كنت كأي صبي أتلذذ بالألعاب. بيوت بلاستيكية أكونها من المكعبات، دمي من القطن أضمها قبل نومي، طائرات ورقية أصعد إلى سطح منزلنا لأطيرها مع الأولاد، مراكب من الورق أضعها في حوض المطبخ، بينما أمي تنشغل بإعداد الطعام لأبي الذي سيعود بعد قليل.
ويأتي أبي قرب العصر، ينهار فوق الفراش. تنحني أمي على قدميه لتخلع له فردتي حذائه. يتمددٌ، يشخر، لا يشعر بي وأنا أضع كفي الصغيرة على وجهه. أحاول إيقاظه، ولكنه لا يقوم. تقول أمي إنه مرهق من العمل. أسألها: وماذا يعمل؟ فتجيبني أنه سجان. أسألها: وما السجان؟ فتجيبني بأنه حارس السجن، ثم تدفعني عنها لما تراني أزيد في أسئلتي.
وأعود لأتأمل أبي، أصبح عجوزًا ورأسه يخلو من أي شعرة سوداء، وثمة صلعة تزحف على مقدمة رأسه. ألبث في غرفتي ريثما يقوم، ويفعل ذلك قرب الفجر. يراني فيقول: ما يوقظك؟ فأرد: أنتظرك. يجلس إلى جواري، ويفتش في صندوق ألعابي...
ما هذا؟ أهي عروسة قطنية؟ ألم تكبر بعد على هذه الألعاب؟ لا أجيب. عندي لك لعبة جديدة، تناسبك وسألعبها معك. ألم تشتكي مرارًا من أني لا ألعب معك؟ ها أنا أفعل. هيا، ضم يديك. نعم، هكذا. ضمهما بقوة أكثر. يتناول حبلاً ويربط ذراعي ببعضهما. أضحك رغماً عني.
أهي لعبة جديدة يا أبي؟ يقول فرحًا: إنها لعبة ولا كل اللعب. والآن ستظل مقيد اليدين وملتزم المكان هذا حتى يفرج عنك. فأواصل ضحكي. وفجأة يرفع يده ثم يهوي على صدغي بقوة، فأتألم وأصرخ. فيصيح بي على الفور: أصمت. أم تريد لأمك أن تجيء لتأخذك مني؟ فاصمت قليلاً. يزيد من صفعاته، وأكتم ألمي قدر المستطاع. أود أن أتركه لأهرب إلى غرفتي، ولكن لما أراه سعيدًا بما يفعل، أجامله بالضحك والتظاهر بالسعادة أنا الآخر، حتى يغلبني التعب فأسقط برأسي.
وذات يوم استيقظت على صياح أمي. ألا تكف عن جنونك هذا؟ وهو لا يجيب. إنه يخافها. نعم، يخافها. يتجنب دائمًا أن يجادلها في شيء، ويصمت دائمًا. يلمحني فيخفض رأسه. تواصل أمي الصياح: أنت مجنون وستجننه معك. اقترب منه. لماذا أمي غاضبة؟ فيجيب: إنها ترفض ألعابنا يا صغيري. أترفضها أنت؟ فأرد من فوري: لا، إنها مسلية جدًا. فيجيب بدوره: وممتعة للغاية. دعك منها. هيا، هيا سأريك شيئًا جديدًا هذه المرة. وينقبض قلبي خوفًا من لعبته الجديدة!
يقيد ساقَيَّ، يرفعهما إلى أعلى، ويسندهما على كرسي مقلوب. ثم يتناول خرزانة طويلة كان يخفيها في غرفته، ويضربني بها على قدمي. أتألم، أصرخ. يهتف بي: أخفض صوتك. أمك في المطبخ ستسمعك. فأغالب ألمي، وعيناه ضاحكتان مستمتعتان.
ها، ما رأيك؟ ألم أقل لك إنها جميلة للغاية؟ عندي مثلها أكثر من لعبة. إنني أمضي يومي كله في اللعب بها. ثم يجلس مرهقًا، يسند ظهره على الدولاب، وينشف عرقه. أسأله وأنا أمسك قدمي اللتين تورمتا: وأين تلعب هذه اللعبة يا أبي؟ في السجن حيث أعمل. ثم يصمت لحظات كأنه يفكر. ثم يقول: حذار أن تخبر أمك. وإن رأتنا، فقل بأنك مستمتع. وأنك من طلبت. فأهز رأسي.
* * *
في بقية اليوم، أجلس مع أمي. أسألها: لماذا أبي مختلف عن الناس؟ لا تجيب. وأسألها: أرى غيره يلعب ألعابًا أقل عنفًا؟ ترد: الإنسان حسب طبيعته وما اعتاد عليه. وتمضي كالعادة من وجهي كلما حاولت أن أتمادى في أسئلتي.
وأفكر في حالي مع أبي. إنني أشاهد غيره من الآباء يفسحون أبناءهم في الحدائق، ويجرون خلفهم في المنزل، ويوصلونهم إلى المدارس صباحًا. صوت التلفزيون في بيوتهم عالٍ حتى ساعة متأخرة، ضاحكون ومبسوطون. وأرى عكس كل هذا في بيتنا.
تلصصت عليه في نومه ذات مرة، فإذا به يبتسم. يتحدث كأنما يخاطب أحدًا، يقول له: أمر جنابك. سمعت كلمة جنابك في نومه أكثر من عشر مرات. عيناه الجاحظتان المفتوحتان حتى وهو نائم تخيفاني. أحس به ينظر إليّ، فأجري من أمامه.
يستيقظ كالعادة قرب الفجر. عندي لك لعبة لا تلعب إلا للمتميزين فقط. يربط ساعدي ويوسع بينهما، أصبح كالمصلوب. يتناول سوطًا لم أره من قبل في بيتنا، أسمع صوته يشق به الهواء، فارتاع. يضربني به الضربة الأولى، فلا أتحمل وأصرخ. يهتف بي: أصمت. فأصرخ أكثر. أحس بظهري يتشقق، والدم ينبثق منه. يضرب أكثر في هيستيرية هذه المرة، فأواصل الصراخ حتى أغشى علي.
ولم أفق إلا بعد حين، حين طويل. وجدتني في بيت خالي، وجهه يبتسم، يتألم من أجلي، وأمي إلى جواره. يقول لها في حسم: لا مفر من الطلاق. تبكي أمي وتقول: أبعد كل هذه العشرة؟ ويتم الطلاق بالفعل. وفي صمت وهدوء، انتقلنا من بيت أبي إلى بيت خالي.
أتذكر نظرته إليّ وأنا أمضي وخالي يشدني من يدي. خيل إليّ أنني رأيته يبكي!
ولا تمر أيام حتى أسمع خبرًا يهتز له كياني، وفجر في بركان الحزن والغضب: لقد انتحر أبي. نعم، انتحر. وجدوه مشنوقًا ولسانه مدلي.
استدعوا خالي وأمي كون أبي لا أهل له يتسلمون جثته. رفضت أمي أن تصحبني إلى الشقة، فثرت وأخذت أضرب الأرض بقدمي، وخالي يحاول تهدئتي. ولكن لم يستطيعا، لم يجدا مفرًا من ذهابي إلى الشقة القديمة لزيارتها.
وهناك، رأيت كل شيء محطماً: الأثاث، والمرآة، والفراش ممزق بسكين، والقطن يتناثر على الأرض. بدا أنه قد أصيب بحالة يأس مخيفة في الأيام الأخيرة. سرت وحدي نحو غرفته، فإذا بي أرى ألعابي الصغيرة ملقاة هنا وهناك، تلك الألعاب التي كانت تخصنا وحدنا: السوط الأسود، الخرزانة الطويلة، الحبل، القيود الحديدية، كل شيء. كل شيء يخصنا.
لقد أراد حتمًا أن يلعبها مع أحدهم، ولكنه لم يجد من يشاركه لعبته على ما يبدو، أو من يتحملها. ملأني الحزن، وأحسست أنني صاحب سبب في ما جرى له. تمتم خالي وهو يضع يده على كتفي: لقد استعصت عليه فكرة أنه سجين لأول مرة وليس سجانا، فتخلص من حياته!
ويأتي أبي قرب العصر، ينهار فوق الفراش. تنحني أمي على قدميه لتخلع له فردتي حذائه. يتمددٌ، يشخر، لا يشعر بي وأنا أضع كفي الصغيرة على وجهه. أحاول إيقاظه، ولكنه لا يقوم. تقول أمي إنه مرهق من العمل. أسألها: وماذا يعمل؟ فتجيبني أنه سجان. أسألها: وما السجان؟ فتجيبني بأنه حارس السجن، ثم تدفعني عنها لما تراني أزيد في أسئلتي.
وأعود لأتأمل أبي، أصبح عجوزًا ورأسه يخلو من أي شعرة سوداء، وثمة صلعة تزحف على مقدمة رأسه. ألبث في غرفتي ريثما يقوم، ويفعل ذلك قرب الفجر. يراني فيقول: ما يوقظك؟ فأرد: أنتظرك. يجلس إلى جواري، ويفتش في صندوق ألعابي...
ما هذا؟ أهي عروسة قطنية؟ ألم تكبر بعد على هذه الألعاب؟ لا أجيب. عندي لك لعبة جديدة، تناسبك وسألعبها معك. ألم تشتكي مرارًا من أني لا ألعب معك؟ ها أنا أفعل. هيا، ضم يديك. نعم، هكذا. ضمهما بقوة أكثر. يتناول حبلاً ويربط ذراعي ببعضهما. أضحك رغماً عني.
أهي لعبة جديدة يا أبي؟ يقول فرحًا: إنها لعبة ولا كل اللعب. والآن ستظل مقيد اليدين وملتزم المكان هذا حتى يفرج عنك. فأواصل ضحكي. وفجأة يرفع يده ثم يهوي على صدغي بقوة، فأتألم وأصرخ. فيصيح بي على الفور: أصمت. أم تريد لأمك أن تجيء لتأخذك مني؟ فاصمت قليلاً. يزيد من صفعاته، وأكتم ألمي قدر المستطاع. أود أن أتركه لأهرب إلى غرفتي، ولكن لما أراه سعيدًا بما يفعل، أجامله بالضحك والتظاهر بالسعادة أنا الآخر، حتى يغلبني التعب فأسقط برأسي.
وذات يوم استيقظت على صياح أمي. ألا تكف عن جنونك هذا؟ وهو لا يجيب. إنه يخافها. نعم، يخافها. يتجنب دائمًا أن يجادلها في شيء، ويصمت دائمًا. يلمحني فيخفض رأسه. تواصل أمي الصياح: أنت مجنون وستجننه معك. اقترب منه. لماذا أمي غاضبة؟ فيجيب: إنها ترفض ألعابنا يا صغيري. أترفضها أنت؟ فأرد من فوري: لا، إنها مسلية جدًا. فيجيب بدوره: وممتعة للغاية. دعك منها. هيا، هيا سأريك شيئًا جديدًا هذه المرة. وينقبض قلبي خوفًا من لعبته الجديدة!
يقيد ساقَيَّ، يرفعهما إلى أعلى، ويسندهما على كرسي مقلوب. ثم يتناول خرزانة طويلة كان يخفيها في غرفته، ويضربني بها على قدمي. أتألم، أصرخ. يهتف بي: أخفض صوتك. أمك في المطبخ ستسمعك. فأغالب ألمي، وعيناه ضاحكتان مستمتعتان.
ها، ما رأيك؟ ألم أقل لك إنها جميلة للغاية؟ عندي مثلها أكثر من لعبة. إنني أمضي يومي كله في اللعب بها. ثم يجلس مرهقًا، يسند ظهره على الدولاب، وينشف عرقه. أسأله وأنا أمسك قدمي اللتين تورمتا: وأين تلعب هذه اللعبة يا أبي؟ في السجن حيث أعمل. ثم يصمت لحظات كأنه يفكر. ثم يقول: حذار أن تخبر أمك. وإن رأتنا، فقل بأنك مستمتع. وأنك من طلبت. فأهز رأسي.
* * *
في بقية اليوم، أجلس مع أمي. أسألها: لماذا أبي مختلف عن الناس؟ لا تجيب. وأسألها: أرى غيره يلعب ألعابًا أقل عنفًا؟ ترد: الإنسان حسب طبيعته وما اعتاد عليه. وتمضي كالعادة من وجهي كلما حاولت أن أتمادى في أسئلتي.
وأفكر في حالي مع أبي. إنني أشاهد غيره من الآباء يفسحون أبناءهم في الحدائق، ويجرون خلفهم في المنزل، ويوصلونهم إلى المدارس صباحًا. صوت التلفزيون في بيوتهم عالٍ حتى ساعة متأخرة، ضاحكون ومبسوطون. وأرى عكس كل هذا في بيتنا.
تلصصت عليه في نومه ذات مرة، فإذا به يبتسم. يتحدث كأنما يخاطب أحدًا، يقول له: أمر جنابك. سمعت كلمة جنابك في نومه أكثر من عشر مرات. عيناه الجاحظتان المفتوحتان حتى وهو نائم تخيفاني. أحس به ينظر إليّ، فأجري من أمامه.
يستيقظ كالعادة قرب الفجر. عندي لك لعبة لا تلعب إلا للمتميزين فقط. يربط ساعدي ويوسع بينهما، أصبح كالمصلوب. يتناول سوطًا لم أره من قبل في بيتنا، أسمع صوته يشق به الهواء، فارتاع. يضربني به الضربة الأولى، فلا أتحمل وأصرخ. يهتف بي: أصمت. فأصرخ أكثر. أحس بظهري يتشقق، والدم ينبثق منه. يضرب أكثر في هيستيرية هذه المرة، فأواصل الصراخ حتى أغشى علي.
ولم أفق إلا بعد حين، حين طويل. وجدتني في بيت خالي، وجهه يبتسم، يتألم من أجلي، وأمي إلى جواره. يقول لها في حسم: لا مفر من الطلاق. تبكي أمي وتقول: أبعد كل هذه العشرة؟ ويتم الطلاق بالفعل. وفي صمت وهدوء، انتقلنا من بيت أبي إلى بيت خالي.
أتذكر نظرته إليّ وأنا أمضي وخالي يشدني من يدي. خيل إليّ أنني رأيته يبكي!
ولا تمر أيام حتى أسمع خبرًا يهتز له كياني، وفجر في بركان الحزن والغضب: لقد انتحر أبي. نعم، انتحر. وجدوه مشنوقًا ولسانه مدلي.
استدعوا خالي وأمي كون أبي لا أهل له يتسلمون جثته. رفضت أمي أن تصحبني إلى الشقة، فثرت وأخذت أضرب الأرض بقدمي، وخالي يحاول تهدئتي. ولكن لم يستطيعا، لم يجدا مفرًا من ذهابي إلى الشقة القديمة لزيارتها.
وهناك، رأيت كل شيء محطماً: الأثاث، والمرآة، والفراش ممزق بسكين، والقطن يتناثر على الأرض. بدا أنه قد أصيب بحالة يأس مخيفة في الأيام الأخيرة. سرت وحدي نحو غرفته، فإذا بي أرى ألعابي الصغيرة ملقاة هنا وهناك، تلك الألعاب التي كانت تخصنا وحدنا: السوط الأسود، الخرزانة الطويلة، الحبل، القيود الحديدية، كل شيء. كل شيء يخصنا.
لقد أراد حتمًا أن يلعبها مع أحدهم، ولكنه لم يجد من يشاركه لعبته على ما يبدو، أو من يتحملها. ملأني الحزن، وأحسست أنني صاحب سبب في ما جرى له. تمتم خالي وهو يضع يده على كتفي: لقد استعصت عليه فكرة أنه سجين لأول مرة وليس سجانا، فتخلص من حياته!