لم يكن في ملامحه ما يدعو للشك. جاءها في هيئة رجل هادئ يلوذ بالوقار، يحملُ في صمتهِ رجاء أرمَلٍ يبحث عن سَكينة. صديقٌ مشترك قرَّبه منها بعد رحيل زوجها، ولم يُطِل في التفاصيل، اكتفى بالإشارة: "يعيش في الدولة الخليجية التي تعملين بها... رجل طيّب." صدَّقته.
لقاؤهما الأول كان مُتكئًا على حذرها. تحدَث بهدوءٍ، بصوت كمَن يخشى أن يوقِظ شيئًا:
- بَلغني أنك تتحسَّبين مِنِّي... فهل قرأتِ في تاريخنا المفترَى عليه؟
نظرت إليه بعينٍ لا تُخاصم، وأجابت:
- لم أحب السياسة يومًا، كنتُ أركضُ خلفَ الكتب لا المواقف، تفوقتُ، نلتُ الدكتوراه في الأدب، وابتعدتُ عن كل ما يُثير الغُبار. حتى الثورة، كنتُ أتابعها من هنا... فقط خَوفي على وطني هو ما شَغلني.
أضاء وجهه ارتياحٌ مُبهم. كانت إجابتها بالنسبة له تذكرة عبور. بدأ يسرد عن الظلم، والافتراء، عن ماضٍ مَطمور، عن جماعةٍ أُسيءَ فهمها، وظُلمَت على امتداد الحكم. ثم رمَى بالكلمة: "العَسكر."
تصلبَت ملامحها. قالتها صريحة: "عسكر؟!"
ضحك مُراوغًا، وقال إنها مجرَّد عبارة تتردد كثيرًا هذه الأيام، وكأنه يَسحبُ فخًا كان قد بسَطه على المائدة.
تلاشَت رَيبتها، وتزوّجته.
مرَّت الأيام، وكانت تُتابع الشاشات بنبض متوتر. النار تشتعل في شوارع الوطن، الخراب يملأ الحكايات، والدمُ يسيلُ بلا نهاية. كانت تسأله، فينتقل كالماء بين الإجابات، لا يمنحها رأيًا، ولا يكشف وجهه الحقيقي.
مكالماته كانت طويلة، بلُغاتٍ مختلفة، وهمساتٍ من وراء الأبواب، وإن اقتربَت أنهى المكالمة. وإن سألته، تهرَّب.
كانت تُبرر له: "ربما يخشَى على مشاريعه في مصر... الثورة تُربك كل شيء."
وذات صباح، دخلت عليه بمحض العادة، تحملُ فنجان قهوته. لم ينتبه لوجودها. كان ظهره نحو الباب، وصوته ينفجر في هاتفه:
"انسفوا الجيش... احرقوا المحاكم... فجّروا مراكز الشرطة... اقتلوا القضاة والضباط والعَسكر".
تجمَدت. لم تعُد تعرف نفسها ولا المكان. كانت الكلمات خناجر تتطاير في أذنيها. انسحَبت كمن يرى الوحش على هيئة بشَر.
في غرفتها، احتشدَ الصُداع، وتكاثف الأسَى. سؤالٌ واحد تمادى في رأسها: "هل كنتُ نائمةً إلى هذا الحد؟!" من هذا الرجل الذي يهمس بالحب مَساءً، ويَصرخ بالدم صَباحًا؟
ليلة كاملة قضتها في الصالون، لا نَوم، لا بكاء، فقط صمتٌ كثيف. لم يقترب منها، لم يسأل. كان منشغلًا، ربما بتلك الأوامر التي تُشبه النيران.
وفي الصباح، خرج إليها بنفس الابتسامة، تلك التي سقطت منذ البارحة: "ما بكِ حبيبتي... وطنية؟"
نظرت إليه مليًّا، بصوتٍ لا يَقبل النقاش، قالت: "طلِّقني."
لقاؤهما الأول كان مُتكئًا على حذرها. تحدَث بهدوءٍ، بصوت كمَن يخشى أن يوقِظ شيئًا:
- بَلغني أنك تتحسَّبين مِنِّي... فهل قرأتِ في تاريخنا المفترَى عليه؟
نظرت إليه بعينٍ لا تُخاصم، وأجابت:
- لم أحب السياسة يومًا، كنتُ أركضُ خلفَ الكتب لا المواقف، تفوقتُ، نلتُ الدكتوراه في الأدب، وابتعدتُ عن كل ما يُثير الغُبار. حتى الثورة، كنتُ أتابعها من هنا... فقط خَوفي على وطني هو ما شَغلني.
أضاء وجهه ارتياحٌ مُبهم. كانت إجابتها بالنسبة له تذكرة عبور. بدأ يسرد عن الظلم، والافتراء، عن ماضٍ مَطمور، عن جماعةٍ أُسيءَ فهمها، وظُلمَت على امتداد الحكم. ثم رمَى بالكلمة: "العَسكر."
تصلبَت ملامحها. قالتها صريحة: "عسكر؟!"
ضحك مُراوغًا، وقال إنها مجرَّد عبارة تتردد كثيرًا هذه الأيام، وكأنه يَسحبُ فخًا كان قد بسَطه على المائدة.
تلاشَت رَيبتها، وتزوّجته.
مرَّت الأيام، وكانت تُتابع الشاشات بنبض متوتر. النار تشتعل في شوارع الوطن، الخراب يملأ الحكايات، والدمُ يسيلُ بلا نهاية. كانت تسأله، فينتقل كالماء بين الإجابات، لا يمنحها رأيًا، ولا يكشف وجهه الحقيقي.
مكالماته كانت طويلة، بلُغاتٍ مختلفة، وهمساتٍ من وراء الأبواب، وإن اقتربَت أنهى المكالمة. وإن سألته، تهرَّب.
كانت تُبرر له: "ربما يخشَى على مشاريعه في مصر... الثورة تُربك كل شيء."
وذات صباح، دخلت عليه بمحض العادة، تحملُ فنجان قهوته. لم ينتبه لوجودها. كان ظهره نحو الباب، وصوته ينفجر في هاتفه:
"انسفوا الجيش... احرقوا المحاكم... فجّروا مراكز الشرطة... اقتلوا القضاة والضباط والعَسكر".
تجمَدت. لم تعُد تعرف نفسها ولا المكان. كانت الكلمات خناجر تتطاير في أذنيها. انسحَبت كمن يرى الوحش على هيئة بشَر.
في غرفتها، احتشدَ الصُداع، وتكاثف الأسَى. سؤالٌ واحد تمادى في رأسها: "هل كنتُ نائمةً إلى هذا الحد؟!" من هذا الرجل الذي يهمس بالحب مَساءً، ويَصرخ بالدم صَباحًا؟
ليلة كاملة قضتها في الصالون، لا نَوم، لا بكاء، فقط صمتٌ كثيف. لم يقترب منها، لم يسأل. كان منشغلًا، ربما بتلك الأوامر التي تُشبه النيران.
وفي الصباح، خرج إليها بنفس الابتسامة، تلك التي سقطت منذ البارحة: "ما بكِ حبيبتي... وطنية؟"
نظرت إليه مليًّا، بصوتٍ لا يَقبل النقاش، قالت: "طلِّقني."