إبراهيم محمود - أنكيدو... قصة

1772542521382.png
صورة متخيلة لأنكيدو


كائن غريب الأطوار، كان يستحث الخطى صوب دائرة ثقافية ذات صلة بالتاريخ، كان يناوب بين السير على قائمتين والمشي على أربع. كاد الشعر أن يغطي كامل جسمه. فوجىء به الحراس، لم يكن في مقدورهم التعرض له، حين ظهر مرهوب الجانب. كانت عيناه تشدانه إلى الداخل.
في الداخل، كانت القاعة ممتلئة بالحضور، وثمة طاولة طويلة على المنصة الخشبية الزيتية اللون، وفي الخلفية صورة لنقش قديم، يضم وجهاً بارزاً جرى تخيله، واعتباره الأقرب إلى ذلك الملِك الإلهي- الإنساني الشهير في التاريخ: جلجامش.
كان لدبيب خطاه صدى عمَّ القاعة، لفت أنظار الحضور إليه، وهم في ذهول.
وجه واحد على المنصة يتصدر الجالسين إلى الطاولة ، كان يركّز على الداخل ، وهو يمضي سريعاً إلى حيث تكون المنصة.
وحده صاحب الوجه، وهو في عمر متقدم، لكنه ظهر مشرق المحيّا، نهض سريعاً، متجهاً نحوه، كما لو أنه يعرفه، وهو يتقدم به إلى المنصة.
كان ثمة كرسي فارغ.
-كنت أتوقع مجيئك. إنه أكثر من حدس. سيكون مجلسنا هذا ذائع الصيت في العالم أجمع.
العيون مسلطة عليه، وعلى من تحدث.
-لا بد أنكم تعرفونه. دونه ما كان لنا البتة معرفة أقدم ملحمة بشرية رحالة في العصور، وعقّد مثل هذا المؤتمر الذي دعي إليه أصحاب الاختصاص بالتاريخ والأسطورة .
والتقط أنفاسه لبعض الوقت، ثم قال بصوت أعلى نبرة:
-أقدّم لكم أنكيدو!
أنكيدو.. أنكيدو.. أنكيدو..
تردد الصوت بصداه خارج قاعة المؤتمر.
-أيعقل أن يعود إلينا ما كان؟
لم يقتعد أنكيدو الضخم وذو الهالة، رغم أن الشَّعر غطى أغلب وجهه كذلك، لكن الشعاع الصادر من حدقتي عينيه، أضفى لوناً ذهبياً على شعر وجهه وذقنه الطويلة ، إنما أزاح الكرسي جانباً، وبهدوء. وبقي ساكتاً لبعض الوقت وهو يركز على وجوه الحضور.
-أنا بصفتي المعني الأول بهذا المؤتمر، وكما تعرفونني السومريولوجي المعروف صموئيل كريمر، أردت أن تتقدم مؤتمرنا هذا مفاجأة نادرة الحدوث. أعني ظهور أنكيدو بيننا . لقد كان بيننا أكثر من حوار ، وقبل مجيء إلى هنا. أعلمني بأشياء غابت عن ذهني، وأريد منه أن يقولها أمامكم، وبصوته ، ولغته، وآمل أن تفتحوا جهاز الترجمة على آذانكم لسماع المنتظَر.
إنما لا بد أن تراعوا وضعه، إن بقاءه واقفاً، هو التعبير الأول عن اختلافه عنا.
كان أنكيدو يصغي إلى ما قاله كريمر، وحين انتهى، باشر الحديث بكلمات مقطعية كما هي لغته، كما لو أن الصوت يخرج من كامل جسمه:
لا أحب الكلام كثيراً. فقط أريد تنبيهكم أيها الشغوفين بالتاريخ، وبما تسمونها ملحمة " جلجامش " إلى أكثر من خطأ فاحش ارتكبتموه ولم تحاولوا- ولو مرة واحدة- تحري الحقيقة.
لقد أسندتم كل شيء إلى جلجامش. أنا لا أعاديه. ولكنني عملياً لم أكن تابعاً له. وبدءاً من عبارة ربطتموها به: هو الذي رأى. يعني هو وحده المعتبَر. أيّ تجنّ على الحقيقة هذه؟. أنا ذلك الكائن البرّي الذي ألفتني حيوانات كثيرة، كما ألفتها، وعشت عمراً خارج حساباتكم المعروفة، وزعمْتم أنه جرى استدراجي إلى " سومر " بإغراء من امرأة دربتموها لهذا الغرض. إنها علّتكم، غريزتكم أنتم، وليس هواي. ومن خلالها تمكنتم كما زعمتم من تحويلي إلى كائن ضعيف وتابع لكم، وقد نبذتني شقيقاتي الحيوانات التي كبرت معها، وتعايشنا معاً في سلام في برية عامرة.
لم تكتفوا بذلك. أدخلتموني في صراع مع جلجامش، وتغلّب علي، ودون أي اعتبار لحقيقتي المختلفة، وجرى كيل المديح المفرط له، وأنتم تتهجون اسمه من دون تردد.
وبطريقتكم، وكما رغبتكم، جعلتمانا صديقين، لكي تنفّذوا خطتكم، ودون أي مراعاة لوضعي. ونحن نمضي في سفر طويل، ونواجه صراعات مع ما لا صلة لي به. ونفَّذتم حكم الموت فيّ، درساً مزعوماً لجلجاميش، ليعلم أنه أيضاً ولِد ليموت..
هكذا في الحالات جميعاً، ظهرت ألعوبة بين أيديكم، وصادقتم على ذلك.
ثم التفت إلى كريمر:
-أليس كذلك يا كريمر؟
رد كريمر في الحال:
-كان هناك شكوك كثيرة لدي حول العلاقة هذه، ولكن، يبدو أن تأثري بالأفكار السائدة منعني من إظهارها.. و..
وقبل أن يكمل كلامه.. ساد صخب في القاعة، تعبيراً عن احتجاج عما يجري، وفي لمح البصر، انطفأت الأضواء، وعم الظلام القاعة، وكان هناك أصوات تحريك كراس، وتدافعات، وصرخات ، استمرت لبعض الوقت.
عادت الأضواء إلى ما هي عليه بعد ذلك.. إنما لم يكن هناك من أثر لكل من كريمر وأنكيدو.
كان هناك رجل متقدم في العمر، ومن أهل المكان، يحل محل كريمر في كرسيه، وهو يقول:
عذراً أيها السادة والضيوف الكرام..لقد حصل خطأ عارض، ما جرى كان من تبعات وهْم على صلة مباشرة بموضوعنا، جرّاء اهتمامنا الكبير به.لنفتتح مؤتمرنا الذي تعنون بـ" هو الذي رأى "، أي بطلنا الأسطوري- الملحمي العظيم: جلجامش!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى