إبراهيم محمود - القيّم الربّاني والكُردي برزَهْ... قصة

لم يعد بَرْزَهْ الكُرديُّ يتحمُّل هذه الاستمرارية في المآسي والكوارث التي يتعرض لها منذ زمان طويل، تعجز ذاكرته نفسها عن استيعابها، وبالتالي عن التأريخ لها على وجه الدقة.
برزه الكردي، كما وجد نفسَه هكذا، سلالات من الأرومة الكردية ذاتها تعاقبت، كل سلالة تحمل الاسم، والصحيح اللقب الأكثر شهرة وتميّزاً به: بَرْزه، أي التائه أو الضائع بلغته، كل سلالة تتبع السابقة وتمهّد للاحقة عليها، لتكون بلقبها هذا الأكثر شهرة في التاريخ.
من أين جاء هذا الاسم/ اللقب؟ لكم توجعَ برزه المتكرر ، وهو يستعيد قائمة سلالاته الكبرى والكثيرة في التاريخ وما قبل التاريخ، بناء على حسابه الخاص،دون أن يعثر على تفسير يهدّىء من روعه. وتحت وطأة هذا السؤال الصعب، لا بل والمعقد، وهو يجهر بالشكوى المستمرة لخالقه ، وجد نفسه مضطراً لأن يُسمِع صوتَه خالقَه، وما اعتبره قدَراً ملصقاً به، ليعيش تحت وطأة اسمه/ اللقب، وهو يتنقل من سلالة إلى أخرى، مع تراكم الأوجاع.
القيّم الرباني المعني بحساب المصائر، وحصص الشعوب والأمم من الحياة ونوعيتها على الأرض، وموقع كل منها إلى جانب البقية،كان يحيط علماً بكل شكاوى برزه، مخلوقه، مذ وجد مميّزاً لسلالته الأولى في الحياة، ولم يكن لامبالياً بها، ولو للحظة واحدة،كان هو نفسه قلقاً فيما يجري. ورأى أن لا دخل له بما سجّل أو يسجّل باسمه هنا وهناك، وإلى الآن.
بسبب تصاعد نبرة شكواه، فتح له بابه السرّي، وفتح معه حواراً سريعاً ومختصرا، لأنه ليس كغيره، في هدْر وقته، أو الاسترسال في كلام لا يليق به، بسبب موقعه الكوني:
-أنت مذ وُجدت تجهر بالشكوى، وتظهِر ضيقك من اسمك الذي هو لقبك كذلك : برزه.
-نعم ، نعم، مولاي. لماذا أنا دون غيري في واقعة قدرية كهذه؟
ابتسم القيم الرباني في سره، وهو يسمع عبارة " واقعة قدرية" ثم جاء الحوار هكذا:
-حسنُ، ألست تنتمي إلى مجموعة " يافث " إلى جانب آخرين، وهناك مجموعتا " سام " وحام "؟
-نعم، يا مولاي، أعلم بذلك.
-حسنٌ، ثانية، هل هناك انصاف أم عدم إنصاف في توزيع القدرات بالنسبة لها جميعا؟
-أبداً.. أبداً، مولاي. الإنصاف قائم.
-حسنٌ، ألم تُمنَح لساناً، سمعاً وبصراً، وأرضاً لتعيش فيها مختلفاً عن الآخرين؟
-هو ما تم مولاي.. هو ما تم حقيقة.. هذا صحيح..لا يمكنني إنكار ذلك.
-حسن، حسن، هل خالقك مسئول عما يلحق بك من ضيم أو ضرر، وتقدير مكانة، كما تقول؟
-لا أبداً، يا مولاي.
-أكثر من ذلك، ألست أنت، ومن كانوا قبلك، يفتخرون بمزايا الأرض التي تنسبونها إليكم، أكثر من غيركم؟
-هذا صحيح.. هذا صحيح.
-جميل، أليس تعرُّضكم للأذى، أو للانتكاسات مرتبطاً بسلوك خاص بكم، تعرّفون أنفسكم بهدون الآخرين، أم يكون الخالق مسئولاً عن ذلك؟
-حاشا الخالق.. حاشا الخالق. نحن نتحمل المسئولية تماماً.
-هل حاولتكم التفكير في خلل يتكرر فيكم، لا تنتبهون إليه، فلا تعودوا حاملين هذا الاسم اللقب؟
توقف برزه الكردي، لبعض الوقت، ورأسه مطاطىء.
-لماذا سكتّ؟
-لا بد أن هناك خللاً ما يا مولاي.. لا بد أن خللاً ما يكون مولاي وراء ذلك.
-إذاً من يريد النظر في نفسه، ومعرفة علتها في حالة كهذه، لا ينبغي عليه النظر في السماء، ومحاولة ربط الجاري بحساب مقدَّر من الخارج.
-عذراً مولاي..اغفر لي زلتي. سأحاول النظر، وسأنبّه المعنيين إلى ذلك.
-حسن..حسن..فلنر ذلك. لا يريد الخالق إلحاق ضرر بمخلوقه إلا من خلاله.
ثم أغلق بابه السماوي، واستقر في مقامه الأزلي.
كان ثمة ابتسامة جلية أظهرها صفاء وجهه الرباني، وهو على علم تام، أن مخلوقه برزه الكردي، لن يفلح في مهمته، كما سمّاه، لأن هناك أكثر من حاجز داخلي يحول دون ذلك، وليس لأن الأعداء كما يجري التأكيد عليهم، هم سبب مآسيه المباشرة، واستمرار اسمه اللقب برْزه.




1772611014596.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى