يسري ابو العينين - عندما ينقطع الصوت...

كثيرا ما كنت أتأمله وهو عائد إلى بيته, وفى كل مرة رأيته فيها,كان يقفز إلى ذهنى سؤال وحيد:"كيف له أن يسير هكذا بدون مساعدة من أحد أو حتى من دون عصاة", وفى ذلك المساء, لم يكن هناك مفر من أن أذهب إليه, حيث كان عالقا فى بركة من الماء, والشوارع تئن بعد موجة خريفية مفاجئة, وباتت غارقة بالمياة, خالية من الناس ومسكونه بالبرد والصمت.

لم يتحرك فى مكانه, تائه فى تلك الحيرة التى ارتسمت على ملامحه بفزع كأنه شخص فقد طريقه, عندما ذهبت إليه ووضعت يده فوق ذراعى لأساعده على عبور الطريق, كان ذراعه ثقيلا ويرتجف بشدة, قلت له:"للخريف ألاعيبه يا أستاذ", عرف صوتى, ابتسم وهو يلتفت برأسه, التفاته مفاجئة سريعة, "الحياة لايزال لديها ما توجعنى به".

عندما عبرنا الشارع, ومشينا بجوار البيوت, رفع ساعده من فوق ذراعى ومسكها بأطراف أصابعه كأنه يخبرنى أنه لا يحتاج إلا إلى قدر ضئيل من المساعدة, وعندما اقتربنا من بيته ترك ذراعى وراح يتقدمنى بحذر :"يخيل لى أنك كنت تنظر إليّ بحزن", وقبل أن أرد عليه قال:" لا تقلق أنا لست تعيسا ووحيدا كما تظن".

كانت كل حركة من جسده وكل كلمة منه تؤكد على عدم حاجته للمساعدة, وكنت أعرف هذا عنه, كان معتدا بنفسه, هذا الاعتياد الذى يصل إلى حد الزهو, فهو يسافر وحده, ويعود إلى بيته وحده, أراه فى الصباح الباكر بقامته الممشوقة, وساقيه العفيتين, وهو فى طريقه لمحطة القطار حاملا حقيبة أوراقه, مرتديا بدلته الأنيقة وعلى وجه نظارته البيرسول السوداء, وعندما يعود فى الليل, كنت أراه لايزال محتفظا بهدوء مشيته وثقة واضحة يمضى بها بثبات على الأرض .. أتذكر الآن عندما كنت أرقبه من شرفة بيتنا الملاصق لبيته, وكنت مازلت طفلا تملؤنى هواجس الحكايات, وقتها قادتنى الظنون زمنا طويلا لأصدق أن مشيته الواثقة والجريئة, والتى لا تحيد عن استقامتها, كانت بسبب مساعدة الجنيات الخفية, اللائى هبطن قريتنا ذات ليل بعيد, بعد أن خرجن من قاع النهر ولم يعدن إليه حتى الآن, وكان يتأكد لى هذا الظن عندما أمر من تحت نافذة حجرته المطلة على الشارع.. ففى أيام الشتاء تصبح هذه الغرفة مظلمة, تتردد فيها تلك الأصوات الغريبة, التى كنت أحسها كأنها آتية من كائنات خفية تسكن معه.

لم أكن قد دخلت بيته من قبل, لكننا كنا نلتقى أحيانا صدفة عند عودته فى المساء, أو عندما كنت أناديه من شرفتى فى الصباح الباكر وألقى عليه السلام وهو خارج إلى عمله.. من هذا اليوم رحت أزوره فى بيته, خاصة عندما يحل الليل ويمتلئ البيت بالأصدقاء, محولين المساء إلى حالة من الفرح والبهجة, الأمر الذى كان هو نفسه ينسى أنه كفيف, ويشارك الجميع فى الحديث كأنه يرى كل شئ, وكان الجميع يتحدث معه دون أن ينتابهم الشك فى أنه لا يرى, إلا عندما يتفاجئون بشئ لافت وغريب يصدر منه, مثل تلك المرة التى سمعوه فيها يتحدث عن مواصفات الحبيبة التى يرغبها, قال عندما سأله أحدهم وبدون تفكير: "شقراء, أحبها أن تكون شقراء", ثم راح يسهب فى الوصف كأنه يراها حقيقة ماثلة أمامه, "جسدها مثل غزالة, صوتها خيوط من حرير يخرج من شفتين رقيقتين وأعلى قليلا من الهمس, ملامح دقيقة, لا تتحكم فى شعرها الذى بلون الذهب, فهو ينفك دوما من ضفيرته منسابا مثل الماء على ضهرها", توقف عن الكلام لحظة ثم فاجأهم بجملته الأخيرة التى جعلتهم فى حالة من الحيرة, "أحبها شقراء حتى لا يبدو الزغب الأصفر على ذراعيها منفرا مع لون جسدها الأبيض", ومع حالة الدهشة التى أصابت الجميع, وعقدت ألسنتهم فترة من الوقت, إلا أنهم انفجروا فجأة دفعة واحدة فى ضحك مستمر, معتبرين أن الأمر جاء مثل نكتة .. هكذا كان يبدو الأمر دائما, حيث كان فى كل مرة يشارك الجميع الكلام, يبدع فى الوصف بثقة متناهية كأنه يرى, تحت وابل من الضحكات والقفشات دون أن يغضب.

لم يكن الأمر هكذا بالنسبة لى, ففى ذلك اليوم الذى أوصلته فيه إلى بيته, أصر بإلحاح أن أدخل معه فوافقت مرغما أمام أصراره العنيد.. وقفت على درجة السلم الأولى قبل أن أدخل إلى شقته, يملؤنى ذلك الخوف القديم, ويشل جسدى رعب لذيذ من مواجهة هذا العالم المسحور الذى يعيش فيه, والذى كنت أصدق أنه من صنع الجنيات.. سبقنى إلى الداخل بخفة يحسد عليها, دون أن تخطئ يده طريقها لثقب المفتاح, كان البيت مظلما كما هى عادته فى تلك الأيام, لكن ما إن ضغط على مفتاح الإضاءة, حتى ظهر المكان نظيفا ومرتبا, كل شىء فى مكانه, وثمة مرآة معلقة على الحائط بجوار الباب, وبرواز للوحة تمثل شارعا طويلا فى الليل, تظهر فيه النجوم واضحة, وعلى جانبى الشارع, بيوت نوافذها مضاءة ومشرعة, وبشر يسيرون فى جماعات وعربات تجرى.. كان يمشى كقط بين الغرف دون صوت, لم يصطدم ولم يتعثر فى شىء, وعندما راح يبدل ملابسه التقط بيجامته من فوق أحد المقاعد وكأنه يراها, فى تلك الليلة بعد أن مضيت وقتا طويلا بصحبته, طلب برجاء أن أنتظر: "هل تريد أن تسمع شيئا", تمهلت متوجسا, وعندما فتح حقيبته, ظهر فيها عدد من النايات, تحسسهم بأطراف أصابعه, وأختار من بينها ناياً وراح يعزف.

كان شيئا ساحرا ومخيفا فى نفس الوقت, لم أعرف من أين تسللت إلى مسامعى تلك الموسيقى، كان هو يعزف, لكنها كانت تأتى من أماكن لا أعرف مصدرها, ربما هبطت من سقوف الغرف, أو من خصاص النافذة المغلقة, كنت أحسها تأتى أيضا من بعيد عبر الشوارع المحيطة, تأتى بطيئة فى الأول, ثم فجأة وكأن المكان أصبح هو نفس الشارع فى الصورة المعلقة على الحائط, لا أعرف هل نحن الذين انتقلنا إلى داخل البرواز, أم أن البرواز هو الذى انفتح علينا, امتلأت الغرفة بعزف ساحر حمل فى نغماته أصوات عديدة كأننى أراها, حتى صرير الكائنات التى تربض بين حجارة الشط فى النهر القريب, وأوجاع الناس وراء الأبواب المقفلة سمعتها, مسنى سحر غريب جعلنى أتجمد فى مكانى وأنا أجلس أمامه, وفى تلك اللحظة, زاد يقينى من أن صوت عزفه على الناى هو الذى أتى بالجنيات إلى هنا, وجعلتها تلك النغمات تضل طريق العودة إلى موطنها.

من يومها بدأت أتعمد زيارته عندما يكون وحده, كنت قد تخرجت من الجامعة وكان هو فى الخمسين من عمره, ومع ذلك صارت بيننا صداقة حقيقة, كانت تسعدنى لباقته وطريقته الرشيقة فى الحديث, ألفت قعادى عنده واكتشفت مع الوقت أنه أيضا يحب تلك اللحظات التى يقضيها فى الحديث معى, وقتها كنت أراه يتحول إلى شخص مختلف, شخص يفتقده ودائم البحث عنه عندما يريد أن يتحدث عن نفسه, يروى فى سعادة القصص والحكايات الغريبة وهو يتحسس بانسجام وقعها على مسامعى, وفى تلك الأوقات عرفت أنه وُلِدَ أعمى.. واستغربت وقتها, كيف لشخص فى حالته لا يمتلك ذاكرة بصرية لأى شىء فى الحياة, بما فيها تلك المتعة التى تجلبها رؤية الألوان, كيف أن تكون له القدرة على الوصف بهذا الوضوح, "أنا لا أملك تجربة بصرية تجعلنى أتخيل اللون, لكنى مثلا أرى الفراغ الذى أعيش فيه بلون أبيض", ثم قال مفسرا كلامه: "غالبا, ستجد إن الأمر متعلق بالروح, فالجنة مثلا لا أعرف ألوانها, لكننى اعتبرتها مثل لون السعادة التى كنت أراها وأنا فى حضن أمى".

كنت أجلس أمامه غارقا فى الدهشة, أتوقف كاتما حزنى وأنا اسمع الحكايات التى يقصها عليّ, "بعد موت أبى وكنت وقتها فى العاشرة من عمرى, كان أول شئ تعلمته هو كيف يكون الخوف, لم يكن يخلو ركن فى البيت منه, لدرجة أن أمى كانت تبكى لعجزها على أن تطمأننى وأنا أرتعش بين يديها", مع مرور الأيام, تعرفت على عالمه الغريب, الذى صنعه بنفسه, والذى أرست أمه قواعده, "كان اللمس هو اكتشافى المبكر للعالم الذى يحيط بى, وكان أول شئ لمسته وتحول إلى ادراك أقيس به حجم الفراغ الذى أعيش فيه هو كف "سُلافة", وفى تلك الأمسيات التى باح فيها بمشاعر دفينة, غارقه فى أعماق روحه, لم يكن صعبا عليه أن يسمح لى بالدخول إلى تلك الحجرة, البعيدة, فى آخر الطرقة, كانت غرفة مقفولة على الدوام, لا يدخلها أحداً غيره, وعندما سبقنى ليفتح القفل الموجود على الباب, أخبرنى أن أمه قبل أن ترحل, أطلقت على هذه الغرفة, "بنك الأصوات".

قبل رحيل أمه, كانت قد أتمت عملها العجيب وسلمته له, أخبرنى بامتنان كيف أنها كانت تسافر حاملة معها جهاز التسجيل الذى اقتنته بعد تحويشة ثمنه والذى جمعته بطلوع الروح, إلى كل الأماكن المعروفة لها والمجهولة أيضا, القريبة والبعيدة, عملت بكل جهد أن تلتقط على جهاز تسجيل, كل الأصوات التى من الممكن أن تصادفها فى الحياة, أصوات البشر من الجنسين وفى أعمار مختلفة, أصوات كل أنواع السيارات, صوت عربات الكارو, مزاليج الأبواب, صوت فرامل سيارة قبل ارتطامها, صوت رذاذ المطر وصوته حين يكون غزيرا, صوت الرعد, صوت الريح, صوت كلب على وشك الهجوم, أصوات العصافير وقت الشروق, صوت اليمام, وأصوات عديدة لحيوانات مختلفة, سجلت أصوات الحشرات الهائمة فى الحقول الواسعة المسكونة بالصمت, أصوات الضفادع فى مواسم التزاوج, صوت قطرات الماء عندما تهبط ببطء فى سكون الليل على أرضية الحمام كمرزبة ثقيلة,لم تترك صوت إلا وسجلته, استعانت بأقارب يعملون خارج القرية, لجمع الأصوات الغريبة والتى من الممكن أن نقابلها صدفة فى الحياة, حتى أنها استعانت بأحدهم لتسجيل صافرات الرحيل من القطارات والبواخر الرابضة فى الموانئ, وقد فعلوا هذا بمحبة خالصة, واضافة إلى ذلك, سجل أحدهم صوت السلسلة الضخمة فى باخرة ترسو على رصيف الميناء وهى تهبط من فتحتها, حاملة مرساة كبيرة صدأة إلى عمق المياة, وبعد أن استغربت الأم لهذه المبادرة, حيث كانت تعرف فى عمق أحلامها, أن إبنها لن يتسنى له أن يسمع هذا الصوت فى أى مكان, أخبرها الرجل مستغربا: "هذا الصوت لم أستطع تجاهلة, لقد شعرت بوخزة فى قلبى حين سمعته".

بعد مرور شهور طويلة من العمل المضنى, اختارت أمه هذه الغرفة, وصنعت أرففا قريبة على طول يده, ثم حددت لكل شريط مكان مكتوب عليه صفة هذا الصوت, والوقت الذى تم تسجيله فيه .. قالت له وهى تسلمه مفتاح الغرفة: " أنت الآن تملك أصوات العالم, أصوات ممكن أن تسمعها فى حياتك, لكن ستبقى دائما هناك أصوات ربما لن تسمعها.. أصوات لن تجد فرصة للتعرف عليها, وأخشى أن تفاجئك وأنا لست بجوارك".

كنت أراقبه وهو يقف بجوارى صامتا, منتظرا أن انتهى من التعرف على كل مقتنيات بنكه العجيب, وفى لحظة أسى عميقة, وبعد مرور وقت طويل من رؤية ما تحتويه هذه الأشرطة من أصوات, توقف وهو يقول بحسرة بانت واضحة على ملامحه: "أن الشىء الوحيد الذى نسيت أمى أن تسجله كان صوتها".

لم يكن هناك من يفهمه مثلى, كانت شقته الواسعة والنظيفة على الدوام مليئة فى أيام الصيف بالأصدقاء فى كل وقت, حيث لم يكن فى وسع أحد أن يدرك أن هناك وقت للرحيل, يبدو الجميع فى حالة نشوة بالغة وهم يستمعون إلى عزفه, وسرعان ما أنضم إليه أصدقاء جدد ممن يجيدون العزف على آلات أخرى, ليتحول المكان إلى واحة يسكنها جنون الطرب والفن, فى تلك الأيام كنت أراه يبالغ فى سعادته, التى كانت تهبط تدريجيا كلما أحس أن رياح الخريف بدأت تشتد, عندما راحت تخبط بعنف شبابيك بيته, وإن عدد الأصدقاء بدأ يقل تدريجيا باقتراب الشتاء, كما إن صوت الموسيقى الذى بدأ يخفت, اصبح على وشك أن يختفى من بيته.

  • إنه الشتاء اللعين الذى أكرهه.
كنت استغرب جدا من حالة الغضب الذى يدخل إليها كلما أمطرت, وكلما قل عدد الأصدقاء واحدا, وانتبهت أن مشاعره لم تكن تتعلق بالكُرْه, أكثر ما كانت تلتهب بسبب الوحدة التى سيعانى منها, حيث الخوف دائما موجود, وعالقا بملامحه, وكان يعلل ذلك بقوله: "رحلت أمى بسنوات قليلة من وفاة أبى فى أيام الشتاء, وبعدها بات العالم صامتا صمتا مريعا, وتغلغل إلى قلبى احساس موحش بالوحدة, كاد أن يقتلنى, ربما لم أستطع التخلص منه حتى هذا اليوم".

فى هذه الأيام الباردة, كان دائم الدخول وحيدا إلى غرفة الأصوات, يظل بها لوقت طويل, وعندما كان يخلد إلى النوم, يترك باب هذه الغرفة مفتوحا, لكننى فاجئته فى أحد الأيام وهو يستمع لصوت السلسة الضخمة التى تهبط من فتحتها, حاملة معها المرساة إلى عمق الميناء, أفزعنى منظره وهو يجلس أمام جهاز التسجيل, متعمدا شل أعضاءه عن الحركة, ينصت فى سكون إلى هدير الجنزير الضخم وهو يهبط بسرعة بتأثير ثقل المرساة, ثم فجأة يعم سكون قاتل, تمر رعشة بجسده, يرتجف على أثرها, وبعدها يدخل هو فى حالة من الكمون, كان يخرج منه بصعوبة, "هذه المرساة أحس بها بعد أن تصدم بالأرض فى ظلمتها البعيدة, كأنها أنا" .

كثيرا ما كان يغير مسار الحديث بيننا وينحرف ناحية الكلام الذى يأتى بسيرة أمه: "كانت هى اليد التى فتحت لى بوابات هذا العالم", ولهذا لم يكن هناك أى سبيل ليعرف ماهو عكس ذلك, فالأم قد نذرت حياتها من أجله, منذ تلك اللحظة التى جاء فيها إلى الحياة, فى لحظة من أسوأ اللحظات التى مرت على حياتها, تلك اللحظة التى فعلت المستحيل حتى لا تأتى, عندما أُكْرهت على الزواج من رجل لا تحبه, وفى سبيل ذلك فعلت المستحيل حتى لا يستمر هذا الزواج, وعندما تحرك الجنين فى أحشائها, أقسمت أن تقتله فى مكانه, لكن كل ما تناولته من عقاقير جاء دون جدوى, وفى يوم ولادته, وعندما راحت ترمقه وهى كارهة, مليئة بغضب عارم, تخشبت فى سريرها, عندما لمحت وجه طفل جميل يضحك بعينين غير موجودتين, وضع مكانهما فراغ يشبه بئر ليس به ماء.. أنفجر قلبها فى بكاء لم يتوقف حتى فارقت الدنيا, كانت لحظة فارقة فى حياتها, حيث نذرت حياتها من أجله ما تبقى لها من عمر, وكان آخر ما فعلته, أن ذهبت به فى رحلة بالقطار إلى الأسكندرية.

كان أن تبقى لها, أن يعرف إبنها طعم المياة المالحة وملمس الرمل, كما كان لها أن تسجل صوت ارتطام الموج بصخور البحر.. وهناك على شاطئ ميامى, جلست تضم ابنها بين ساقيها, وهى تنظر ساهمة إلى البحر, أما هو فكان يلعب بأصابعه فى الرمل, كانت فى تلك اللحظة, تحاول جاهدة أن تشرح له معنى كلمة الأفق, عندما سألها أين ينتهى البحر؟.

فى سنواته الأخيرة, كان يقضى الجزء الأكبر من وقته فى "بنك الأصوات", يعيد بناء العالم فى ذاكرته المتخيلة, مكتفيا بهذا القدر من الأصوات التى اجتهدت أمه فى جمعها, ولم يكن يدرى أن هناك صوت لم يسمعه حتى هذه اللحظة, صوت سيغير حياته للأبد, حين مس أذنيه صوت ساحر قادم من بعيد, رغم أنه كان على بعد ثلاث خطوات منه, كانت أمه تتكلم, دون أن ينتبه لها, تاركا صوت الملاك الذى قبض على روحه أن يتغلغل فى وجدانه, ويحكم قبضته على قلبه.

عندما انتبهت أمه لاضطراب جسده, ضحكت من أعماقها ونادت عليها, كانت الفتاة فى مثل عمره تقريبا, عندما سمعها تنطق اسمها "سُلافة", ذاب قلبه فى لحظة, وعندما طلبت منها الأم أن تسلم عليه بيدها, ألقت الفتاة ضاحكة بكفها فى بطن يده, ثم سحبتها بسرعة ومضت بعيدا, مضت كنسمة ريح شاطئية, لم يتبق منها إلا كفها الذى تركته فى يده, وصوتها الذى لم يسعف الوقت أمه لتسجيله, لكنه حفر مكانا ساطعا فى مخيلته, طول الطريق إلى بلدته, كانت الأم قد طلعت روحها من تكرار وصف صورتها, فيما كانت يده تقبض بإحكام على كف يدها, لم يفرد أصابعه حتى وصل إلى بلدته.

  • بسبب صوتها تعلمت العزف على الناى.
عندما كان يعزف يأخذنى هذا التكوين المثالى للحزن الذى تشكل أمامى, كان "يعفق الناى" بكلتا يديه, يضمه إلى صدره كأنه يحتضن حبيبته, ثلاثة أصابع مرتعشة من كل يد على الستة ثقوب الموجودة فى الأمام أسفل الناى, فيما إبهام اليد اليمنى يسكن بحنان على الثقب السابع فى الخلف أعلى الناى, يخرج أولا بقايا حشرجة تسكن فى حنجرته, ثم ينحنى برأسه إلى أسفل وهو يهوى على مقدمة الناى كأنه يقبل تلك الحبيبة, ينفصل عن عالمه الخارجى وبدخل إلى عالم لا يعرفه غيره, يصبح هو والناى كتلة واحدة, وعندما يخرج النغم الساحر, حاملا تفاصيل صوتها, تروح ملامحه كأنها تبدلت لطائر بجناحين عفيين, يطير فى فراغ يخصه, يعرف دروبه ومسالكه, يتغير ويتبدل مع كل نغمة, يتأرجح بين الحزن الخالص والسعادة الخالصة.

فى تلك الأوقات التى يتوقف فيها الحديث بيننا, لم يكن هناك ما يشغلنى غير حركاته وانفعالاته, كان سهلا أن أرى أحلامه ومخاوفه وهى تفر مضطربة من جسده أمام عينى, تشغلنى دائما حركة رأسه التى كان يرفعها فجأة باندفاع, ما بين وقت وآخر فى اتجاهات عديدة كأنه يتقى أشياء ستصطدم به, فى الحقيقة كنت لا أعرف لماذا كان هذا الحزن يتملكنى عندما كنت أتركه وأذهب رغم تأكيده المستمر " أنه ليس برجل حزين", أفكر أنه ليس هناك شىء فى العالم يمكن أن يمحى هذا الشعور بالوحدة الذى يكتنفه, مهما تعددت جلسات الأصدقاء واستدعى هو من أصوات لتؤنس وحدته.

كانت أيام الشتاء تزداد قسوة, وطلب برقة غير معهودة عليه أن أبقى معه حتى الصباح, أخبرنى أنه بدأ يتوجع من صوت البكاء البكاء الذى يأتيه دائما من "غرفة الأصوات" عندما يترك بابها مفتوحا فوافقت.

فى الصباح الباكر لليوم التالى, أفقت على صوت دفقات مطر غزير تضرب فى نافذة الحجرة, ولم أجده فى سريره, بحثت عنه فى كل الغرف بما فيهم "غرفة الأصوات" ولم أجده, لم يكن أمامى إلا دورة المياة, وهناك رأيته, لم أكن فى حاجة إلى تفسير أكثر مما توقعته, كان يجلس عاريا تماما فى حوض الاستحمام الممتلئ بالماء, رافعا ذراعية كجناحى مرساة, ورحت وأنا واقف فى ذهول أمام هذا المشهد الصعب, أنه لهذا السبب, كان ذراعه ثقيلا كمرساة, عندما وضعته على ذراعى وأنا أخرجه من بركة المياه فى هذا المساء البعيد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى