أحمد عبدالله إسماعيل - الضيوف...

بضربةٍ واحدة من عصاه الخشبية، أطاح "يوسف" بمزهرية الخزف. تناثرت الشظايا كنجوم منطفئة على السجادة، فحبستُ صرختي في منتصف حلقي. تكرر المشهد: تحول البيت إلى ساحة معركة، وأنا مجرد حارسٍ يحاول حماية الجدران من هجمة الحياة.
توقفتُ قبل أن أمسك بمعصمه الصغير. لمعت في ذهني صورة بيت جارنا؛ ذلك البيت الذي زرته بالأمس. تذكرت كم كان نظيفًا لدرجةٍ مخيفة، لامعًا كمرآةٍ باردة، وخاليًا من أي أثرٍ ليدٍ بشرية. تذكرتُ كيف اعتاد الجار الجلوس في الزاوية، يحدق في لمعان الرخام بانتظار خدشٍ واحد يعيد له ضجيج أبنائه الذين عبروا البحر والبر والجو كل يطارد طلبه.
أدركتُ حينها الحقيقة العارية: أطفالي ليسوا سكانًا، إنهم مسافرون يقيمون في "قلبي" لليلة واحدة. والليل يمر سريعًا.
انحنيتُ ببطء. لم أقبض على يده، بل بدأتُ أجمع الشظايا معه بصمت. نظرتُ إلى وجوههم الثلاثة؛ رأيتهم يتحركون في الصالة مثل "أقلام ملونة" ترسمُ على لوحةٍ ستمحى غدًا. كل صرخة هي طرقة مسمار في ذاكرة الغد، وكل بقعة حبر على القميص هي توقيع ضيفٍ سيسلم مفاتيح الغرفة عند الفجر.
بينما أخذت ألمُّ بقايا الخزف، اقترب ابني الصغير، وضع يده الملطخة بالصلصال على كتفي، وهمس بعينين واسعتين تفيضان بذكاءٍ غريب:
- يا أبي، لا تحزن؛ فالمزهرية منعتنا طويلا من اللعب، وقد أصبح الطريق الآن أوسع.
ساد صمتٌ مفاجئ. نظرتُ إلى الطريق "الأوسع" الذي فتحه كسرُ المزهرية، ورأيتُ في نهايته باب البيت مفتوحًا على مصراعيه، ورأيتهم يخرجون منه واحدًا تلو الآخر دون التفاتة. عدتُ لأنظر إليهم، شعرتُ فجأة برغبةٍ في الصراخ، ليس غضبًا من الفوضى، بل توسلاً للزمن كي لا يرمم هذا الكسر؛ ليظل الطريق مزدحمًا وضيقًا بهم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى