تجوّلتُ في أزقَّتِها الضيِّقةِ، كَمَن يبحثُ عن ظِلّهِ بين جدرانِ الطين الصامتةٍ وترابِها الذي يحتفظُ بأنفاسِ الكهنةِ وآثارِ التراتيلِ القديمة. "أوروك"، ما أروعُكِ! في كل حَجَرٍ ذاكرةٌ، وفي كل لبنةٍ حنينٌ إلى زمنٍ كان فيه الإنسانُ يكلّمُ الآلهةَ وجهاً لوجه.
السَّيرُ أتعبني، وعند جدارٍ نصف مهدومٍ لمعبدٍ سومريٍّ قديم جلستُ. أسندتُ رأسي إلى الطين. رموز بدت كأنها حروف تشبه الإسفين لكلمات منقوشة عليه. دارت الأرضَ حول رأسي ولا أدري أكان بداية غفوة أم عبورًا إلى زمنٍ آخر. همسٌ من الأعماق يقول: من يعرفُ الأرض لا بدّ أن يعرفَ السماءَ، يعرفَ الماء، خُلِق الإنسان منه، وترابٍ حاولتُ تلمسه. غرستُ أصابعي، ذراعي ونصف جسدي فوجدتني أغور فيه. يا إلهي. ترابٌ يصير ماءً وذلك الجدار إلى موجٍ يتلوّى كأفعىً من ضوءٍ وزبد. أسبح لاهثا، كأنني خرجتُ لتوّي من أسطورةٍ كانت تنتظرني منذ البدء، حُفِرَت بلوحٍ منقوشٍ عليه اسمي.
بحرٌ بدا هادئًا كأنه يُخفي أسرارًا لم تُروَ بعد. أتأرجحُ بين قلق وأمان، كمن يدخل بيتًا يعرفه منذ الخلق الأول. كانت المياه تلمع تحت شمسٍ تلوّح لي بصفاءٍ خادع. سبحتُ... كأنني أعومُ في رحمٍ قديمٍ من الطين والماء. وكلّما ابتعدتُ، شعرتُ أنني أتحرّر من ثقل الأرض، من قيود الواقع، من نفسي. موجة مرعبة نَهَضَتْ فجأةً، كأنها روحٌ من غضبِ "الأبسو". صَرَخَتْ بصوتٍ يهزّ الأعماق: إلى أين أيها الإنسان؟ أتظنُّ أن البحرَ حقلُ لَهْوِكَ؟
تلعثمتُ، والماء يشتدّ عليّ كأصابعِ قَدَرٍ لا ترحم. قلتُ وأنا أقاوم: يا موجةَ البحر، أنا ابنُ الأرضِ والماء، لم آتِ لأتحدّى، بل لأتطهّر! ضحكتْ وكان لصوتها رعدٌ يدوّي في صدري: التطهّر لا يكون بالتهوّر. من ينسى حدوده ويُنعِشُ في أعماقه الغرورَ، كمن ينسى حدود الماء، يغرق في جهله قبل أن يغرق في البحر.
تقلّبتْ بي الأمواجُ. حاولتُ أن أصرخ، لكن الهواء كان آخر ما تبقّى في صدري. رفعتُ بصري إلى السماء المطموسة بالماء وقلتُ برجاءٍ مرتجف: يا "إنكي"، يا ربّ الحكمة والمياه، لا تدعني شاهدًا على حماقتي. أنقذني لأتعلّم.
صَمْتٌ ساد لحظات. موجة همست، كأنها تسمع نداءً خفيًّا من الأعماق: "إنكي" لا ينجّي مَن يهرب من نفسه، لكنه يمدّ اليد لمن يعترف بخطئه. لقد طلبتَ النجاة من الغرق، ونسيت غروركَ، فاستمع لدرس الماء." ها هو "أوتونابشتم" قد اقترب. لابد أن تبدأ من جديد. اركب، اركب. أنت بأمان.
هدأتْ فجأةً، وانسابتْ حولي برفقٍ كذراع أمٍّ تغفر. ضوءٌ باهتٌ يشقّ العتمة، يتلوّى بين الفقاعات. لم أعرف أهو نور "إنكي" أم نور الوعي الذي أضيء في قلبي؟ وحين وصلت الشاطئ، فهمتُ أنّ الموج لم يُرد موتي، بل أراد أن يعيدني إلى حدودي الأولى. حدود الكائن الذي خُلق من ماءٍ وتراب، ونُفخت فيه روحُ الحكمة لا الغرور. لابد أن اتركَ غروري وأعيرَ سمعي. نظرتُ إلى الأفق وناديتُ: "إنكي... شكرًا لك، يا إنكي. لقد أنقذتَني لا من الموج، بل من نفسي، وأنا برفقة هذا الرجل المعمر الذي يسيطر على دفة السفينة بمهارة وحكمة وقوة الشباب."
كلّ ما في الوجود ماءٌ يتحرّك من ظلمةٍ إلى نور، من عمقٍ إلى سطح، كما تتحرك الأرواح بين جهلٍ ومعرفة، بين خوفٍ وإدراك. أدركتُ أنّ الغرقَ ليس في البحر، بل في الغفلةِ؛ والنجاةُ لا تأتي من اليد التي تُنقذ الجسد، بل من البصيرة التي تُنقذ الفكر. علّمني "إنكي" أنّ الحكمة ليست في تحدّي الموج، بل في الإصغاء إلى همسه؛ والماء لا يكره من يعبره، لكنه يعاقب من ينسى قِدميه من طين، وأصله من ضعفٍ. صرتُ أرى في كلّ موجة موعظة، وفي كلّ قطرة، نداءً خفيًا: "لن أنسى أنني جزءٌ من البحر، وأن البحرَ فيَّ.
فتحت عينيّ. فوجدتني ممددًا وسط حلقة بشرية تنظر اليَّ باستغراب. نهضت. ملابسي يابسة. يا للعجب!! لأنفضها من التراب إذن. صوتٌ طفوليٌّ اعتدتُ سماعة: ماذا بك يا بابا؟ قل لي يا بابا من هو "إنكي"؟ ردَّت امُّهُ: إنه بين سطور الكتاب الذي غطّى وجهَهُ حتى الصباح.
هوامش
أبسو أو أبزو ومعنى الكلمة أب: ماء وسو: عمق ومعناه عمق المياه وهو حسب الميثولوجيا السومرية مصدر المياه والبحيرات والبحار والانهار و الجداول والينابيع وهو ماء مقدس عند السومريين
إنكي اله الماء والمعرفة
أوتونابشتم
ملك سومري حاول انقاذ مناصريه بعمل سفينة للخلاص من الطوفان حسب طلب "إنكي" إله البحار. والقصة تشبه قصة نوح وان معنى أوتونابشتم هو صاحب العمر الطويل .
السَّيرُ أتعبني، وعند جدارٍ نصف مهدومٍ لمعبدٍ سومريٍّ قديم جلستُ. أسندتُ رأسي إلى الطين. رموز بدت كأنها حروف تشبه الإسفين لكلمات منقوشة عليه. دارت الأرضَ حول رأسي ولا أدري أكان بداية غفوة أم عبورًا إلى زمنٍ آخر. همسٌ من الأعماق يقول: من يعرفُ الأرض لا بدّ أن يعرفَ السماءَ، يعرفَ الماء، خُلِق الإنسان منه، وترابٍ حاولتُ تلمسه. غرستُ أصابعي، ذراعي ونصف جسدي فوجدتني أغور فيه. يا إلهي. ترابٌ يصير ماءً وذلك الجدار إلى موجٍ يتلوّى كأفعىً من ضوءٍ وزبد. أسبح لاهثا، كأنني خرجتُ لتوّي من أسطورةٍ كانت تنتظرني منذ البدء، حُفِرَت بلوحٍ منقوشٍ عليه اسمي.
بحرٌ بدا هادئًا كأنه يُخفي أسرارًا لم تُروَ بعد. أتأرجحُ بين قلق وأمان، كمن يدخل بيتًا يعرفه منذ الخلق الأول. كانت المياه تلمع تحت شمسٍ تلوّح لي بصفاءٍ خادع. سبحتُ... كأنني أعومُ في رحمٍ قديمٍ من الطين والماء. وكلّما ابتعدتُ، شعرتُ أنني أتحرّر من ثقل الأرض، من قيود الواقع، من نفسي. موجة مرعبة نَهَضَتْ فجأةً، كأنها روحٌ من غضبِ "الأبسو". صَرَخَتْ بصوتٍ يهزّ الأعماق: إلى أين أيها الإنسان؟ أتظنُّ أن البحرَ حقلُ لَهْوِكَ؟
تلعثمتُ، والماء يشتدّ عليّ كأصابعِ قَدَرٍ لا ترحم. قلتُ وأنا أقاوم: يا موجةَ البحر، أنا ابنُ الأرضِ والماء، لم آتِ لأتحدّى، بل لأتطهّر! ضحكتْ وكان لصوتها رعدٌ يدوّي في صدري: التطهّر لا يكون بالتهوّر. من ينسى حدوده ويُنعِشُ في أعماقه الغرورَ، كمن ينسى حدود الماء، يغرق في جهله قبل أن يغرق في البحر.
تقلّبتْ بي الأمواجُ. حاولتُ أن أصرخ، لكن الهواء كان آخر ما تبقّى في صدري. رفعتُ بصري إلى السماء المطموسة بالماء وقلتُ برجاءٍ مرتجف: يا "إنكي"، يا ربّ الحكمة والمياه، لا تدعني شاهدًا على حماقتي. أنقذني لأتعلّم.
صَمْتٌ ساد لحظات. موجة همست، كأنها تسمع نداءً خفيًّا من الأعماق: "إنكي" لا ينجّي مَن يهرب من نفسه، لكنه يمدّ اليد لمن يعترف بخطئه. لقد طلبتَ النجاة من الغرق، ونسيت غروركَ، فاستمع لدرس الماء." ها هو "أوتونابشتم" قد اقترب. لابد أن تبدأ من جديد. اركب، اركب. أنت بأمان.
هدأتْ فجأةً، وانسابتْ حولي برفقٍ كذراع أمٍّ تغفر. ضوءٌ باهتٌ يشقّ العتمة، يتلوّى بين الفقاعات. لم أعرف أهو نور "إنكي" أم نور الوعي الذي أضيء في قلبي؟ وحين وصلت الشاطئ، فهمتُ أنّ الموج لم يُرد موتي، بل أراد أن يعيدني إلى حدودي الأولى. حدود الكائن الذي خُلق من ماءٍ وتراب، ونُفخت فيه روحُ الحكمة لا الغرور. لابد أن اتركَ غروري وأعيرَ سمعي. نظرتُ إلى الأفق وناديتُ: "إنكي... شكرًا لك، يا إنكي. لقد أنقذتَني لا من الموج، بل من نفسي، وأنا برفقة هذا الرجل المعمر الذي يسيطر على دفة السفينة بمهارة وحكمة وقوة الشباب."
كلّ ما في الوجود ماءٌ يتحرّك من ظلمةٍ إلى نور، من عمقٍ إلى سطح، كما تتحرك الأرواح بين جهلٍ ومعرفة، بين خوفٍ وإدراك. أدركتُ أنّ الغرقَ ليس في البحر، بل في الغفلةِ؛ والنجاةُ لا تأتي من اليد التي تُنقذ الجسد، بل من البصيرة التي تُنقذ الفكر. علّمني "إنكي" أنّ الحكمة ليست في تحدّي الموج، بل في الإصغاء إلى همسه؛ والماء لا يكره من يعبره، لكنه يعاقب من ينسى قِدميه من طين، وأصله من ضعفٍ. صرتُ أرى في كلّ موجة موعظة، وفي كلّ قطرة، نداءً خفيًا: "لن أنسى أنني جزءٌ من البحر، وأن البحرَ فيَّ.
فتحت عينيّ. فوجدتني ممددًا وسط حلقة بشرية تنظر اليَّ باستغراب. نهضت. ملابسي يابسة. يا للعجب!! لأنفضها من التراب إذن. صوتٌ طفوليٌّ اعتدتُ سماعة: ماذا بك يا بابا؟ قل لي يا بابا من هو "إنكي"؟ ردَّت امُّهُ: إنه بين سطور الكتاب الذي غطّى وجهَهُ حتى الصباح.
هوامش
أبسو أو أبزو ومعنى الكلمة أب: ماء وسو: عمق ومعناه عمق المياه وهو حسب الميثولوجيا السومرية مصدر المياه والبحيرات والبحار والانهار و الجداول والينابيع وهو ماء مقدس عند السومريين
إنكي اله الماء والمعرفة
أوتونابشتم
ملك سومري حاول انقاذ مناصريه بعمل سفينة للخلاص من الطوفان حسب طلب "إنكي" إله البحار. والقصة تشبه قصة نوح وان معنى أوتونابشتم هو صاحب العمر الطويل .