تسمَّر الابن إلى جوار فراش الأب. كان صمتُ الغرفة كثيفًا، لم يقطعه سوى النَّفَس المتقطّع الخارج من صدر الشيخ؛ صوتٌ رقيقٌ مكسور، كاحتكاك ورقتين يابستين. ثمانون عامًا تمر ببطء، لا كعمرٍ مضى، بل كمشاهد سريعة تتقلب.
رفع الأب جفنيه بصعوبة. غاب ذلك البريق الحديدي الذي طالما أذل رؤوس التجّار في السوق، وحلّ محلّه ضوءٌ وادع، يشبه ما يسبق الغروب بقليل.
قال بصوتٍ خشنٍ متعب:
- أحببتُ أمَّك حبًّا لا يُصدَّق.
سكت. ابتلع ريقه، واستراح. قبضت يد الابن على طرف السرير، وحين زفر الأب، اشتدّ قبضه، كأن الصوت قد يتفلّت من بين أصابعه إن لم يُمسَك.
حكى عن امرأةٍ عاشت تتهادى في البيت كما تتهادى النسمة بين ستارتين. كيف صار جسده عينًا واحدة تحرسها، وقلبه سورًا يحميها ويسهر على رعايتها. وحين جاء الأولاد، تبدّل الخوف؛ صار حادًّا، يقظًا، يرى في الهواء خصمًا، وفي الغبار تهديدًا مؤجَّلًا:
ظننت أن ورديات الحراسة لا تنتهي.
قالها، ثم صمت.
أشار بذقنه نحو النافذة. خلفها، كانت مزارع الفاكهة تستلقي تحت ضوءٍ شاحب.
- جمعتُ ما جعل الناس ينحنون حين أمرّ… لكنني الآن لا أستطيع أن أتذكّر تفصيلةً واحدة منها.
توقّف ليلتقط أنفاسه، ثم أضاف:
- لم تكن لي، بل ديكورًا في مسرح مؤقت.
انسابت قطرة عرق من جبين الابن ببطء. لم يمدّ يده لمسحها؛ فقد كان يخشى أن تُحدِث الحركة صوتًا.
ساد صمتٌ طويل. ثم ارتسم على شفتي الشيخ شيءٌ يشبه ابتسامة نسيها الوجه منذ زمن.
- بقي معي ظلٌّ واحد.
راح يعدد، بصوت مبحوح، بلا استعجال: يدٌ امتدّت لعاملٍ تعثّرت حمولته، زيارةٌ لمريضٍ في أطراف القرية، دمعةٌ مُسحت عن خدّ يتيمٍ في جنازة، صخرة أبعدتها عن طريق، و«يرحمك الله» قيلت لعاطسٍ عابر، بلا معرفة اسم أو وجه.
- كلّ ما جمعته ذهب، وكلّ من أحببتُه مضى إلا هذه الظلال.
وأشار بإصبعه على صدره، ثم أطلق الكلمات بصعوبة:
- لا يزال هنا دافئًا.
صار صوته أخفّ، كأنه يأتي من عمقٍ أبعد:
- رأيتُ الحرب تطحن الرجال بلا صخب يوم أعدنا الأرض، وخرجتُ من تحت أنقاض بيتنا يوم الزلزال وأنا أعدّ أنفاسي. سألتُ طويلًا: لماذا الرسل والكتب والألوان والألسن؟ ولماذا هذا الاختلاف؟
توقّف؛ حين صار تنفّسه غير منتظم.
ثم قال، كمن يعثر أخيرًا على كلمةٍ ضائعة:
- أدركتُ أن الحياة مشاهد نؤدّيها ثم نغادر. الهزيمة، والنصر، الغنى، الفقر، الحب، والغدر… ليست امتحانًا. الامتحان الوحيد هو: هل خرجنا من هذه المشاهد دون أن نفهم؟
أطبق جفنيه.
لم تكن النهاية صاخبة، ولا درامية. جاءت كما تأتي الأشياء التي لا تُراجَع: بهدوء صفحةٍ تُقلَب في كتابٍ قديم.
التقط الابن، في لحظةٍ خاطفة، تلك الابتسامة الصغيرة التي استقرّت على وجه أبيه قبل أن يستقرّ كلّ شيء. شعر بأن صدره يهبط دفعةً واحدة، كأن الهواء خرج منه دفعةً واحدة أيضًا.
وبدا له أن الغرفة، رغم حزنها، لم تكن خالية، بل كانت ممتلئة بتلك الظلال الخفيفة، الباهتة، الدافئة، الوحيدة التي رافقت الرجل حتى المشهد الأخير.
أحمد عبدالله إسماعيل
رفع الأب جفنيه بصعوبة. غاب ذلك البريق الحديدي الذي طالما أذل رؤوس التجّار في السوق، وحلّ محلّه ضوءٌ وادع، يشبه ما يسبق الغروب بقليل.
قال بصوتٍ خشنٍ متعب:
- أحببتُ أمَّك حبًّا لا يُصدَّق.
سكت. ابتلع ريقه، واستراح. قبضت يد الابن على طرف السرير، وحين زفر الأب، اشتدّ قبضه، كأن الصوت قد يتفلّت من بين أصابعه إن لم يُمسَك.
حكى عن امرأةٍ عاشت تتهادى في البيت كما تتهادى النسمة بين ستارتين. كيف صار جسده عينًا واحدة تحرسها، وقلبه سورًا يحميها ويسهر على رعايتها. وحين جاء الأولاد، تبدّل الخوف؛ صار حادًّا، يقظًا، يرى في الهواء خصمًا، وفي الغبار تهديدًا مؤجَّلًا:
ظننت أن ورديات الحراسة لا تنتهي.
قالها، ثم صمت.
أشار بذقنه نحو النافذة. خلفها، كانت مزارع الفاكهة تستلقي تحت ضوءٍ شاحب.
- جمعتُ ما جعل الناس ينحنون حين أمرّ… لكنني الآن لا أستطيع أن أتذكّر تفصيلةً واحدة منها.
توقّف ليلتقط أنفاسه، ثم أضاف:
- لم تكن لي، بل ديكورًا في مسرح مؤقت.
انسابت قطرة عرق من جبين الابن ببطء. لم يمدّ يده لمسحها؛ فقد كان يخشى أن تُحدِث الحركة صوتًا.
ساد صمتٌ طويل. ثم ارتسم على شفتي الشيخ شيءٌ يشبه ابتسامة نسيها الوجه منذ زمن.
- بقي معي ظلٌّ واحد.
راح يعدد، بصوت مبحوح، بلا استعجال: يدٌ امتدّت لعاملٍ تعثّرت حمولته، زيارةٌ لمريضٍ في أطراف القرية، دمعةٌ مُسحت عن خدّ يتيمٍ في جنازة، صخرة أبعدتها عن طريق، و«يرحمك الله» قيلت لعاطسٍ عابر، بلا معرفة اسم أو وجه.
- كلّ ما جمعته ذهب، وكلّ من أحببتُه مضى إلا هذه الظلال.
وأشار بإصبعه على صدره، ثم أطلق الكلمات بصعوبة:
- لا يزال هنا دافئًا.
صار صوته أخفّ، كأنه يأتي من عمقٍ أبعد:
- رأيتُ الحرب تطحن الرجال بلا صخب يوم أعدنا الأرض، وخرجتُ من تحت أنقاض بيتنا يوم الزلزال وأنا أعدّ أنفاسي. سألتُ طويلًا: لماذا الرسل والكتب والألوان والألسن؟ ولماذا هذا الاختلاف؟
توقّف؛ حين صار تنفّسه غير منتظم.
ثم قال، كمن يعثر أخيرًا على كلمةٍ ضائعة:
- أدركتُ أن الحياة مشاهد نؤدّيها ثم نغادر. الهزيمة، والنصر، الغنى، الفقر، الحب، والغدر… ليست امتحانًا. الامتحان الوحيد هو: هل خرجنا من هذه المشاهد دون أن نفهم؟
أطبق جفنيه.
لم تكن النهاية صاخبة، ولا درامية. جاءت كما تأتي الأشياء التي لا تُراجَع: بهدوء صفحةٍ تُقلَب في كتابٍ قديم.
التقط الابن، في لحظةٍ خاطفة، تلك الابتسامة الصغيرة التي استقرّت على وجه أبيه قبل أن يستقرّ كلّ شيء. شعر بأن صدره يهبط دفعةً واحدة، كأن الهواء خرج منه دفعةً واحدة أيضًا.
وبدا له أن الغرفة، رغم حزنها، لم تكن خالية، بل كانت ممتلئة بتلك الظلال الخفيفة، الباهتة، الدافئة، الوحيدة التي رافقت الرجل حتى المشهد الأخير.
أحمد عبدالله إسماعيل