چيهان جمال - قيد الوصول

1
ثمة مواقف تُلمّح بها الحياة قبل أن تُصرّح.
تأتينا مجرّد ومضات ،وليس شرطا أن تعنينا؛ لهذا رُبما تستوقفنا قليلاً أو لا تستوقفنا !
وبعدما تمرّ سنجد أن الأيام شيئا فشيئا تكشف لنا أنها كانت بدايات حكايا تفوق تخيّلنا.
وهذا ماشعرت به " فاطمة الزهراء"حين توقفت بعدما ركنت سيارتها بالشارع الجانبي المجاور للعمارة التي تسكن إحدى المنازل الراقية بها، ودون مقدمات، وجدت نفسها -رغماً عنها- تقع بعينيها على بعض سطور رسالةٍ أمسكتها بيدها، بعدما اشتبكت أصابعها بخصلات شعرها البني المسترسل،في دلال فتاةٍ على أعتاب الخامسة والعشرين من عمرها .
لم يستطع قلبها أن يتركها لمصير مثيلاتها من الرسائل الأخرى، التي توالت السقوط بلا هوادة على الأرض.
وفي محاولةٍ غير مجدية، رفعت عينيها إلى أعلى، ظنّاً منها أنها ربما تستدرك أيّ طابقٍ هذا الذي استطاع أن يفرّط بتلك المشاعر،ويلقي بها بهذه الاستهانةوالمهانة!
تنتبه أن حارس تلك العمارة يأتي مسرعا ولا يراها من شدة مابدى عليه من تأثر .
تسمعه يهذي ،وهو ينظر إلى الأرض .
لذا همس لها قلبها أنه ربما يعلم أي شيء عما يحدث .
فبادرت قائلة :
- ازي حالك ياعم شحاته..فيرفع رأسه لأعلى ويقول:
- الله يسلمك يا أستاذة "زهرة" .
- عندك فكرة الأوراق والرسايل دي تخص مين؟!
وبعيون يملئها الحزن- يقول:
-تخص الأستاذ "جميل " الله يرحمه .
فتندهش قائلة:
-معقولة !

يهز رأسه ويقول ساخرا :
-يعني يا استاذة بعد كل اللي ولاده عملوه معاه ومع امهم بتستغربي المنظر ده!
أكيد حضرتك ما خدتي بالك من الصور اللي واقعة ورا عربية سيادتك !
فترد"زهرة"وهي حزينة ..
-فعلاً ولا شفتها..
الله يرحمه أستاذ "جميل "بس للدرجة دي ياعم شحاته بلغ بيهم الجحود؟!
يتنهد قائلا :
-هقولك إيه يابنتي -دنيا لا ليها عزيز ولا غالي !
وعلى رأي ابويا "اللي ما يشلني على راسه وانا عايش ملوش لزمة يبكي عليا وقت الممات ".
- تقصد ان الكلام ده ينطبق على اولاده ياعم شحاته ؟!
- طبعا ولاده الله يسامحهم كل اللي كان هامهم وهما بيبيعوا "الفلوس " وبس ، وزي ما حضرتك شايفه-لا بت منهم ولا واد قدر يحس بقيمة وجودهم ولا وجع فراقهم.
واللي اشتروا البيت هما كمان يابنتي شبههم
لا هما حاسين بقيمة المكان اللي اشتروه ، ولا مقدرين قيمة ذكريات البني ادمين اللي عاشوا فيه!
والله حاسس إنهم خافوا ينادوا عليَّ آجي آخد كل الحاجات دي، لا أطلب منهم أُجرة.
أصل العينة دي ما يفهموش إن الوفا للعيش والملح ما يتقدّرش بمال الدنيا.
ياله يا بنتي… الله يرحمهم ويحسن ختامنا.
-آمين يا راجل يا أصيل، والله.
- تعيشي يا بنتي. هاخد أنا الحاجات كلها، بس تشوري عليَّ أعمل فيها إيه؟!
تفكّر في الأمر للحظة، ثم تقول له:
- هو حل مناسب رغم قسوته.
- حل إيه يا أستاذة؟
- احرقهم ياعم "شحاته ".
فيرد مندهشاً ..
- إيه! احرقهم إزاي بس هو ده يصح .
- افهمني ياعم شحاته.. كده أكرم للمرحومين من أن حياتهم وذكرياتهم تبقى مشاع مرمي بالشكل ده في الشارع.
فيقول عم "شحاتة ":
-لا حول ولا قوة إلا بالله ..عندك حق يا أستاذة.
تودعه، وتمضي حزينة على مافي الدنيا من ألم.
تفتح باب بيتهم الذي أشتراه والدها مع قدومها للحياه؛ومنذ ذلك الحين والبيت يحتضن الطفلة المدللة من العائلة بأكملها "زهرة" نظرا لعدم وجود أشقاء اخرين لها.كما يحتضن جميع الأهل بين جنباته الدافئة والعامرة بالمحبة.
وعلى الرغم من رائحة الطعام الشهي التي تفوح من حولها إلا أنها لم تستطع أن تجري نحو والدتها بالمطبخ الدافيء الأنيق كما اعتادت أو أن تشتهي التذوق من الطعام وهي تداعبها.
اندهشت الأم حين شعرت بتواجدها..فذهبت إليها حائرة، وسألتها:
-"زهرة "حبيبتي مالك ياروحي ؟!
فروت لأمها ماحدث، وهنا ذهبت والدتها عند الموقف الذي كانت حاضرة ووالدها فيه ،وقالت لها بأسف..
-دنيا "يازهرة "واللي بنزرعه بنحصده.
فقالت "زهرة "باندهاش ..
-مش فاهمة ياماما حضرتك تقصدي إيه ؟!
بتلك الأثناء عاد والدها أستاذ التاريخ الإسلامي وسمع جزء من حديثهم.
فرحوا بقدومه ..فابتسم لهم ،وقال :
- بتتكلموا عن مين؟
- عن الأستاذ "جميل" يابابا .
- الله يرحمه ويحسن إليه .
ثم وضح لهم أنه قابل الحارس وهو يلملم الرسائل والصور وعلم بما حدث.
وعلى الطاولة ذات الطراز الرفيع تم وضع الغذاء.
وأثناء تناولهم للطعام -استرسلت الأم في الحديث بناءً على طلب "زهرة" لأن تُكمل أمها ماكانت تنتوي تفسيره لها..
فقالت مدام "إيناس" ..
مش قادرة انسى إزاي الأستاذ"جميل" الله يرحمه هانت عليه والدته و موقفش مراته عند حدها ؛وهي بتطاول على ست كبيره والمفروض انها في مكانة أمها.
هنا تدخل دكتور "حكيم "،وقال لزوجته في لهجة صارمة ..
-اذكروا محاسن موتاكم يا إيناس .
يبدو على وجّه "إيناس "الحرج والأسف .. فتقول :
-عندك حق يا "حكيم "الله يرحم الجميع ويغفر لهم ولنا .
يقول :امين .

في حين ظلت "زهرة" شاردة لتفهّمها ماحدث،ثم ذهبت "إيناس " أستاذة علم الاجتماع عند الأوقات العصيبة التي واجهها الأستاذ "جميل" من بعد وفاة زوجته ،وإصابتها ،وإصابته بالزهايمر ،وكيف كانت بشاعة تصرفات أولادهما وعدم التفاتهم لحاجة والديهم الماسة إليهم فمنهم من كان يتحجج بضيق وقته ،ومن كانت تتحجج بعدم تقبّل زوجها لرعايتهم .

لمّ تغبّ عن مخلية دكتور "حكيم "صورة والدته ؛وكأن الحياة تعود به للبدايات وقت رحيل والده المفاجيء وترك ثلاثة أطفال، وزوجة جميلة لم تبلغ حينها الخامسة والعشرين؛،وكيف أنها ترملت عليهم بلا تأفف .
منكفئة على ماكينة الخياطة كي تستطيع أن تكمل معهم مشوار حياتهم دون الحاجة لأحد مهما بالغت الأيام في تعنتها،وبلغت الظروف القاسية مداها.
طوّقتهم "فاطمة"بحنانها ورعايتها لهم حتى تخرجوا جميعا من الكليات المرموقة ،وأثناء ذلك كان "حكيم "يعمل في مكتبة كبيرة طوال الأجازة المدرسية والجامعية لمساعدة والدته في نفقات المنزل .
لذلك ظل إبنها الأوسط"حكيم "هو الأكثر وفاء والتزام برد الجميل..
وأول مافعله عندما بدأ عمله هو إغلاق ماكينة الخياطة كي ترتاح أمه ،وتولي هو مسئولية الأسرة.
من حينها لم يترك والدته أبدا؛وسرعان ما أكرمه الله.
حتى حقق نجاحا ماديا وأدبيا واسعا من بعد سنوات عديدة من العمل الدؤوب سواء في إحدى دول الخليج أو العمل في كبرى الجامعات الخاصة.
وهكذا عاشت الحاجة "فاطمة الزهراء "حياتها مكرمة معززة منه ومن زوجته حتى جاء قضاء الله، وزهرة في المرحلة الثانوية من تعليمها.
يمسك بمنديل السفره بين يديه ،وكأنه يريد أن يمسح به دموع شتى ترقرقت بمقلتيه.
يقوم ،وهو يحمد ربه ،ويشكر زوجته على الغذاء الشهي .
تبتسم له "إيناس "وقلبها متعلق مثله تماما عند عتبات الذكريات الطيبة التي جمعتها بحماتها،والتي وافقت عن طيب خاطر على تسمية ابنتها على اسمها .
إحدى المساءات..
هذا المساء ككلّ مساءات الود التي تجمعهم أمام شاشة التلفزيون فهم من القلائل الذين حرصوا على إغلاق هواتفهم وفتح مسارات الحُب العائلي ليتناولوا ماحدث بيومهم ،ويتناقشوا فيما يطرأ على حياتهم من أمور -لذلك ليس لهم أسرار خاصة يخفونها عن بعضهم البعض.

وهاهو السؤال المعتاد الذي لا يخلو من قفشات وضحكات وأحيانا من الالم،والموجه إلى "زهرة" سواء من والدها أو والدتها ..
- أخبار القضايا النهاردة إيه يازهرة ؟!
- والله يابابا الواحد مابقى عارف يلاقيها من المتهمين ولا من المحاميين؟!

يعدّون ما سوف يكون على مائدة الإفطار العائلي الذي سيقام عندهم غدا.
دقات الهاتف ..
يرد على أخته الكبرى،ومن بعد الإطمئنان عليها يؤكد على ضرورة تواجد أولادها وزوجاتهم غداً.
ثم يتصل بأخيه الأصغر ويقوم بذات التأكيد .

وهكذا اعتاد أن يجمع إخوته ،وأولادهم تحت جناحه بكل الحب والتقدير مقتنعاً بأن هذه الأمور من أبواب البر والبركة في حياته وحياة زوجته وابنته، وكذلك فعلت "إيناس "التي تعاملت مع أهل زوجها بمنتهى المحبة ،وهذا من وجهة نظرها الشيء الطبيعي الذي من الواجب والأصول أن يكون بين أبناء العائلة ،وبخاصة أنها وعائلتها تحظي بذات الحب والاهتمام من "حكيم" الذي تعب كثيرا حتى أصبح في هذه المكانة الإجتماعية والمادية اللائقة التي كفلت لهم وابنتهم حياة كريمة سعيدة.

ورغم تساؤلات اخوته الكثيرة حول مستقبل ابنته إلًا أنه وزوجته لم يخشوا على ابنتهم الوحيدة مما سوف يحمله المستقبل ولم يحملوا هم وصولها للخامسة والعشرون دوّن إرتباط .
بل تركوا لها مطلق الحرية في الاختيار المناسب مستندين على أنهما قاما بتربية ابنتهما كما يجب .
وأنها لو قابلت الشخص المناسب سوف تخبرهما على الفور.

بمرور الليالي والأيام..
على غفلة يدق الأسى على باب دكتور" حكيم "ويفرض المرض عليه قسوته ،و يخيم على المنزل ومن فيه بمرارة الأوقات ؛وماهي إلا شهور قليلة ويفارق الحياة .
ومابين ألم الفراق ولوعة القلب عاشت "زهرة" وأمها أقسى لحظات الحياة .
تكشفت الأقنعة واستفحل الطمع والجحود ؛وظهر الجميع على حقيقته .
بعدما اعلنوا لحرب عليها ،وعلى أمها ونصبوا لهما العداء.
ورغم اكتفاء العم والعمة المادي إلا أنهما لم يتقبلا فكرة أن يهادي دكتور "حكيم "معظم ماتعب فيه وحده ،ولم يرثه لإبنته الوحيده.
اشتدّ الحزن على "إيناس "ليخطفها الموت بغتة وتترك "زهرة" وحيدة تجتر احزان الفراق ولوعة جحود الأهل إذ لم يتوانى أحد من عائلة أمها في أن يعاديها لذات السبب الذي عاداها لأجله عائلة والدها.
قهرها القدر،وخارت قواها ،وعاشت وحيدة بين جدران منزلها تعاني الاكتئاب الحاد.
ومن بعد عدة زيارات لعيادة الطبيب النفسي وجدت أنها صارت أفضل حالا ،وعملت بوصية الطبيب في البعد عن كل مايثير شجونها.

قررت الرحيل الذي لم يكن سهلا على الإطلاق صحيح أن البيت صار يثقل عليها بالذكريات.
وتدرك أن خروجها منه بمثابة خروج الروح من الجسد -لكن لابد من الرحيل الذي لن يكون سهلا على الإطلاق !
وبعدما كانت ترفض فكرة الغربة لأجل والديها قبلت العودة للفكرة .
دبي- من بعد مرور الليالي والأيام ..
بمرور العام ،ومن بعده عاما آخر توازنت "زهرة "إلى حد كبير -لكنها في ذات الوقت لم تعد تشعر بالأمان مع أحد .
الوحيد الذي شعرت أنه بجوارها يؤازرها رغم بعد المسافات هو دكتور "احمد " لذلك حافظت على التواصل بينهما.
ذات يوم -دقات الموبايل
فاجأها بوصوله إلى "دبي "ويريد دعوتها على العشاء.
تلعثمت ،وهي في قمة الدهشة،والمشاعر المختلطة التي لاتدري لها سببا
ثمّ أدركت أنّ لامانع من القبول فما بينهما إلًا كلّ تقدير واحترام وهي بالفعل ترتاح إلى الحديث معه.
وفي إحدى الأماكن الرائعة يلتقيان وبالعيون أشياء تُحس ولا تريد أن تجهد العقل بالمسائلة أو التبرير .
يأخذهما الحديث لأمور شتى ومن بينها أنه ولأول مرة يحدثها عن حياته الشخصية .
تكتشف أنه منفصل من قبل أن تلتقي بهِ ويشرف على علاجها.
يخبرها أن زوجته طلبت الانفصال من بعد قصة حب وزواج استمرت لخمس سنوات لأسباب مختلفة من أبرزها أنها تريد أن تعمل على الرغم من اتفاقهما من قبل الزواج على عدم عملها لأجل رعاية أولادهما -لذلك رفض ،وبخاصة أنها تعترف أنه لم يبخل عليها بأي شيء في حدود استطاعته .
حاول الإصلاح لأجل ابنته وابنه إلا أنها لم تحاول أن تساعده وأصرت على موقفها .

فما كان منه إلا أن استجاب لها بل ،-وقدر مشاعرها ،وتسامح لأنه ممتن لها لكونها شريكة بدايات مشوار نجاحه وأم أولاده .
الطلب لوحيد الذي طلبه منها أن تظل العلاقة بينهما طيبة لأجل الأولاد .
لذلك اتفقا على أنهم يذهبون للعيش معه في الأجازات الأسبوعية ثم يعودون لها..
بمرور الوقت ..
مضي الوقت لطيفا بينهما ولّم تخفى عليه أنها بمساعدته العلاجية لها لم تعد تفكر بأي شيءٍ يؤرقها بل وتسامحت مع كل من تخلى عنها،وأذاها نفسياً ولا يشغلها سوى التركيز في عملها كمستشار قانوني لإحدى الشركات التجارية.
يشجعها على العودة للوطن فتخبره أنها بالفعل تفكر بجدية في العودة وفتح مكتب استشارات قانونية-فيبدو سعيدا جدا .
ينتهيا من العشاء وقبل أن يصل بها لبيتها يطلب منها أن تعود سريعا فتشعر أن شيء ما يربط بينهما لكنها لا تستطيع تحديد سوى شعور واحد فقط ،وهو أن دكتور "أحمد"يشبه والدها بالملامح والروح أيضا، وكذلك شعرت أنه مثله من القلائل الممتنين للنساء.
القاهرة..
تعود للوطن ،وتفتح باب بيتها الذي ظل مغلقا لعامين -تشعر أنها ليست على ما يرام، وكأنها غريبة عن البيت الذي فتحت عيونها على الدنيا فيه ..فتبدو وجلة -قلقة.
دقات جرس المنزل..
إنه الرجل الطيب..عم "شحاته "الذي لم يصدق الخبر الذي تركته "زهرة " مع زوجته حين وصلت ولم تجده ،وهاهو بعدما وصل ملهوفا على الاطمئنان عليها يجلس أمامها على الطاولة الفرنسية الأنيقة.
تطمئن على أحواله،ثم تستأذنه في أن تقوم زوجته بمساعدتها في تنظيف المنزل من الأتربة التي حاوطته.
فيقول ممتناً.. عنيا يابنتي من وقت ما بلغتيني بمعاد وصولك واحنا في انتظارك-طلباتك اوامر .

اليوم التالي ..
ها هو المنزل كل مافيه عاد نظيفاً-مرتبا مثلما كان حاله بالماضي.
لكن الفقد حرمها من نعمة الارتياح ، والاستمتاع بالعودة لبيتهم الجميل -الذي ماكانت تطيق البعد عنه .
تضع يدها على ما كانت لاتدركه ،وهو أن رغم جمالها وغناها إلا أن ماكانت تراه ،وتشعر به أحيانا تجاه والديها حين تفر نظرات حزينة من أعينهما رغما عنهما ما كان إلا ما اخفته حينها مشاعرهم عنها، كانوا يحملون هم مشاعر الفقد التي تعيشها الأن.
وها هي بعدما وضعت بصعوبة بالغة شال من الصوف فوق كتفيها تحادث نفسها ، وهي جالسة بالشرفة المطلة على حديقة الشارع.
-من بعد وفاة بابا وماما أوقات كتير حسيت اني مظلومه من نظرةً اقرب الناس ،ومع كده كملت طريقي ؛وفضلت غير مهتمة على الإطلاق إني ابرر لأي حدٍ ليه بيبان عليا إني قوية، ومستحيل أكون في احتياج لأي شخص .
يمكن السبب كان في كل شيء حصل منهم ،والجرح اللي فضل عايش معايا يفكرني في كل لحظة بخذلانهم ليا .
بحمد ربنا انه عافاني من كل شيء .لكن الغريب اني رغم المكانة العلمية والمادية اللي انا فيها محدش منهم هيقدر يحس اني من وقت وفاة بابا وماما ،وأنا مش عارفة اعيش سعيدة ، وان الأمان المادي عمره ماكان ولا هيكون كل حاجة.
تترك الشرفة الواسعة بعد أن أغلقت أبوابها ،وهي تعلم أنها تاركة بيتها الأنيق ورغما عنها قررت أن تذهب للعيش بمنزل آخر في منطقة من أماكن القاهرة الجديدة-شبه المنعزلة بغية البعد والهدوء .
دقات الساعة الواحدة ليلاً تخرجها من افكارها-
تطفيء إضاءة الأباجورة النحاسية ذات الطراز الفرنسي الرفيع ، وتحاول النوم .
وعبر دهاليز الروح تحاول أحلامها أن تخطو بنعومة ودلال الأنثى التي لم يرقّ قلبها بعد لأحدهم.
تستيقظ لتجد أنها في مخدعها الكلاسيكي الذي اهدتها إياه أمها وقّت نجاحها المبهر بالثانوية العامة -فتبتسم رغم معاناة ولوعة الفراق.

القاهرة الجديدة..
بالبداية لم أجد ما أستطيع وصفه عن سعادتي وسط أروقة هذا البيت، وأني أخيرا عثرت على ضالتي في أن أعيش إلى حد كبير بعيدا عن الزحام ولغط البشر ،فقد سئمت الحياة المليئة بالضجيج ،ومللت الاختلافات،وخاصة عندما يكون معظمها لايستحق .
لذلك ظللت أبحث عبر مواقع الإنترنت الخاصة بالعقارات دون يأس عن مايشبه هذا المكان بالذات .
المنزل يبدو عليه أنه قيم فهنا أشياء كثيرة قديمة ؛وراقية مثل الأثاث ،و التابلوهات وبعض المفروشات التي تركها طواعية الأبناء الورثة !ولا أدري لماذا ؟!
شعرت أني أشتري هذا المنزل من أولاد جارنا المرحوم الأستاذ "جميل" بعدما بدى لي أن كل مايعنيهم هو المبلغ المالي الكبير الذي رفضوا أن يتنازلوا عن أي مليم فيه!
لمسوا أن تلهفي على شراء البيت فاق تخيلهم ! فأنا إنسانة واضحة المشاعر ولا أجيد المراوغة .
أدركت أنهم لايريدون أي شيء يذكرهم بصاحبة المنزل.
مرّت الأوقات،وأنا في حالة لاتنتهي من الهيام بكل ماهنا من لوحات قديمة معلقة بأناقة على الجدران ، وأجهزة منزلية كهربائية كمثل موقد الطعام المدفون بحرفية بالغة بين الرخام العتيق للمطبخ الذي من الواضح أن كل جزء فيه أعدّ له حرفي ماهر وسيدة منزل تعلم تماما ماذا تريد.
أرى أن البيت يحتاج فقط لتغيير لون طلاء الجدران باللون الأبيض الذي أفضله وكذلك الأثاث يحتاج إلى تجديد بسيط بتغيير لونه ولون مفروشاته ليصير أكثر رقة ونعومة.
اتصال دكتور "أحمد" ليؤكد موعد لقائنا جعلني أدرك انني لثلاثة أيام متوالية أمكث هنا دون الشعور بالاحتياج للخروج-لاأملك سوى أن ألبي دعوته لي على الغداء قبل أن انشغل بكل ماسوف أغيره!
أتي في موعدنا المحدد ،وذهبنا إلى مطعم ذات طابع فخم رومانسي
سألني عن شعوري بانتقالي لبيت آخر .
أجبت منتهى الصدق..وشعرت أنه ارتاح لارتياحي
وأثناء تناولنا الطعام استرسل في أحاديث كثيرة وأنا اسمعه باستمتاع لأنها هامة ومفيدة لي على الصعيد الشخصي.
وفجأة وجدته يعلن اندهاشه في أني اسمعه باهتمام كل هذا الوقت -ففهمت أنه كان يفتقد ذلك الشعور مع زوجته ،واحترمت عدم خوضه فيما مضى.
وعلى الرغم من علمه أن عم "شحاته " ترك ابنته الكبري ترافقني وتساعدني إلا أنه قبل أن ينتهي لقائي معه وجدته يستأذن أن يتواجد معي قدر استطاعته أثناء قيام عمال الدهانات بعملهم .
رحّبت بالفكرة وسعدت بها ،وتركته ،وأنا اشعر أنني لم اعد وحيدة فقد صار وجوده يطمئنني.
اليوم الأخير لطلاء المنزل...

قبل قيام العمال بطلاء هذا الحائط ، وأثناء رفع أحدهم التابلوه الكبير الأنيق الذي احببته، وقبل أن يسقط به على الأرض استند العامل بقوة على الحائط ،وإذ بالحائط يدور به كما رأيت مسبقا بأحد الأفلام السينمائية، وتظهر خزنة موضوعة بداخل هذا الحائط .
كاد أن يغمى عليا لولا وجود "احمد" لجواري.
وأثناء انشغال العامل بالخوف على نفسه من السقوط بالتابلوه الثمين همس لي "احمد " بضرورة الثبات والتظاهر ان الأمر معروف بالنسبة لنا
فقال لي :
-انشغالنا بالكلام عن الألوان نسانا ننبه الاسطي "ماهر " بالحيطة الدوارة.
فرددت بسرعة:فعلاً يا احمد .

اعتذرنا للعامل على أننا كنا سنتسبب في سقوطه على الأرض .
وتظاهرنا اننا نسينا كذلك أن نعيد الخزنة لبيت جدنا كما طلب قبلاً.

حمل "أحمد " الخزنة وذهب بها إلى سيارته ثم عاد لنظل أنا وهو في قمة الإندهاش والقلق مما حدث !
انتهي العمال من عملهم وتركوا المنزل.
اضطرّ "احمد "أن يتصل بعيادته ويؤجل مواعيد مرضاه للغد.
أعاد الخزنة للبيت، واتصل بصديق له وطلب منه أن يرسل لنا متخصصا في فتح مثل هذه الخزن بعدما صورها له وأرسلها عبر الواتساب.
وما هي إلا ساعة واحدة وحضر صديق" أحمد" ومعه الرجل الذي فتح الخزنة .
شكر أحمد صديقه، والرجل، وتركونا أمام المشهد الذي لن يمحى من ذاكرتي !

لم أتمالك أعصابي من هول ما بداخل الخزنة من أوراق ومجوهرات ومبالغ مالية، وإذ بي أطلب من "أحمد " أن يتولى الأمر.
وجدتني أعود لمشهد الأستاذ "جميل " ولقائي وعم "شحاتة " وقت تساقطت الأوراق والرسائل والصور من حولنا في عرض الشارع.
أفيق على صوت "أحمد " يقول لي :
- معقولة يازهرة اللي مكتوب ده - معقول كل الكره ده جواها.
-يطول صمت "زهرة" وتطول نظرتها إليه وكأنها في حلم مخيف فكل المشاعر تجاه هذا البيت تبدلت.
يستوعب "أحمد" مشاعرها دون أن تشرحها.
فيقول لها ..
-هطلب منك طلب ياريت توفقيني عليه
فتهز رأسها بالموافقة على كل ماسوف يطلبه.

-حضري حالاً شنطة هدومك على ما اخرج الخزنة واحطها تاني في العربيه، وبعدين نصحى " عزة " تبات في بيتهم عند عم شحاتة ، وترجعي بيتك حالاً .
فتنفذ كل ماقال دون أي تعليق.

الطريق ..
المسافة ليست بعيدة فسرعان ماحدث كل ماهو أراده.
ركن كلا منهما سيارته،ولم يتركها وحدها استأذنها أن يصعد معها بالخزنة لبيتها فوافقت .
بعد أن استراحا قليلا من كل ماحدث أتصل بالمطعم الذي يفضله يطلب لهما الطعام والشراب.
فقد ظلا لأكثر من عشر ساعات دون طعام أو شراب .
شرح لها الأمر برمته كما علم به من خلال المذكرات التي دونتها صاحبة المنزل.
كانت مجرد سيدة فقيرة تعيش في قرية مترامية الأطراف تبتت وتصحوا على الجوع.
لاتملك من الدنيا شيء وكذلك زوجها الفقير والبيت الأشد فقرا .
لها أخت ،وزوج أخت لايختلفان عنهما في أي شيء.
في تلك الليلة حالكة السواد .خرجوا من المستشفى البعيدة عن القرية واستقلوا عربة متهالكة ليصلوا لبيتهم الذي يعيشون فيه جميعا .
وفجأة تنقلب العربة ويموت السائق ومن في العربة ويتفحم جزء منها ،ولا يبقى على قيد الحياة سواها وطفلين .
بعد قليل من وقوع الحادث اكتشفهم أحد الرجال فأسرع للإبلاغ وطلب الإسعاف ورافقهم .
تمر الأيام وتفيق السيدة ويكتب للأطفال عمر جديد.
ظل الرجل متعاطفا معها ومع الأطفال الذين التصقت بهم.

