سمير لوبه - ثم لم يبق أحد في الإسكندرية...

في أحد المقاهي ينظر إلى البحر، فلم تعد مدينته كما يعرفها؛ ضاقت شوارعها بمركبات لا تنتهي، جدران مبانيها ترثي زمان التآلف، ومهما حاول أن يتجاوز ذكرياته إلا أن الواقع قد ألحق بها جراحًا لا تندمل، يستنشق هواء البحر لكن شعورًا ثقيلًا يجثم على صدره؛ فالنسمات تحمل عبء الزمن ومرارة الواقع، في ذلك المساء ترى عيناه مدينته وملامحها التي تلاشت واندثرت، لا يسمع إلا همسات الماضي المتجمد على حافة الأفق البعيد، يركز نظراته على رحلة غروب الشمس والسحب تفرُّ باتجاه الجنوب كاشفةً عن طبقات السماء الملبدة، وصوت الأمواج يتردد مع نبض قلبه، فجأة ظهر له ليل يحرك حلمه نحو شواطئ مدينته ليطرق أبوابها بكل شوق؛ ربما يوقظ ساكنيها، يغمض عينيه للحظة، ثم يفتحهما ليجد السماء هي الأخرى في حالة حزن؛ تتلون بلونٍ باهت، والبحر هادئ يعكس حالة اللامبالاة التي يشعر بها تجاه ما آلت إليه حال مدينته، يلفحه الهواء؛ يرفع رأسه ليرى "كفافيس" بجواره بلحية خفيفة وعينين تلمعان ببريقٍ غريب، يرتدي معطفًا رثًا، وبدهشةٍ يسأل:
- كفافيس؟!
- نعم، أنا هو.
لم يستطع أن يحبس فضوله، كيف استطاع الشاعر كفافيس أن يظهر بهذه الصورة فجأة، وفي هذا الوقت من الزمن؟
مندهشًا:
- لكن كيف؟!
بصوتٍ هادئ عميق:
- تغير كل شيء، فهل سيبقى البحر؟
ينتفض سمير، وبصوت يكاد يكون همسًا:
- أنت كفافيس؟
ابتسم الرجل:
- نعم أنا، ولكنني لم أعد هنا الآن، كنت هنا من قبل، حين كانت الإسكندرية تجذب القلوب الباحثة عن معنى في هذا العالم، ساحرة يأتي إليها كل من حمل في قلبه حلمًا وشغفًا.
كلمات كفافيس تتردد في أذنه؛ تفتح نافذة من الأسئلة، يرفع يديه ليمسح عن جبينه العرق.
يتنهد كفافيس:
- المدينة فقدت شيئًا من سحرها
- أنت محق، وهل هناك شيء يمكننا فعله؟
ابتسم كفافيس ابتسامة مليئة بالحزن:
- كل شيء قد مرَّ الآن، حياتكم مليئة بأسئلة لا تجد لها إجابة، والأحداث حولكم تتشابك وتتشابك، كما هي حياة البشر لا يمكن أن نعيدها إلى الوراء.
في تلك اللحظة، قاما معًا، وبدآ يمشيان في شوارع المدينة وفي حديقة الخالدين قابلا الشيخ سيد درويش يجلس وحيدًا ممسكًا عوده، بجواره بقايا سندويتشات كبدة وشاورمة يسألهما عن الإسكندرية، والبحر أمامهم مازال يتموج يسأل هو الآخر عن مدينة الشتاء، يسيرون جميعًا في صمت حتى تحط بهم الأقدام في حديقة الشلالات، يقابلون بيرم التونسي يسمعون منه أزجالًا يرثي فيها طيور العنبر التي هجرت المدينة، يجلسون في جمع يتسامرون، وفجأة يأتي شرطي يطلب بطاقاتهم الشخصية بغلظة؛ يحاول سمير جاهدًا أن يعرفه بكُنية الجالسين معه، ولكن الشرطي يصرُّ على اصطحابه لقسم شرطة باب شرق لأنه يهذي ويتكلم مع نفسه، ولا يوجد أحد في المكان غيره، فلابد أن يكون هو ذلك المجهول الذي يأتي كل مساءٍ ليبول تحت تمثال اسكندر الأكبر.
_____________________
من المجموعة القصصية #أنثى_مثل_حبة_التوت
#الهيئة_المصرية_العامة_للكتاب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى