسألته برقةٍ واحترام:
– ألا يوجد هاتفٌ في منزل سيادته؟
صاح المساعد، ذو الكرش المنتفخة:
– أتُريد أن نُزعج سيادته من أجلك، أيها الصعلوك؟!
وتمنّيتُ أن أردّ عليه:
– أنا لستُ صعلوكًا، بل مواطنٌ أتمتّع بالجنسية والحقوق كافة.
ولكني همستُ:
– حسنًا يا سيدي، هل لك أن تدلّني على منزل سيادته؟ وأنا أتعهّد لك بالذهاب إليه، والحصول على موافقته بتشكيل الدوريّة.
وما كدتُ أنهي كلامي، وأنا في غاية التهذيب والاحترام، حتى قذفني المساعد بفردة حذائه المركونة قرب سريره، وبصراخه المخيف قال:
– أنت لا تفهم؟!.. وحقّ الله إنك (جحِش)! أتريد أن تذهب إلى بيته؟!!.. يا لشجاعتك!.. انقلع، وانتظر
، وإيّاك أن تعاود إزعاجنا.. قسمًا، (لأحشرنّك) في المنفردة!
جلستُ أنتظر. لم أستطع الثبات، فأخذت أتمشّى بهدوءٍ شديد عبر الممرّ الضيّق، وأنا أراقب عقارب الساعة... الدقيقة كانت أطول من يومٍ كامل.
أما عناصر الشرطة، فقد عادوا جميعًا إلى نومٍ عميق. واكتشفتُ أنّهم جميعًا مصابون بداء الشخير! وكان صوت شخير المساعد أعلى من الجميع. فرحتُ أتخيّل مقدار قوّة الشخير عند سيادة النقيب!
تململت، ضجرت، يئست، فقدتُ قدرتي على الصّبر، فصرخت:
– يا ناس... أنا في عرضكم!
رفع الشرطيّ رأسه، حدجني بعينين ناعستين، وزعق:
– اخرس يا عديم الذوق!
خرستُ، وانتظرت، ثم عاودتُ المشي في الممر، ومراقبة الثواني. دخّنتُ ما لا يُحصى من السجائر، وأحصيت عدد بلاط الممر عشرات المرّات.
طال انتظاري، تجدد وتمدد، ضقتُ ذرعًا، نفد صبري، وطلعت روحي. اكتويتُ بنار الوقت، وقلقي يتضاعف، فمرور الوقت ليس في صالحي.
عليّ أن أفعل شيئًا... هل أعود بمفردي؟ لكن يجب أن يكون أحدٌ معي، شخص ذو صفة رسميّة. لكن ما باليد حيلة!
خطر لي أن ألجأ إلى أخي
، فهو أقرب الناس إليّ.
خرجتُ من المخفر خلسة، هرولتُ، ركضتُ.. وكنتُ أُضاعف من سرعتي، حتى أخذتُ ألهث، والعرق يتصبب منّي غزيرًا.
قالت زوجة أخي (عائشة)
، بعد أن رويتُ حكايتي لأخي:
- نحن لا علاقة لنا
بالمشاكل... عدْ إلى الشرطة.
خرجتُ من بيت أخي (عبدو)، والدموع تترقرق في عيني، وتذكّرتُ كلام المرحوم أبي:
– الرجلُ الذي تسيطر عليه زوجته، لا يُرجى منه خير.
توجّهتُ إلى أبناء عمّي، طرقتُ عليهم الأبواب، وتوالت الأكاذيب:
– (محمود)... ذهب إلى عمله باكرًا.
– (حسن)... مريض، لم يذق طعم النوم.
وبخشونة، قال (ناجي):
– أنت لا تأتي إلينا إلا ووراءك المصائب!
(يونس)، ابن عمّتي، أرغى وأزبد، أقسم وتوعّد، لكنه في النهاية، نصحني أن أعود إلى المخفر، حتى لا نخرج عن القانون.
قرّرتُ أن أعود إلى حارتي
، فهناك قد ألجأ إلى الجيران، علّ النخوة عندهم تكون أشدّ حرارة من نخوة أخي، وأبناء عمّي، والشرطة.
ولمّا بلغتُ الزقاق، صرختُ:
– يا أهل النخوة،الحقوني
... الله يستر على
أعراضكم!
فُتحت الأبواب بعَجَلة، وخرج الناس فزعين، التفّوا حولي يسألون، وكنت أشرح لهم من خلال دموعي، لكن جاري (فؤاد) أخرسني حين قال:
– نحن لا علاقة لنا بك ولا بزوجتك... اذهب إلى الشرطة.
عدتُ إلى المخفر، ووجدتُ المساعد ونفرًا من العناصر قد استيقظوا، واستبشرتُ خيرًا حين ناداني المساعد:
– هل معك نقود، أيها المواطن؟
– نعم، سيدي.
– إذاً، اذهب وأحضر لنا فطورًا على ذوقك، حتى ننظر في أمرك.
دفعتُ معظم ما أحمل في جيبي، وتناولوا جميعهم فطورهم بشراهة. تمنّيت أن أشاركهم طعامهم، فكّرت أن أقترب دون استئذان، أليست نقودي ثمن طعامهم هذا؟!..
وحين دنوت خطوة، لمحني المساعد، واللقمة الهائلة في فمه، فأشار إليَّ أن أقترب. سعدتُ بإشارة يده، واعتبرتُه طيّب القلب، ونسيتُ أنه ضربني ليلة أمس بحذائه الضخم.
وحين دنوت منه، أشار قائلاً:
– خذ هذا الإبريق واملأه بالماء.
اشتعل حقدي من جديد، واشتدّ نفوري منه، ومن عناصره.
ها هي الساعة تتجاوز الحادية عشرة، ورئيس المخفر لم يأتِ بعد.
ولمّا اقتربت من المساعد مستوضحاً:
– يا سيدي... لقد تأخّر سيادة النقيب!
رمقني بغضب، وصاح:
– لا تؤاخذه يا حضرة، فهو لا يعرف أنك بانتظاره.
في الساعة الثانية عشرة وسبع دقائق، وصل النقيب. هرعتُ نحو مكتبه، لكن الحاجب أوقفني:
– سيادة النقيب لا يسمح لأحد بالدخول قبل أن يشرب قهوته.
المدّة التي وقفتُها تكفي لشرب عشرة فناجين من القهوة!
ولمّا هممتُ بالدخول مرّة أخرى، أوقفني الحاجب مجدّدًا:
– سيادته لا يسمح لأحد بالدخول قبل أن يُوقّع البريد.
انتظرت... دخّنتُ لفافتين قبل أن أتقدّم، لكنّ الشرطي باغتني بصياحه:
– سيادته لا يُقابل أحدًا قبل أن يطّلع على جرائد اليوم!
لاحَ في الباب طيف فتاة... شقراء، ممشوقة القوام، لا تتجاوز العشرين
عارية الفخذين.. والكتفَين
، والصّدر، والظّهر... تضع نظّارة، وتحمل حقيبة، وتجرّ خلفها كلباً غزير الشّعر، كأنّه خاروف. نبح عليّ بوحشيّة، وراحت تخاطبه بلغةٍ لم أفهمها.
اتّجهت نحو مكتب النّقيب. انحنى الشّرطي، وفتح لها الباب. دلف الكلب إلى الدّاخل، ثمّ تبعته. دَوَّت في أذنيّ عبارةٌ حفظتُها:
ـ "سيادته لا يسمح لأحدٍ بالدّخول..."
لكنّني مددتُ رأسي، وحاولتُ الدّخول خلفها، فجذبني الحاجب من ياقة قميصي. وثب الكلب نحوي، نابحاً بعصبيّة واحتقار.
قال الحاجب بصرامة:
ـ "سيادته لا يسمح لأحدٍ بالدّخول، قبل أن ينصرف ضيوفه."
أدخل الشّرطي إليهم ثلاثة فناجين من القهوة. سألتُ نفسي بدهشة:
ـ هل يشرب كلبُها القهوة أيضاً؟!
طال انتظاري... الضّحكات الشّبقة تتسرّب من خلف الباب.
والشرطي، مع كلّ رنّة جرس، يدخل حاملاً كؤوس الشّراب، والشّاي، والزّهورات، والمَتّة، والكازوز، والميلو، والكاكاو، وإبريق ماءٍ مثلّج.
وأخيراً... دخل حاملاً محارم (هاي تِكس).
الضّحكات تتعالى، ونباح الكلب يزداد، كلّما نظرتُ نحو الباب.
تمنّيتُ أن يُفتح الباب، ويطلّ عليّ كلبها، وحينها سأرتمي على قوائمه، وأتوسّل إليه، ليكون وسيطاً لي عند سيادة رئيس المخفر.
لكنّني تذكّرت... فكلبها، للأسف، لا أفهم لغته.
وبدون وعيٍ منّي، وجدتني أهجم نحو الباب الموصد، أدقّه بعنف، وأصرخ:
ـ "أرجوك يا جناب الكلب... أريد مقابلة النّقيب!"
وما هي إلّا لحظات... حتّى غامت الدّنيا.
توالت اللّكمات، والرّفسات، واللّعنات...
والنّباح يتعالى... ويتعالى... ويتعالى...
وحين بدأ العالم يتراءى لي، وجدتُ نفسي... ملقى في زاوية الزّنزانة، غارقاً في دمي.*
مصطفى الحاج حسين.
حلب، عام 1993م
=======
**((محمود علي السعيد... الشاعر الذي أنقذني من ورطة))..
(مصطفى الحاج حسين).
في زمنٍ كانت فيه الكلمة تُقاس بميزان الخوف، وكان الكاتب يمشي على حدّ السكين، عرفتُ رجلاً لا يشبه سواه. كان شاعراً، وناقداً، ومثقفاً يُجيد الإنصات كما يُجيد الحضور. إنه الشاعر الفلسطيني الكبير *محمود علي السعيد*، رائد القصة القصيرة جداً، والناقد التشكيلي، والمسؤول الثقافي في النادي العربي الفلسطيني بحلب.
في إحدى أمسيات عام 1994م، قدّمني الأستاذ محمود للجمهور في أمسية أقيمت في النادي، قرأت خلالها قصتي *"إقلاق راحة"*، وهي قصة جريئة، كتبتها من قلب الاحتقان، كاشفةً عن البيروقراطية والاستبداد، بمجازٍ لا يخفى على لبيب. كنت مندفعاً، متهوراً ربما، لم أفكر بالعواقب.
وحين أنهيت القراءة، نهض من بين الجمهور رجلٌ بلباس مدني، طويلٌ وعريض المنكبين، عرّف عن نفسه قائلاً:
*"أنا النقيب فلان من فرع كذا، وأريد أن أعرف من الكاتب متى وأين وقعت أحداث القصة؟!"*
جمدت الدماء في عروقي، نظرت إلى وجوه الحاضرين فوجدت القلق في عيونهم. شعرت أنني وقعت في فخ، وأن الورطة التي وضعت نفسي فيها أكبر مما تصورت.
وهنا، تدخّل الأستاذ محمود علي السعيد، الذي كان يجلس بجانبي على المنصة، وبلمسةٍ خفيفة على فخذي فهمت أنه سيتولى الرد. فقال للنقيب، بثقة ومباشرة:
"أحداث القصة وقعت في البلد المجاور، في العراق... الذي رئيسنا ما بيحب رئيسهم."
ضحك النقيب، ورضي بالجواب، وتنفّس الجميع الصعداء. أُلغيت فقرة النقاش، وغادرنا القاعة، بينما التصفيق لا يزال يتردد في الذاكرة.
هذا الموقف لم يكن الأول من نوعه، فقد كان محمود علي السعيد حريصاً دائماً على حماية الكلمة وصاحبها. كان، حين نشك في حضور أحد "الرفاق"، يُنادِي عليه صراحةً بكلمة "رفيق"، لنفهم جميعاً الرسالة، ونتحدث بحذر.
محمود علي السعيد لم يكن مجرد شاعر، بل كان مؤسسة ثقافية وإنسانية تمشي على قدمين، تحمل الشعر بيد، والحكمة باليد الأخرى.
له مني كل الوفاء، والتقدير، والعرفان.*
مصطفى الحاج حسين.
إسطنبول
انطلقتُ راكضًا، بعد أن تسلّلتُ على أطرافِ أصابعي.
ركضتُ بسرعةٍ جنونية، يسبقني لهاثي، يُربكني قلبي بخفقانه، ويُعيق الظلام سرعتي، خاصّةً وأنّ أزقّتنا مليئةٌ بالحُفر وأكوام القُمامة.
أخيرًا وصلتُ.. على الفور، أيقظتُ الشرطة.
تثاءبوا، تمطّوا، رمقوني بغضب، وحين شرحتُ لهم ما أنا فيه، أخذوا يتضاحكون.
سألني الرقيب:
– هل أنت تهذي؟!
أقسمتُ لهم بأني لا أَهذي، ولستُ في حُلم، بل ما أقوله حقيقة.
وإن كانوا لا يُصدّقون، فعليهم أن يذهبوا معي، ليُشاهدوا بأعينهم، وليشنقوني في حال كان كلامي كاذبًا.
لكنّ المُساعد المُناوب أخبرني، بعد أن تظاهر بالاقتناع:
– نحن لا نستطيع تشكيل دوريّة للذهاب معك، إلّا بعد أن يأتي سيادة النقيب.
أرسل القسم الثاني متى شئت.
وحين سألته عن موعد مجيء سيادة رئيس المخفر، أجاب:
– صباحًا... بعد التاسعة.
ولولا خوفي الشديد من رجال الشرطة، لكنتُ صرختُ في وجهه:
– لكني لا أستطيع الانتظار، إنّ الأمر غايةٌ في الخطورة!
كبحتُ انفعالي، وسألته برقةٍ واحترام:
– ألا يوجد هاتفٌ في منزل سيادته؟
صاح المساعد، ذو الكرش المنتفخة:
– أتُريد أن نُزعج سيادته من أجلك، أيها الصعلوك؟!
وتمنّيتُ أن أردّ عليه:
– أنا لستُ صعلوكًا، بل مواطنٌ أتمتّع بالجنسية والحقوق كافة.
ولكني همستُ:
– حسنًا يا سيدي، هل لك أن تدلّني على منزل سيادته؟ وأنا أتعهّد لك بالذهاب إليه، والحصول على موافقته بتشكيل الدوريّة.
وما كدتُ أنهي كلامي، وأنا في غاية التهذيب والاحترام، حتى قذفني المساعد بفردة حذائه المركونة قرب سريره، وبصراخه المخيف قال:
– أنت لا تفهم؟!.. وحقّ الله إنك (جحِش)! أتريد أن تذهب إلى بيته؟!!.. يا لشجاعتك!.. انقلع، وانتظر
، وإيّاك أن تعاود إزعاجنا.. قسمًا، (لأحشرنّك) في المنفردة!
جلستُ أنتظر. لم أستطع الثبات، فأخذت أتمشّى بهدوءٍ شديد عبر الممرّ الضيّق، وأنا أراقب عقارب الساعة... الدقيقة كانت أطول من يومٍ كامل.
أما عناصر الشرطة، فقد عادوا جميعًا إلى نومٍ عميق. واكتشفتُ أنّهم جميعًا مصابون بداء الشخير! وكان صوت شخير المساعد أعلى من الجميع. فرحتُ أتخيّل مقدار قوّة الشخير عند سيادة النقيب!
تململت، ضجرت، يئست، فقدتُ قدرتي على الصّبر، فصرخت:
– يا ناس... أنا في عرضكم!
رفع الشرطيّ رأسه، حدجني بعينين ناعستين، وزعق:
– اخرس يا عديم الذوق!
خرستُ، وانتظرت، ثم عاودتُ المشي في الممر، ومراقبة الثواني. دخّنتُ ما لا يُحصى من السجائر، وأحصيت عدد بلاط الممر عشرات المرّات.
طال انتظاري، تجدد وتمدد، ضقتُ ذرعًا، نفد صبري، وطلعت روحي. اكتويتُ بنار الوقت، وقلقي يتضاعف، فمرور الوقت ليس في صالحي.
عليّ أن أفعل شيئًا... هل أعود بمفردي؟ لكن يجب أن يكون أحدٌ معي، شخص ذو صفة رسميّة. لكن ما باليد حيلة!
خطر لي أن ألجأ إلى أخي
، فهو أقرب الناس إليّ.
خرجتُ من المخفر خلسة، هرولتُ، ركضتُ.. وكنتُ أُضاعف من سرعتي، حتى أخذتُ ألهث، والعرق يتصبب منّي غزيرًا.
قالت زوجة أخي (عائشة)
، بعد أن رويتُ حكايتي لأخي:
- نحن لا علاقة لنا
بالمشاكل... عدْ إلى الشرطة.
خرجتُ من بيت أخي (عبدو)، والدموع تترقرق في عيني، وتذكّرتُ كلام المرحوم أبي:
– الرجلُ الذي تسيطر عليه زوجته، لا يُرجى منه خير.
توجّهتُ إلى أبناء عمّي، طرقتُ عليهم الأبواب، وتوالت الأكاذيب:
– (محمود)... ذهب إلى عمله باكرًا.
– (حسن)... مريض، لم يذق طعم النوم.
وبخشونة، قال (ناجي):
– أنت لا تأتي إلينا إلا ووراءك المصائب!
(يونس)، ابن عمّتي، أرغى وأزبد، أقسم وتوعّد، لكنه في النهاية، نصحني أن أعود إلى المخفر، حتى لا نخرج عن القانون.
قرّرتُ أن أعود إلى حارتي
، فهناك قد ألجأ إلى الجيران، علّ النخوة عندهم تكون أشدّ حرارة من نخوة أخي، وأبناء عمّي، والشرطة.
ولمّا بلغتُ الزقاق، صرختُ:
– يا أهل النخوة،الحقوني
... الله يستر على
أعراضكم!
فُتحت الأبواب بعَجَلة، وخرج الناس فزعين، التفّوا حولي يسألون، وكنت أشرح لهم من خلال دموعي، لكن جاري (فؤاد) أخرسني حين قال:
– نحن لا علاقة لنا بك ولا بزوجتك... اذهب إلى الشرطة.
عدتُ إلى المخفر، ووجدتُ المساعد ونفرًا من العناصر قد استيقظوا، واستبشرتُ خيرًا حين ناداني المساعد:
– هل معك نقود، أيها المواطن؟
– نعم، سيدي.
– إذاً، اذهب وأحضر لنا فطورًا على ذوقك، حتى ننظر في أمرك.
دفعتُ معظم ما أحمل في جيبي، وتناولوا جميعهم فطورهم بشراهة. تمنّيت أن أشاركهم طعامهم، فكّرت أن أقترب دون استئذان، أليست نقودي ثمن طعامهم هذا؟!..
وحين دنوت خطوة، لمحني المساعد، واللقمة الهائلة في فمه، فأشار إليَّ أن أقترب. سعدتُ بإشارة يده، واعتبرتُه طيّب القلب، ونسيتُ أنه ضربني ليلة أمس بحذائه الضخم.
وحين دنوت منه، أشار قائلاً:
– خذ هذا الإبريق واملأه بالماء.
اشتعل حقدي من جديد، واشتدّ نفوري منه، ومن عناصره.
ها هي الساعة تتجاوز الحادية عشرة، ورئيس المخفر لم يأتِ بعد.
ولمّا اقتربت من المساعد مستوضحاً:
– يا سيدي... لقد تأخّر سيادة النقيب!
رمقني بغضب، وصاح:
– لا تؤاخذه يا حضرة، فهو لا يعرف أنك بانتظاره.
في الساعة الثانية عشرة وسبع دقائق، وصل النقيب. هرعتُ نحو مكتبه، لكن الحاجب أوقفني:
– سيادة النقيب لا يسمح لأحد بالدخول قبل أن يشرب قهوته.
المدّة التي وقفتُها تكفي لشرب عشرة فناجين من القهوة!
ولمّا هممتُ بالدخول مرّة أخرى، أوقفني الحاجب مجدّدًا:
– سيادته لا يسمح لأحد بالدخول قبل أن يُوقّع البريد.
انتظرت... دخّنتُ لفافتين قبل أن أتقدّم، لكنّ الشرطي باغتني بصياحه:
– سيادته لا يُقابل أحدًا قبل أن يطّلع على جرائد اليوم!
لاحَ في الباب طيف فتاة... شقراء، ممشوقة القوام، لا تتجاوز العشرين
عارية الفخذين.. والكتفَين
، والصّدر، والظّهر... تضع نظّارة، وتحمل حقيبة، وتجرّ خلفها كلباً غزير الشّعر، كأنّه خاروف. نبح عليّ بوحشيّة، وراحت تخاطبه بلغةٍ لم أفهمها.
اتّجهت نحو مكتب النّقيب. انحنى الشّرطي، وفتح لها الباب. دلف الكلب إلى الدّاخل، ثمّ تبعته. دَوَّت في أذنيّ عبارةٌ حفظتُها:
ـ "سيادته لا يسمح لأحدٍ بالدّخول..."
لكنّني مددتُ رأسي، وحاولتُ الدّخول خلفها، فجذبني الحاجب من ياقة قميصي. وثب الكلب نحوي، نابحاً بعصبيّة واحتقار.
قال الحاجب بصرامة:
ـ "سيادته لا يسمح لأحدٍ بالدّخول، قبل أن ينصرف ضيوفه."
أدخل الشّرطي إليهم ثلاثة فناجين من القهوة. سألتُ نفسي بدهشة:
ـ هل يشرب كلبُها القهوة أيضاً؟!
طال انتظاري... الضّحكات الشّبقة تتسرّب من خلف الباب.
والشرطي، مع كلّ رنّة جرس، يدخل حاملاً كؤوس الشّراب، والشّاي، والزّهورات، والمَتّة، والكازوز، والميلو، والكاكاو، وإبريق ماءٍ مثلّج.
وأخيراً... دخل حاملاً محارم (هاي تِكس).
الضّحكات تتعالى، ونباح الكلب يزداد، كلّما نظرتُ نحو الباب.
تمنّيتُ أن يُفتح الباب، ويطلّ عليّ كلبها، وحينها سأرتمي على قوائمه، وأتوسّل إليه، ليكون وسيطاً لي عند سيادة رئيس المخفر.
لكنّني تذكّرت... فكلبها، للأسف، لا أفهم لغته.
وبدون وعيٍ منّي، وجدتني أهجم نحو الباب الموصد، أدقّه بعنف، وأصرخ:
ـ "أرجوك يا جناب الكلب... أريد مقابلة النّقيب!"
وما هي إلّا لحظات... حتّى غامت الدّنيا.
توالت اللّكمات، والرّفسات، واللّعنات...
والنّباح يتعالى... ويتعالى... ويتعالى...
وحين بدأ العالم يتراءى لي، وجدتُ نفسي... ملقى في زاوية الزّنزانة، غارقاً في دمي.*
مصطفى الحاج حسين.
حلب، عام 1993م
=======
**((محمود علي السعيد... الشاعر الذي أنقذني من ورطة))..
(مصطفى الحاج حسين).
في زمنٍ كانت فيه الكلمة تُقاس بميزان الخوف، وكان الكاتب يمشي على حدّ السكين، عرفتُ رجلاً لا يشبه سواه. كان شاعراً، وناقداً، ومثقفاً يُجيد الإنصات كما يُجيد الحضور. إنه الشاعر الفلسطيني الكبير *محمود علي السعيد*، رائد القصة القصيرة جداً، والناقد التشكيلي، والمسؤول الثقافي في النادي العربي الفلسطيني بحلب.
في إحدى أمسيات عام 1994م، قدّمني الأستاذ محمود للجمهور في أمسية أقيمت في النادي، قرأت خلالها قصتي *"إقلاق راحة"*، وهي قصة جريئة، كتبتها من قلب الاحتقان، كاشفةً عن البيروقراطية والاستبداد، بمجازٍ لا يخفى على لبيب. كنت مندفعاً، متهوراً ربما، لم أفكر بالعواقب.
وحين أنهيت القراءة، نهض من بين الجمهور رجلٌ بلباس مدني، طويلٌ وعريض المنكبين، عرّف عن نفسه قائلاً:
*"أنا النقيب فلان من فرع كذا، وأريد أن أعرف من الكاتب متى وأين وقعت أحداث القصة؟!"*
جمدت الدماء في عروقي، نظرت إلى وجوه الحاضرين فوجدت القلق في عيونهم. شعرت أنني وقعت في فخ، وأن الورطة التي وضعت نفسي فيها أكبر مما تصورت.
وهنا، تدخّل الأستاذ محمود علي السعيد، الذي كان يجلس بجانبي على المنصة، وبلمسةٍ خفيفة على فخذي فهمت أنه سيتولى الرد. فقال للنقيب، بثقة ومباشرة:
"أحداث القصة وقعت في البلد المجاور، في العراق... الذي رئيسنا ما بيحب رئيسهم."
ضحك النقيب، ورضي بالجواب، وتنفّس الجميع الصعداء. أُلغيت فقرة النقاش، وغادرنا القاعة، بينما التصفيق لا يزال يتردد في الذاكرة.
هذا الموقف لم يكن الأول من نوعه، فقد كان محمود علي السعيد حريصاً دائماً على حماية الكلمة وصاحبها. كان، حين نشك في حضور أحد "الرفاق"، يُنادِي عليه صراحةً بكلمة "رفيق"، لنفهم جميعاً الرسالة، ونتحدث بحذر.
محمود علي السعيد لم يكن مجرد شاعر، بل كان مؤسسة ثقافية وإنسانية تمشي على قدمين، تحمل الشعر بيد، والحكمة باليد الأخرى.
له مني كل الوفاء، والتقدير، والعرفان.*
مصطفى الحاج حسين.
إسطنبول