وظلت تدعى المسكنة ،وفقدان الذاكرة ،ونفيت تماماً أي شيء عن قريتها أو أنها تعلم من كانوا معها وقت الحادث .
كانت فقط تظهر ارتباطها الكبير بالطفلين فا اعتقد الرجل الطيب أنها أمهم وهذا بالفعل ما أرادت .
تمر الأيام والرجل الكريم يأويها عنده إلى أن قرر تبني الأطفال كأولاده ، وأن يسترها بالزواج.
ومنذ ذلك الحين ،وهي تعيش سيدة المنزل الكبير وأم للطفلين.
انتقل الرجل بهم وبتجارته التي اتسعت إلى القاهرة في ذاك المنزل الذي اشترته "زهرة".
بعد مرور ١٥ عام..
توفي الحاج "عبد المحسن" وترك البنت والولد الذي لم يقصر يوما في حقهم بل تولى رعايتهم ،وكأنهم فلذة كبده.
أما "دولت" فكانت طوال السنوات تخفي كرهها لأختها وتظهره فقط في تعاملها القاسي مع اولادها بحجة أنها تربيهم على الجدية .
كرهها الأولاد وخاصة حين كانوا يقارنوا بين معاملتها لهم ومعاملة الأمهات الأخريات.
وأحبّوا فقط والدهم الحنون الحاج "عبد المحسن" إلى أن تخرّجوا من الجامعة ، وتركوها تعيش وحيدة.
اكتفوا أنهم نالوا حريتهم وعاشوا مع والدهم أيام عز ، ولم يهتموا أن والدهم مات دون أن يترك لهم مال كما أفهمتهم.
لتعيش بين الجدران تخطط وتدبر وتكيد لهما .
ظلت تطاردهم وهم ينفرون منها إلى أن يئست.
قررت أن تتبرع بالبيت وبما في الخزنة التي لا يعلم أي احد عنها شيء إلى الجهات الخيريه ،وقبل أن تستدعي المحامي ليتمم ما انتوته وافتها المنية بأزمة قلبية مفاجئة.

بعد مرور ثلاثة أيام..
اكتشف ابن الأخت الأكبر وفاتها بالصدفة حين ذهب ليأخذ اوراق تخصه.
يوم جديد ..
تفيق "زهرة" من نومها على أنها في مخدع والديها فتشعر بالأمان.
دقات الموبايل..
- صباح الخير .
- آهلاً احمد صباح الخير .
- يناسبك اعدى عليكي بعد ساعة نفطر سوا ونشوف هنعمل إيه .
- اوكي يا احمد في انتظارك.
يتناولان فطورهما وهما في حالة قلق مما ستحمله لهم الأيام.
تعرض عليه أن يذهب معها لمقابلة صديق والدها الشيخ الجليل ليطرحوا عليه أمر "دولت" والخزنة .
تنتهي مقابلتهم مع الشيخ الجليل صديق دكتور "حكيم" وتتصل بهم "زهرة".
يتقابلون ، ويتم تسليمهم الخزنة وكل مافيها .
يمتنون لها جداً ،ويتمنون أن تكون على تواصل دائم معهم .
من بعد معاناة نفسية كبيرة مر بها أولاد اخت "دولت" تعافا، وقررا أن يردا الجميل للرجل الذي رباهم باحثين عن أهل له يرثوا معهم حقهم الشرعي-وكذلك تبرعوا بجزء من الثروة لأبواب الخير كما كان يفعل دائما .
تعرض "زهرة" منزل "دولت للبيع ، وتبقى سعيدة -مطمئنة بذكريات والديها معها ببيتهم الأنيق .
بمرور الأيام والليالي..
يتأكد "أحمد" أنه يحب "زهرة" ولن يستطيع البعد عنها فيطلب منها الزواج
توافق على الفور وتسعد بالارتباط به ، وبحبها أولاده لتسير بهم الحياة جميعا في هدوء واستقرار.
وهكذا كشفت لها الأيام أن خذلان الأهل لايعني الانكسار ،ولم يكن التأخير في الزواج إلا تمهيدًا لميلاد حب كبير.

تمت ..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى