أيْ حماري العزيز
إن كل كلمات لغتي لا تكفي للتعبير عن مدى اشتياقي إليك. إنك تستحق كل تقدير مني، أنا جحا الذي أُعرَف بك أكثر مما تُعرَف بي. أنت حمار وفي بحق. لم تغب لحظة واحدة عن بالي، كيف أتذكرك وأنا لم أنسك ولو لثانية واحدجة؟ وأنت بعينيك الوديعتين، وأذنيك المرهفتين، وجسمك الرشيق، وهدوئك . أعرف أنك تشتاق إلي، كيف لا أعرف ذلك وقد أمضينا معاً سنين طوالاً.
جئتُ إلى هنا لأمر خاص، وليتك كنت معي يا حماري العزيز، لا بد أن أهل هذه البلاد كانوا سيقدّرونك كثيراً.
في الغرفة التي أنام فيها، هناك أكثر من صورة لك : على الطاولة، بجوار المرآة، بجوار الباب، والسرير.
أشير إلى واقعة جرت معي قبل أيام عدة، حين فوجئت بطرْق تكررَ على باب غرفتي. أسرعت إلى فتحه، تملّكني الخوف. كان هناك ثلاثة شباب . اضطربت. ابتسموا..وصافحوني بحرارة، ثم دخلوا غرفتي، وهم يركّزون على صورك الموزعة في أرجائها. بدأت أوزع نظراتي بين حركتهم والصور الخاصة بك.
آه يا عزيزي الحمار. كم أنت رائع. لا أدري كيف علِموا بصورك.. لقد أثنوا علي كثيراً، وهم يقولون لي: إنها المرة الأولى التي نجد شخصاً، يتعامل مع الحمار بالطريقة هذه، ومن الجهة التي قدِمتُ منها.
أتعرف ماذا حصل بعد ذلك؟ لقد اصطحبوني إلى مزرعة خاصة بالحمير.. يا لها من حمير رشيقة، حيوية، يقظة وذلك الاهتمام بها. أعلموني أنه بسبب العلاقة هذه، اهتموا بي، وكأنهم أرادوا أن يخبِروا الحمير هناك بوجود من يهتم بشقيق لها في مكان بعيد، لا يدخر أهلها جهداً في إيذاء حميرهم. بدا وكأن الحمير تلك تعرفني، وهي تنظر إلي بعيون يشع فيها الرضا.
يا لها من حمير فطينة، في نظراتها وحركاتها، وهي تقترب مني، وكأنها تشم رائحتك من خلالي. لقد كبرت تلك الحمير في عيني. وحين نظرت في عيونها، قدَّرت أنه لو كان أولئك الذين لا يكفّون عن السخرية مني ومنك، أو منا معاً، امتلكوا بعضاَ من حيوية هذه الحمير، لكانت الحياة أجمل بكثير في بلادنا.
لكم أنعشوني وأبهجوني حين قدّموا كأساً كبيراً من حليب إحدى الإتن هناك. كم هو مغذ حليب الأتان. هنا تبيّن لي أنهم صبورون، يمتلكون القدرة على التحمل وتجاوز الصعوبات، من خلال معرفتهم لخصال الحمار.
أذكرك بما هو طريف ، وهذا يسرك أيضاً، وهو أنهم ينتخبون ملكة جمال الأتن، أي يختارون أتاناً في مناسبة يُهتَم بها كثيراً، وبناء على مواصفات خاصة. يا للروعة. يقيناً يا حماري العزيز، لو كنت هنا، وأنت بحيويتك تلك، لرأيت إحدى ملكات جمال الأتن وهي تهيم بك حباً حمارياً من نوع خاص، ولا بد أن تتطور العلاقة بينكما، لتنجبا جحاشاً غاية في الحسن والظرافة والخفة والحيوية، يمتزج فيها الدم الشرقي بالدم الغربي .
نعم، يا حماري العزيز، كما يحتاج كثيرون من بلادنا ممن يستهلكون أعمارهم في لهو وعبث، إلى قدوة ملهمة، كهذه الحمير التي رأيتها، كما لو أنها تعرفني منذ زمان، إنها حمير منتجة بالفعل.
هناك وقائع كثيرة عشتها، عندما آتي سأسردها على مسامعك، وأنا أحمل الكثير مما تشتهيه نفسك الحمارية، مرسل باسم شقيقاتك وأشقائك الحمير، وهي تنتظر زيارة منك للاحتفاء بك على طريقتها.
المشتاق إليك: جحا:ك.