أحمد عبدالله إسماعيل - ثوب مُرَقَّع...

في قريةٍ صامتة ناعسة، كان سالم يمضي في حياته كخطّ مستقيم لا انحناء فيه؛ رجلٌ يقدّس البساطة، ويعرف ترتيب الأشياء أكثر مما يعرف تغيّرها. لم يكن في خزانته سوى جلبابٍ واحدٌ نفيس، يحتفظ به كما يحتفظ المرء بوقار اسمه. لكن نزوةً هادئة زارته ذات صباح، فقرّر أن يشتري ثوبًا جديدًا يليق بمروره المتزن بين الناس.

دخل دكان الخياط محمّلًا بأحلام صغيرة لا يجرؤ أصحابها على الجهر بها. قال للخياط بهدوئه المعتاد:
— “أريده متينًا لا عوار فيه، يرافقني طويلًا.”
لكن زحمة اليوم خانت الخياط، وربما اغتر بقوته وتاريخه الطويل في خياطة الملابس؛ فجاء القياس مضطربًا، والحياكة على عجل.

حين تسلّم سالم الثوبَ، شعر كأن شيئًا في روحه ضاق هو الآخر. كان الثوب يشدّ كتفيه عندما يمدّ يده، ويتهدّل عند قدميه كظلّ ثقيل، أما القماش فكان هشًّا إلى حدّ يشبه خوف الطائر من أول رفّة جناح.
تأمّل الثوب طويلًا، ثم قال لنفسه كباحث عن عزاء:
— “سأعتاد عليه… وجع بطني ولا ضياع مالي.”

وهكذا بدأ الارتباك يتسلّل إلى يومه قطرةً قطرة.
كلما تحرّك سمع صوتًا خافتًا، كأن الثوب يهمس باستغاثة: “طِق!”
تمزّقٌ عند المرفق، شقّ قرب الجيب، ندبة أخرى في الظهر.

بدلًا من أن يتركه ليرتاح في مصيره، تحوّل سالم إلى خيّاطٍ مُرهَق، يرقّع القماش بما تيسّر: قطعةٍ من مفرش قديم، طرف سروالٍ باهت، خرقةٍ خشنة لا يعرف لونها من أين جاء.
كان يغرز الإبرة في الليل، وشيءٌ في صدره يغرز هو الآخر. لكنه كان يردّد بعنادٍ يُشبه عناد البسطاء حين يواجهون خساراتهم القريبة:
— “لقد دفعت ثمنه… ولن أفرّط فيه.”

تحوّل الجلباب إلى خريطةٍ غريبة من الرقع؛ ألوانٌ لا تمتّ بصلة لبعضها، وأقمشة كأن بينها ألف شجار قديم. وكان الناس في القرية يمرّون بجانبه، يتبادلون نظرةً لا يقولون فيها شيئًا… لكنهم يقولون كل شيء.

بلغت الحكاية ذروتها يوم دعاه صديقه إلى عقد قران ابنه.
ارتدى الجلباب، ثم حاول إخفاء الرقعة الحمراء الفاقعة على كتفه بمعطف ثقيل، لكن الحرارة تحوّلت تحته إلى شعلةٍ صغيرة تُذكّره بما يحاول الهرب منه.
جلس في زاويةٍ بعيدة من قاعة الوليمة، يراقب الأطفال وهم يحدّقون في كتفه بنظراتٍ بريئةٍ… وقاسية.

عاد إلى بيته عند المغيب، والشمس تترك آخر خيوطها على الطريق الترابي.
تعثّرت إحدى الرقع المتهدّلة بحجر، فسقط على ركبته سقوطًا لم يؤلم جسده بقدر ما أوجع روحه.
نظر إلى الجلباب الممدود أمامه: شراذم قماش لا رابط بينها، رقع لم تُصلح شيئًا، وجهدٌ لم يُثمِر إلا مزيدًا من القبح.

في تلك اللحظة، لم يكن سالم غاضبًا من الناس ولا خجولًا من نظراتهم، بل كان يرى انكساره منعكسًا عليه كما تُرى التجاعيد على صفحة الماء.
رفع رأسه وقال بصوتٍ لا يسمعه أحد، لكنه سمعه جيدًا:
— “العيب ليس في الترميم… العيب أن أهدر وقتي وقلبي لأجل شيءٍ فقد روحه.”

عاد إلى غرفته الهادئة. جمع الجلباب بين يديه، لا بحنقٍ ولا بحدّة، بل بهدوء يشبه وداعًا ناضجًا لشيء ظنّه يومًا رفيقًا. طواه، ثم وضعه في سلة المهملات، ومعه وضع كل الأعذار التي نسجها على مدى الأيام.

في الصباح، قصد خياطًا آخر.
لم يكن الزبون نفسه، فقد جاء هذه المرة بوعي جديد؛ يتحسس القماش، يجرّبه على كتفه، يراقب القياس بدقّة، ويختار لونًا يشبه اتزانه الداخلي.
بعد أيام، عاد بثوبه الجديد.
ارتداه فشعر أن الهواء أخفّ، وأن خطوته أكثر ثقة.
خرج إلى القرية، فبادلته الوجوه الابتسامة نفسها… لكنّه هذه المرة ابتسم لنفسه أولًا.

ومنذ ذلك الحين، فهم سالم سرّ الحكمة:
“هناك أشياء نُنقذها بالترقيع… وأشياء لا يليق بها إلا أن نبدأ معها من جديد.
والوطن — مثل الجلباب — يعرف متى يكون الإصلاح شجاعة، ومتى يكون التمسك بما انتهى ضعفًا لا يليق بنا.”

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى