أحمد عبدالله إسماعيل - ظل العمدة...

في قرية "كفر الغلابة"، لم يكن الفقر نقصاً في المال فحسب، بل نقصاً في الرغبة بالحياة. كانت القرية منسية، أشبه بأرضٍ تشربُ الحزن وتُثمرُ اليأس. تنحني النخيلُ فيها كأنها شواهدُ على صراعٍ قديم مع الزمن. كان الفلاحون يخرجون فجراً، لا يبحثون عن المحصول بقدر ما يبحثون عن جواب للسؤال الصامت: من يملكُ حقاً حياتنا، ومن يحكمنا؟
أما "العمدة"، فكان رمزاً للسلطة التي لا تحتاج إلى الظهور لكي تُرى. يجلس في شرفته، وجهه هادئ لا يحمل أثر تعب أو ندم. لم يسرق القمح أو الماشية بشكل مباشر، بل سرق شيئاً أعمق: الكرامة وحرية الوجدان. بقوانين صنعها هو، كان الوعي جريمة صامتة.
إلى جانبه كان يجلس "أسد الجلسات العرفية"، رجلٌ عجوزٌ صوتهُ مهزوز، يعيش في سجنِ وهمِ العدل. كان يعلم أن قراراته تصدر بأمر من ظل العمدة، وأن العدل الحقيقي لا يجد مكاناً له في هذه القرية.
أبو العينين وحده كان يرى ما لا يراه الآخرون. شابٌ لم ينسَ مرارة طفولته وفقده لأبيه في الحقل المتشقق العطشان. لم يكن سلاحه إلا دفتره الصغير، الذي يدوّن فيه ليس الشكاوى، بل حقائق القيود غير المرئية؛ يكتبُ لغةً تفضحُ كيف يتحكم العمدة في كل نَفَس. صار كلامه، ولو همساً، فعلاً ثورياً في قرية اعتادت الصمت الطويل.

في صباح يومٍ ربيعي غباره كثيف، وقع الحدث الذي أشعل شرارة الغضب المكتوم. عاد فوزي، أفقر الرجال لكنه الأكثر صبراً، ليجد بقرته الوحيدة - وهي رمز رزقه وكرامته - قد أُخذت كـ "ضريبة تأخير" لم يسمع بها أحد من قبل. وقف فوزي في الحقل، وبكى. لم يكن بكاؤه على البقرة، بل لأنه أدرك أن العمدة لم يسلب منه رزقه، بل سلب منه احترامه لذاته.
تجمع الناس، والغضب يتصاعد كدخان ينتظر شرارة الاشتعال. وقف أبو العينين بينهم، ينظر إلى فوزي بنظرة من يدرك أن الخوف يتآكل أمام الغضب الصادق.
ظهر العمدة في شرفته، مدركاً أن عليه السيطرة على المشهد. رفع يده بهدوء، وقال بصوته الزائف: "يا أهل الكَفر! نصحتُ القاضي أن يتوخّى العدل. لا يحق لظل أن يُطفئ نور العدل!"
شاهد الفلاحون ظل العمدة يمتد كالعباءة فوق القاضي الواقف خلفه. أدركوا أن الكلمات لا تهم، بل المهم هو الظل الذي يصدر القرارات الصامتة.
بعد دقائق، خرج القاضي وأعلن قراراً غير متوقع: "بأمر العمدة، ألغيتُ كل القرارات الظالمة. فليعد لكل فلاح حقه، وليكن سيد أرضه بإرادته."
فاض الأمل في القرية. أعيدت البقرة لفوزي، الذي احتضنها، لكن عينيه لم يسكنهما الفرح بل الارتباك. أدرك أن هذه "النعمة" جاءت من ذات اليد التي سرقته. انتصر العمدة في تثبيت سلطته كواهب للعدل والظلم معاً.

لم يشارك أبو العينين في الابتهاج. نظرته الثاقبة كانت كمرآة تكشف زيف المشهد؛ كان يرى أن حريتهم الممنوحة هي وهم مؤقت.
في الليل، جلس العمدة وحيداً، يعلم أنه سيطر على الجموع، لكن خوفه الأكبر كان من أبي العينين؛ الرجل الوحيد الذي يملك سلاح الحقيقة غير المسلحة، وهذا السلاح هو ما يهدم القلاع.

في السوق، وبينما الفلاحون يشترون حاجاتهم بحذر، التفتوا جميعاً نحو قصر العمدة. كان الفرح مُقنّناً ومقاساً بمسطرة الظل.
ظهر الخفراء - رجال العمدة -، متجهين مباشرة نحو أبي العينين. لم يحاول الهرب. رفع دفتره الصغير عالياً، رمزاً للحقيقة المدوّنة، كأنه يرفع مرآة أمام وجوههم.
اقتيد أبو العينين أمام القاضي. لم يكن القاضي ينظر إليه كـ "متهم"، بل كـ "خطر" يجب إزالته من خارطة الوعي الجماعي.
أصدر القاضي أمره الصامت، بناءً على إشارة من الظل: عُزل أبو العينين عن القرية؛ أُلقي في المعتقل لفكره الهدام. هدف العمدة لم يكن الانتقام، بل إزالة فكرة الوعي المتمرد من عقول الفلاحين.
عاد العمدة إلى سكونه. لقد ربح المعركة، مؤكداً أن السيطرة لا تكمن في قهر الأجساد، بل في إخماد الأفكار الهدامة التي تتعارض مع مصلحة الكَفر العليا.
أما الفلاحون، فوقفوا صامتين، شعروا بالحرية التي أُعطيت لهم تتبخر فجأة. كانت الحرية مجرد سراب مؤقت؛ لقد عرفوا الآن أن العمدة لم يرسل رجالاً لاعتقال أبي العينين، بل أرسل جزءاً من ظله ليطبق على الحقيقة.
ظل العمدة الممدود على الأرض كان يذكّرهم في كل خطوة: حريتكم مرهونة بأمر صامت لن ينتهي أبداً.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى