د. رسول عدنان - غدا حين يُصفُر الكناري و يَسقطُ الندى...

لا تلّوحْ لي أيّها البعيدُ بمناديلكِ الفضفاضة، لا تقتربْ من العشب، لا تزعجْ الضفادع، دعها تسترخي، تتقافزُ بين الأشجار و أضلعي، أنا الهائمُ في الطرقاتِ بحثا عنّي، بحثاً عن امرأة تركتُها قرب الجدول، و ذهبتُ أسألُ الكناري عن جمالها، أنا الممددُ على علامات الإستفهام، انتظر قدومَها بلا خجل، و أرتطمُ بسحابة كانت قد أقتربتْ كثيراً من الجبل، عندما كنتُ أطاردُ وجهَها في الأحلامِ و الوسائد، كان الفراغُ يقتربُ كثيرا منّي، و انا احدّقُ في اللاشيء و اقتربُ كثيراً منه، و أهتفُ بإسمها الذي لا أعرفُه، سأبدأ بكِ كلّما تنتهي الكلمات، فأنتِ السفينةُ التي تُقلُنّي إليكِ، و أنتِ ثيابي التي مزقتّها العاصفة، كيفَ أدلُّ قلبي عليكِ و انتِ الخلايا التي أنامُ فيها؟ ها أنا أبتعدُ و اتركُ المسافةَ تتحدّثُ عنكِ، و أذرعُ الشوارعَ التي أضعتُكِ فيها، و ابحثُ عنكِ و انتِ بقلبي، غدا حين يُصْفُر الكناري و يسقطُ الندى، وتعودُ السفنُ التي غرِقتْ بعيونكِ، محملةً بالأساطير التي لا تطاق، أدخلُ غابةَ شعركِ و أُعلنُني ملكاً عليها، فما زلتُ كعادتي أحدّثُ عنكِ الغبش، و أتركُ الصباحَ يعبثُ بلحيتي التي كنتِ تستلقين عليها، كيف تورّمَ هذا الحبُّ و انفجرَ بوجهكِ السارحِ في الفلوات، كيف تكلّستِ في عظامي و كنتِ لوحةَ حائطي، أشتطُّ بكِ و تأخذني المسافاتُ الى عشبِ إبطك فأستلقي عليه، الى حبٍّ غيرِ حقيقي ينكمشُ كما تنكمشُ ( أقمشة البازه )، لن أرميكِ مثلَ دُميةٍ قديمةٍ، ولن أتخلّصَ منكِ مثلَ اغنيةٍ مَللتُ سماعَها،غيرَ أنّي لنْ ألتفتَ اليكِ و لن أدوسَك مثلَ أوراقِ العنب، فأنتِ والتعاسةُ سيّان، أطمّأني ما عادتْ الجدوى تصلُ إليّ، أيّتُها الورطةُ التي ألِفتُ مرارتَها، والخيبةُ التي تداهمني بانتظام، أيّتها الأجراسُ التي بُحّ صوتُها والساعةُ التي بلا وقتْ، أيّتهُا الآمالُ التي أجَّلتها، والفجوةُ التي أستحي من قياسِها كلمّا أتسعتْ، أيتُّها الطرقاتُ التي لا تقودُ الى شئ، و الأبراجُ العالية التي تهاوتْ على أقدامِ المآرة، أيّتها الأجرامُ السماويّة التي تحوّلتْ الى لعبة أطفال، و الشيءُ الذي يتدحرجُ و ألتقطُهُ، أيّتها الأكياسُ المعلّقةُ في الدكاكين، و اللوحةُ التي رَسمتُها و أندلقَ عليها كوبٌ من الخيبة، أيّتُها الوحشةُ التي أقطعُها برفقةِ اليأسِ، والموتُ الذي يزورُني بلا ملائكة، كلمّا أبرقتْ عيناك و تهادى صوتُكِ حننتُ اليكِ، غدا حين يُصفر الكناري و يسقطُ الندى، أشتاقُ اليكِ و أصوغُكِ كلماتٍ تتهشّمُ كزجاج النوافذِ و أعيدُ ترميمَها، آمالاَ تيّبست في الطرقاتْ، عظامَ ذكرياتٍ ألقتُها من النافذة ثمّ عُدتُّ و ألتقطتها، خُذي حاشيةَ ثوبكِ التي تُبرقُ أمامي كلّما تمرّين بذاكرتي، خُذي الأشياءَ التي أحببتكِ فيها و لم أعدْ أذكرُها، أيّها الماءُ الذي أندلقَ على ذاكرتي، و الشايُ الذي أحتسيه في الظلام، سأطلبُ من طائرِ الكناري انْ يجثو على ركبتيه و ينقرَ أسمَّك في الهواء، ثُمّ أبدأُ بكِ و أنهي الحكاية، أنا الهائمُ في ملكوتٍ من الهزائم، و الهرُّ الذي يطاردُ أسماكَه قربَ صدركِ، لم تكوني غيرَ أغنيّة تركتُ تفاصيلها في الحقول القريبة و لجأتُ اليكِ، كأنّي حمامُ الزاجل حينما يعود، أيّتها الورطة التي أخترتُها لنفسي، يا أشيائي التي صغتُها قلادةً و اهديتُها اليكِ، يا فراغي الذي يكتظّ بكِ، و عناقي الذي لا يطولْ، يا رباطةَ جأشي و انهياري، يا عصافيرَي التي اصطدتها و أطلقتها في الفضاء، كيف تركتُ العشبَ و ألتجأتُ اليكِ؟ يا حيَلي التي أجيدُها و براءتي المؤودة، كيف حوّلتِ عبثي الى مهمازٍ يلوّح اليكِ؟ كيف جعلتِ منّي أنثى تغارُ منكِ؟ كيف حوّلتِ قلبي الى مقبرةٍ لحبٍّ تزهدين به؟ سأدعُ الهوامشَ تُكملُ الحكايةَ و استرخي قليلاً، يا أشيائي التي أريدُها و ازهدُ فيها، يا قفّازي الذي أضعتُه في غابةِ شعركِ، غدا حين يُصفرُ الكناري و يسقطُ الندى سأذكرُ وجهَكِ و أرسمُه في الظلام؛

رسول عدنان/ العراق

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى