يغطي المساء الغرفة ببطءٍ شديد، كأنه غبارٌ ناعم يبحث عن مكانٍ ليستقر فيه داخل قلب زينات المتعب. جلست عند حافة السرير، لا كمن يستريح، بل كعدّاءةٍ وصلت إلى خطّ لم تُقرّر بعد إن كانت ستعبره أم ستتراجع.
كان الهاتف بين أصابعها يلمع بضوءٍ خافت يشبه نبضًا آليًا، لا ينتمي لجسدها ولا لقراراتها. ظهرت على الشاشة ثلاثة أسطر قصيرة:
العريس – نجّار – ليبيا.
لم تخَف الكلمات؛ بل المسافة التي تمدّدت بينها.
ثلاث سنوات من الغياب يمكن أن تتحوّل إلى هوّة، أو إلى حياة معلّقة على حافة إشعارات لا تكتمل أو مكالمات فيديو تشعل الروح دون أن تهدئها.
دخلت ليان بخطوات هادئة، تحمل فنجان قهوة يتصاعد منه بخارٌ يشبه يدًا حانية تُزيح ما تراكم في الروح من غبار الأيام. جلست قرب صديقتها، لكنها تركت بينهما فراغًا صغيرًا، كأنها تدرك أن الاقتراب الزائد قد يربك ما تحاول زينات إخفاءه.
قالت بصوتٍ يشبه فتح نافذة بعد عتمة طويلة:
– زينات… هل تبحثين عن زواج، أم عن مخرج؟
لم تجب.
اهتزّ الهاتف في يدها كأنه يرفض صمتها.
تنفست ليان ببطء، ثم قالت بنبرةٍ تحمل حزناً لا تخطئه الأذن:
– تزوجت أختي مغتربًا. صار الحب بينهما رسائل قصيرة، بلا ضمة ولا نفَس… حتى فقدت شيئًا من روحها، وصارت “شِبه أنثى”.
ارتجفت دمعة عند أطراف عين زينات، لكنها لم تسقط. ظلت معلّقة، كصوتٍ خائف من سماع نفسه.
طرق والدها الباب، ثم دخل. وقف عند العتبة كمن يخشى العبور إلى منطقة قد يضيع فيها.
كانت ملامحه تقول إنه لم يعد يحمل عمره فوق كتفيه… بل صار العمر هو الذي يحمله، ببطءٍ موجع.
ابتسم، لكن الابتسامة لم تصل إلى عينيه:
– زينات، الرجل محترم، أكبر منك نعم، لكنه كريم. عرض مهرًا كبيرًا، والزفاف بعد أسبوع.
تحرّك داخل رأسها شريط قديم: الأب يدفَع أقساط المدرسة، يعمل ليلًا في الورشة، يضع لقمة على المائدة كأنها معركة انتصر فيها من أجلها.
كانت تتذكّر كلماته: “البنت دي… مستقبلي.”
عادت إلى الحاضر. قالت بصوتٍ يشبه خيطًا يتعرّض للشدّ:
– يا أبي… هل يمكنني احتمال حياةٍ بلا زوج لثلاث سنوات؟
خفض بصره.
ترددت رعشة في يده، فخبّأها في جيبه:
– الغربة تهوّن… المهم بيت يسترك يا بنتي.
كانت الكلمات بسيطة، لكنها سقطت فوق قلبها كظلّ طويل يخفي نورًا لا تعرفه لكنها تحتاجه.
قالت:
– حاضر يا أبي.
وحين أغلق الباب خلفه، شعرت أن شيئًا ما انكسر. ليس صوتًا مسموعًا، بل صدعٌ داخلي يمتدّ دون توقف.
اقتربت الجدران من حولها، كأن الغرفة تحاول إعادة تشكيلها على مقاس قرارٍ لم تختره.
وضعت ليان يدها على كتفها، ثم سحبت الهاتف من يدها وتركته على الطاولة بهدوء يشبه رفع ثقل عن صدر غريق.
أخرجت ظرفًا أبيض.
– هذا عرض تدريب في مكتبة المدينة. حلمتِ بذلك دائمًا… افتحي لنفسك نافذة، ولو صغيرة.
نظرت زينات إلى الظرف.
كان بسيطًا، لكنه يشبه بابًا مفتوحًا بلا شرط ولا مهر.
في الصالون، جلس الأب وحده.
قالت زوجته:
– أليس الوقت مبكرًا على الزواج؟ لا تزال البنت صغيرة.
هزّ رأسه بصلابة متعبة:
– ابن حلال وكريم.
ثم سعل سعلة عميقة، كأنها تنتزع شيئًا من صدره: خوفه… أو عجزه… أو أبوّته التي تتشبث بما تبقى من يقين.
عادت زينات إلى غرفتها.
فتحت النافذة، فدخل هواء الليل باردًا، لكنه يحمل حياة خفيفة تتحرك بين أطراف الأصابع.
ومض الهاتف بإشعار جديد.
رنّ مرة… ثم مرتين… ثم متتابعًا.
لكنها لم تلتفت. مدت يدها نحو الظرف، وأمسكت به كما يمسك شخصٌ شيئًا يتوكأ عليه لا شيئًا يفرّ به.
أغلقت النافذة.
توقف الوميض.
وسكن الهاتف تمامًا.
عند الفجر، خرجت زينات إلى الشارع.
كان الضوء الأول يتسلل بين البيوت مثل وعدٍ صغير.
سارت بخطوات لا تعرف اليقين، لكنها تعرف الاتجاه.
حقيبة خفيفة في يد…
وفي الأخرى لا شيء.
تركت الهاتف خلفها، تركت الصوت الذي يعلّقها بحياة ليست لها.
للمرة الأولى منذ سنوات، شعرت أن صوتها يعود… خفيفًا، واضحًا، ملكًا لها وحدها.
لم تعد رقمًا،
ولا ظلًا،
ولا انتظارًا طويلًا معلّقًا على شاشة.
كانت – أخيرًا – امرأة كاملة تتجه نحو حياتها… لا نحو حياة كُتبت لها كي تظل شِبه أنثى.
كان الهاتف بين أصابعها يلمع بضوءٍ خافت يشبه نبضًا آليًا، لا ينتمي لجسدها ولا لقراراتها. ظهرت على الشاشة ثلاثة أسطر قصيرة:
العريس – نجّار – ليبيا.
لم تخَف الكلمات؛ بل المسافة التي تمدّدت بينها.
ثلاث سنوات من الغياب يمكن أن تتحوّل إلى هوّة، أو إلى حياة معلّقة على حافة إشعارات لا تكتمل أو مكالمات فيديو تشعل الروح دون أن تهدئها.
دخلت ليان بخطوات هادئة، تحمل فنجان قهوة يتصاعد منه بخارٌ يشبه يدًا حانية تُزيح ما تراكم في الروح من غبار الأيام. جلست قرب صديقتها، لكنها تركت بينهما فراغًا صغيرًا، كأنها تدرك أن الاقتراب الزائد قد يربك ما تحاول زينات إخفاءه.
قالت بصوتٍ يشبه فتح نافذة بعد عتمة طويلة:
– زينات… هل تبحثين عن زواج، أم عن مخرج؟
لم تجب.
اهتزّ الهاتف في يدها كأنه يرفض صمتها.
تنفست ليان ببطء، ثم قالت بنبرةٍ تحمل حزناً لا تخطئه الأذن:
– تزوجت أختي مغتربًا. صار الحب بينهما رسائل قصيرة، بلا ضمة ولا نفَس… حتى فقدت شيئًا من روحها، وصارت “شِبه أنثى”.
ارتجفت دمعة عند أطراف عين زينات، لكنها لم تسقط. ظلت معلّقة، كصوتٍ خائف من سماع نفسه.
طرق والدها الباب، ثم دخل. وقف عند العتبة كمن يخشى العبور إلى منطقة قد يضيع فيها.
كانت ملامحه تقول إنه لم يعد يحمل عمره فوق كتفيه… بل صار العمر هو الذي يحمله، ببطءٍ موجع.
ابتسم، لكن الابتسامة لم تصل إلى عينيه:
– زينات، الرجل محترم، أكبر منك نعم، لكنه كريم. عرض مهرًا كبيرًا، والزفاف بعد أسبوع.
تحرّك داخل رأسها شريط قديم: الأب يدفَع أقساط المدرسة، يعمل ليلًا في الورشة، يضع لقمة على المائدة كأنها معركة انتصر فيها من أجلها.
كانت تتذكّر كلماته: “البنت دي… مستقبلي.”
عادت إلى الحاضر. قالت بصوتٍ يشبه خيطًا يتعرّض للشدّ:
– يا أبي… هل يمكنني احتمال حياةٍ بلا زوج لثلاث سنوات؟
خفض بصره.
ترددت رعشة في يده، فخبّأها في جيبه:
– الغربة تهوّن… المهم بيت يسترك يا بنتي.
كانت الكلمات بسيطة، لكنها سقطت فوق قلبها كظلّ طويل يخفي نورًا لا تعرفه لكنها تحتاجه.
قالت:
– حاضر يا أبي.
وحين أغلق الباب خلفه، شعرت أن شيئًا ما انكسر. ليس صوتًا مسموعًا، بل صدعٌ داخلي يمتدّ دون توقف.
اقتربت الجدران من حولها، كأن الغرفة تحاول إعادة تشكيلها على مقاس قرارٍ لم تختره.
وضعت ليان يدها على كتفها، ثم سحبت الهاتف من يدها وتركته على الطاولة بهدوء يشبه رفع ثقل عن صدر غريق.
أخرجت ظرفًا أبيض.
– هذا عرض تدريب في مكتبة المدينة. حلمتِ بذلك دائمًا… افتحي لنفسك نافذة، ولو صغيرة.
نظرت زينات إلى الظرف.
كان بسيطًا، لكنه يشبه بابًا مفتوحًا بلا شرط ولا مهر.
في الصالون، جلس الأب وحده.
قالت زوجته:
– أليس الوقت مبكرًا على الزواج؟ لا تزال البنت صغيرة.
هزّ رأسه بصلابة متعبة:
– ابن حلال وكريم.
ثم سعل سعلة عميقة، كأنها تنتزع شيئًا من صدره: خوفه… أو عجزه… أو أبوّته التي تتشبث بما تبقى من يقين.
عادت زينات إلى غرفتها.
فتحت النافذة، فدخل هواء الليل باردًا، لكنه يحمل حياة خفيفة تتحرك بين أطراف الأصابع.
ومض الهاتف بإشعار جديد.
رنّ مرة… ثم مرتين… ثم متتابعًا.
لكنها لم تلتفت. مدت يدها نحو الظرف، وأمسكت به كما يمسك شخصٌ شيئًا يتوكأ عليه لا شيئًا يفرّ به.
أغلقت النافذة.
توقف الوميض.
وسكن الهاتف تمامًا.
عند الفجر، خرجت زينات إلى الشارع.
كان الضوء الأول يتسلل بين البيوت مثل وعدٍ صغير.
سارت بخطوات لا تعرف اليقين، لكنها تعرف الاتجاه.
حقيبة خفيفة في يد…
وفي الأخرى لا شيء.
تركت الهاتف خلفها، تركت الصوت الذي يعلّقها بحياة ليست لها.
للمرة الأولى منذ سنوات، شعرت أن صوتها يعود… خفيفًا، واضحًا، ملكًا لها وحدها.
لم تعد رقمًا،
ولا ظلًا،
ولا انتظارًا طويلًا معلّقًا على شاشة.
كانت – أخيرًا – امرأة كاملة تتجه نحو حياتها… لا نحو حياة كُتبت لها كي تظل شِبه أنثى.