سمير لوبه - حذاء إنجليزي...

يتثاءب النهار في قريةٍ مصريةٍ نائيةٍ، تتمدد البيوت الطينية على الأرض تئن تحت ثقل السنين، وتتراكم فوق جدرانها ندوب الشتاء القاسي والصيف القائظ، في ظل شجرةٍ عجوزٍ على أطراف القرية، فلاحٌ فقيرٌ ممدد تحتها، حافي القدمين، يحدق في الأفق بعينين أنهكهما الجوع والحلم، وفجأةً تمرُّ أورطة من عساكر الإنجليز، وخطوات العساكر ترسم على التراب إيقاعًا صارمًا، لكن ما خطف بصره لم تكن البنادق ولا الأزياء العسكرية، بل تلك الأحذية ذات الرقبة العالية، المصنوعة من جلدٍ متينٍ، التي تدوس الأرض بكل ثقةٍ.
منذ تلك اللحظة، صار ذاك الحذاء الإنجليزي حلمًا يسكنه مثل عفريت من الجن، أو كبذرةٍ انغرست في قلبه لا تكفّ عن النمو، يطارده حلم امتلاك الحذاء الإنجليزي في نومه، يوقظه في منتصف الليل وهو يتحسس قدميه العاريتين، فيشعر بوخز الحصى والأشواك حتى في الأحلام.
قرر حمدان أن يحصل على الحذاء، ولو كان الثمن جوعه وعريه، بدأ يقتصد في طعامه، يكتفي بوجبة واحدة، وأيامًا كثيرة كان يصوم أو يقتات من خشاش الأرض، يلتقط ما يجده من بقايا الحقول، غرفته الطينية التي لم تكن أكثر من أربعة جدران متداعية وسقف متآكل ينفذ منه البرد كطعن خنجر زادت قسوة، لكن عينيه تلمعان بالأمل كلما تحسس بيديه القطع النقدية التي خبأها تحت جلده.
مرَّ عامٌ وأكثر، والمال يلتصق بجسده، يتعرق معه في حر الصيف، ويبرد معه في زمهرير الشتاء. وأخيرًا، حانت اللحظة المنتظرة.
حمل حمدان ماله، وسار بمحاذاة قضبان القطار، متجهًا إلى المدينة التي لم يرها إلا في قصص العائدين منها، مشى يومين كاملين، قدماه المشققتان تئنّان تحت وطأة الطريق، وعيناه مشدودتان إلى الأفق حيث يتراءى له حلمه كوميضٍ لامعٍ.
تبهره المدينة يتلفت حوله يتحسس ماله حتى وصل إلى متجر أحذيةٍ، وقف حمدان أمام البائع بملابسه الرثة ووجهه الذي خطَّ عليه الزمن أخاديده، أخرج المال من تحت جلبابه، فتراجعت يد البائع للحظة متعجبًا، لكنه عدَّ النقود، ولفَّ له الحذاء بعناية، كأنما يسلمه كنزًا ثمينًا.
خرج حمدان من المتجر، والحذاء بين يديه، يضغط عليها كأنما يخشى أن يفلت منه، قلبه يخفق بسرعة من فرط الفرح، لم يجرؤ على ارتدائه، خشية أن تتسخ نعاله قبل أن يصل إلى القرية، فعاد ماشيًا رغم إرهاقه، كأنما يريد أن يجعل الرحلة جزءًا من بهجة الإنجاز.
عندما وصل إلى قريته، جلس على الأرض، وسط العيون التي اتسعت دهشة، وأخرج الحذاء، أصابعه التي اعتادت ملمس الطين والتراب ارتجفت أثناء ارتداء الحذاء، لأول مرة يرتدي حذاءً يشعر بعالمٍ آخر، عالم من النشوة والقوة، عالم الذين يمشون ورؤوسهم مرفوعة.
لم يصدق الناس ما يرون، وتطايرت الشائعات حول حمدان؛ يقول بعضهم قتل إنجليزيًّا وأخذ حذاءه، ويقسم آخرون أنه سرقه من أحد الأغنياء، بينما يصيح آخرون لعله وجد دفينة، أما هو، فلم يكن يسمع شيئًا، فقط يمشي وحذاؤه يدق على الأرض، تروي خطاه لتراب الأرض قصة انتصاره، لم يدرك أن تحقيق الحلم له ثمنٌ أغلى من المال، وفي ليلةٍ حالكةٍ عند أطراف القرية انقضَّ عليه عليوة بفأسٍ، بعد أن رفض حمدان أن يعيره الحذاء، ولم يكن مستعدًّا لأن يتركه له مهما حدث، دافع حمدان بكل قوته، دفاعًا عن حذائه، تشبث بحلمه كما تشبث بروحه، لكن الفأس سقطت على رأسه مرةً وأخرى فخمدت أنفاسه، حتى لحظاته الأخيرة لم يفلت الحذاء من يده، وقف عليوة يلهث، ينظر إلى الجثة ثم إلى الحذاء، يعلم أن الجميع يعرف حذاء حمدان، وأن هذا الحذاء لا شك سيقوده إلى المشنقة؛ أخذ الحذاء، وربطه بحجرٍ ثقيلٍ، ثم ألقى به في الترعة؛ ليغوص إلى القاع، وترك الجثة لتراب الطريق..
منذ تلك الليلة المشؤومة، لم تعد القرية كما كانت، رفضت روح حمدان المدفون في التراب أن تهدأ، أهل القرية يتهامسون في الخفاء، تؤكد حكاياتهم أن شبحه لا يزال يجوب الطرقات، يبحث عن حذائه المسروق، لم يجرؤ أحدٌ على الحديث بينما انتشرت القصص كالنار في الهشيم، أي شخصٍ يرتدي حذاءً، أي حذاءٍ، يشعر بخطواتٍ تتبعه ليلًا، يسمع همسًا خلفه، وأحيانًا يرى ظلًا شاحبًا عند أطراف القرية، يقترب ثم يختفي بين الأشجار، البعض يقسم أنه سمع أنينًا حزينًا في الليالي الباردة، وآخرون يؤكدون أنهم رأوا آثار أقدامٍ حافيةٍ تظهر فجأةً في الطين، رغم عدم وجود إنسانٍ في المكان، يزعجهم صراخ عليوة الذي صار بين ليلةٍ وضحاها شاحب الوجه، يجري حافيًا في طرقات القرية، مذعور العينين، ينام ويستيقظ فزعًا، وفي ليلةٍ لم يطلع عليها فجرٌ، وجدوه غارقًا في الترعة، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما، كأنما رأى شيئًا أفقده عقله، يحتضن حذاء حمدان الإنجليزي، ومنذ ذلك الحين صارت القرية كلها تمشي حافية القدمين خوفًا من لعنة الحذاء.
______________________________
من مجموعتي القصصية
#أنثى_مثل_حبة_التوت

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى