عبدالرحيم التدلاوي - لبنة...

وقفت في شارع لحمامصية، القريب من حيّ النجارين والمفضي إلى باب الجديد بمكناس، وأنا أشعر أن المكان لا ينتظر أحدا، ولا يغادر أيضا. تغيرت الواجهات، واختفت المقهى الشعبية التي كان أبي يرتادها بعد عودته من الحقل بثوبه المغبر وصمته الطويل. وحده محل المجوهرات بقي، بواجهته اللامعة، كأن الزمن يفضل أن يلمع ما لا يستطيع إزالته.
كان أبي يجلس قبالة حانوت مغسل الموتى، يحتسي الشاي ببطء يشبه العد. في يوم لا أتأكد إن كان حدثا واحدا أم تكرر في ذاكرتي، جاء رجل يلهث، وضع بين رجليه صرة، وقال إنها أمانة حتى تنتهي حملة تمشيط باعة الذهب. أسدل أبي جلبابه عليها. لا أذكر إن كان قد لمسها فعلا، أم أنني أكملت حركة الجلباب في رأسي كلما رويت الحكاية.
انتهى التمشيط. عاد الرجل وأخذ صرته كما تركها.
هكذا استقرت الحكاية… أو هكذا أردت أن تستقر.
في تلك الليلة، جلس أبي طويلا. لم يأكل. لم يضحك. وحين نام الجميع، فتح الدولاب، أخرج كيسا من الأكياس المودعة، وعد المال. أعاد العد. ثم أغلق الباب، كأنه يخشى أن يترك رقما يتنفس وحيدا داخل الخزانة.
كبرت داخل تلك الحكاية. كنت أسمعها كأنها جزء من اسمي، لكني لم أعد واثقا إن كنت شاهدا عليها أم كنت أستعيرها لأفهم معنى أبي.
ذات يومٍ مددت يدي إلى أحد الأكياس. أخذت ورقة نقدية. اشتريت كتابا عن مدن لا تشبه مدينتنا، وكان لبنة مكتبتي فيما بعد. لم أعرف لاحقا إن كان أبي قد اكتشف النقص، أم أنه وضع المال في الدولاب في الصباح لأنني كنت قد رأيته يفعل ذلك في الليل.
في المساء قال لأمي:
“الولد كبر.”
وفي الصباح أضاف مبلغا من ماله إلى الدولاب. لم ينظر إلي. وربما كان ينظر، لكنني لم أكن أرى إلا ظهره.
مرت السنوات. خسرت تجارتي. عدت إلى الشارع نفسه.
خرج صاحب محل المجوهرات وناداني باسمي. عانقني وأدخلني إلى مكتبه؛ الجدران مرايا متقابلة، كل وجه يولد وجها آخر، وكل وجه يبدو كأنه يعرف شيئا لا يقوله.
قال إن الصرة التي حفظها أبي كانت كل رأس ماله. ثم قال بصوت أخفض:
“أبوك لم يفتحها… لكنه كان يعرف أنها ناقصة.”
روى أنه خبأ جزءا من الذهب قبل أن يودعها، خوفا من المصادرة. وحين استعادها، وجدها كما تركها.
“لو فتحها، لاكتشف النقص.”
ثم قال:
“في اليوم التالي سألني: هل أنت واثق أن ما أودعته عندي هو كل ما تملك؟ لم أجب. ابتسم ومضى.”
خرجت إلى الشارع. لم يكن أضيق ولا أوسع، لكنني كنت أمشي كما لو أن الأرض لا تريد أن تحمل خطاي كلها.
في الصباح قبلت العمل معه. جلست بين الحسابات، أراقب أرقاما تمر كأنها تكتب نفسها خارج إرادتنا. كنت أرى الصفقات تبرم على حافة شيء لا اسم له، وأفكر في أبي وهو يعد المال في العتمة، كأنه يحاول أن يمنع العالم من أن يختل بسبب نقص لا يمكن رؤيته.
وذات مساء، وضعت على مكتبي صرة صغيرة. قال صاحبها إنها أمانة حتى تنتهي حملة تفتيش.
بقيت وحدي.
نظرت إلى الباب.
إلى الصرة.
إلى انعكاسي في المرآة.
لم أر أبي.
رأيت وجهي فقط، وكأن المرآة اختارتني دون غيري.
مددت يدي.
فتحت الصرة.
لم يكن فيها ذهب.
كانت ناقصة… لكنني لم أعرف إن كانت ناقصة لأن شيئا سرق منها، أم لأنها لم تكن مكتملة يوم وضعت بين يدي.
ضحكت بصمت طويل، كمن يتأكد أن العالم ما زال يكرر اختباره القديم.
أغلقت الصرة.
فتحت درج المكتب، وأخرجت منه ورقة نقدية قديمة، مطوية بعناية، لا أعرف إن كانت لي أصلا، أو إن كنت قد وضعتها هناك لكي أجدها يوما.
وضعتها في الصرة. أعدت ربطها كما كانت.
وحين جاء صاحبها، سلمتها إليه. شكرني بحرارة جعلتني أشعر أنه يريد أن يهرب من شيء لا يعرف اسمه.
بعد أن خرج، بقيت وحدي. فتحت الدرج مرة أخرى.
كان فارغا.
أو ربما كان ممتلئا بشيء لم أعد أراه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى