سمير لوبه - أربع فرخات وديك..

تتسلل خيوط الشمس كل صباحٍ؛ يبحث ضوؤها عن قصةٍ جديدةٍ يحكيها. اليوم وفي حظيرةٍ متهالكةٍ بجوار بيتٍ طيني تعيش أربع فرخاتٍ وديكٍ واحدٍ حياةً بسيطةً، الديك واسمه " نجم " لا يغادر جذع شجرةٍ مقطوعةٍ رافعًا صدره، مزهوًا بريشه الأحمر المتوهج، وبالقرب منه أربع فرخاتٍ تتحركن بخطواتٍ خفيفةٍ " نور، قمر، شمس، وبهية " مختلفات في الطباع رغم تشابههن في الحجم والصوت.
نور هادئةٌ، لا ترفع صوتها مهما حدث.
قمر كثيرة الملاحظة، تلتقط ما بين الأشياء ولا تكتفي بالظاهر.
بهية تحب النظام؛ تحك الأرض بمخلبها تمسح الغبار عن عالمها.
أما شمس فهي أكثرهن جرأة، تعترض وتحتج دائمًا.
تبدأ الحكاية مع الصباح، يقف نجم بصياحه المعتاد ليعلن بدء اليوم.
قالت شمس:
- يا نجم، إلى متى تظل تصيح وتسترخي فوق هذا الجذع؟ نحن نبحث عن الحبات بأنفسنا ونرتب الحظيرة ونرعى صغارنا، بينما أنت ترفع رأسك وتخبرنا أن الشمس قد طلعت كأننا لم نرها.
رفعت بهية جناحيها في محاولة للتهدئة:
- اتركيه يا شمس؛ فالديك لذلك خُلِق. الصياح عمله.
لكن قمر مالت برأسها وقالت:
- ومن قال أن ما خُلِق عليه هو ما يجب أن يبقى عليه؟
لم تتكلم نور، لكن تحمل عيناها أسئلةً عديدةً.
طرقت الكلمات شيئًا عند نجم لم يطرقه أحدٌ من قبل؛ قال بصوتٍ أقل ثقةً مما بدا عليه:
- ماذا تريدون؟ أن أصمت، أم أترك الجذع؟
أجابت شمس:
- لا نريدك أن تصمت نريدك أن تنصت، هناك فرق.
في الأيام التالية، بدأت الفرخات الأربعة في تنظيم حياتهن بطريقة مختلفة؛ كل واحدةٍ منهن صارت تعلن اكتشافاتها الصغيرة، أين تكثر الحبوب، وكيف يمكن ترتيب القش ليبقى العش دافئًا، وكيف تُعرَف علامات اقتراب القط الذي يتربص بالحظيرة، يجتمعن كل يومٍ ليخبرن بعضهن بما رأين وشعرن وقررن.
والمدهش أن نجم لم يعد يقف على الجذع كل الوقت، صار يمضي معهم، يستمع لما يُقَال، ويشارك أحيانًا بكلمةٍ أو نصيحةٍ، وربما ضحكة. لكن ذلك لم يمر دون تساؤل.
ذات عشيةٍ، وبينما الشمس تغادر بقايا ضوئها فوق سقف الحظيرة، قالت بهية:
- نجم، لم نسمع صياحك اليوم؟
ضحك بخجلٍ:
- صِحت. لكن ليس بصوت عالٍ؛ خفت أن أوقظكم قبل الموعد.
قالت شمس وهي تضحك بسخريةٍ لطيفةٍ:
- الديك يخاف أن يوقظ الفرخات؟ لو سمعك الديك العجوز لقال أن الدنيا انقلب حالها.
نور وحدها كانت تراقب، وتفكر بعمقٍ.
في ذلك الليل، جاء صوت ارتطامٍ شديدٍ على باب الحظيرة؛ ارتجفت الفرخات، لكن نجم تقدَّم بعزمٍ لم يعرفه من قبل، ومن فتحةٍ صغيرةٍ في باب القش نظر للخارج.
قال نجم بصوتٍ ثابتٍ:
- من في الخارج؟
نبرة صوت الديك أربكت القط المتربص؛ فتراجع قليلًا، ثم هرب إلى الظلام.
تحلقت الفرخات حول نجم، ورفرفت بالأجنحة فوق رأسه؛ تقدم له شكرًا غير منطوقٍ.
مرت أسابيع، وصارت الحظيرة أكثر نشاطًا، وأكثر نظامًا. البيض يزداد، حتى نجم صار يصيح بطريقةٍ مختلفةٍ؛ أقل صخبًا.
في داخل الحظيرة، اجتمعت الفرخات الأربعة، ونظرت كل منهن إلى الأخرى، لم يعد نجم متربعًا فوق الجذع، لكن في ذات الوقت لم يفقد قيمته، ولم تعد الفرخات مجرد كائنات تنتظر حبوبًا تُلقى إليها.
قالت قمر:
- أشعر أننا لم نعد مجرد فرخاتٍ في حكايةٍ مكررةٍ.
ابتسم نجم، وقال :
- اليوم نحن حكايةٌ كاملةٌ.
وفي ذلك اليوم، حين

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى