أبو يوسف طه - المثري البخيل...

ورث عبد الله المساعدي ، المهاجر من جمعة سحيم ، مالا وافرا عن والده البَقَّار ، أضيف إلى مايملك من عقار في مدينة مراكش بين منازل ودكاكين ، ولم يُبَدِّل تبديلا عن سمته البدوي . الصورة التي بقي عليها ، لهجته العبدية ، بخله ، إيثاره لمصلحته ، لامبالاته بما يؤخذ عليه من تطفل ، عدم العناية بلباسه . يظل ، دون ملل ، نصف النهار في فرنه بدرب النخلة ، أمامه صينية صغيرة ، بها إبريق وكوبان ، يعد له الشاب المكلف بإحماء الفرن الشاي . ألف الناس رؤيته يدخن الكيف ويشفط جرع شايه المعطر ، ويسعل حتى يهتز جسده كله وتدمع عيناه
بعد صلاة العشاء يعود إلى المنزل ، تتناول الأسرة وجبة جماعية ثم ينصرف إلى حجرته المقفلة دائما ، بحوزته مفتاحها ، لايقربها أحد ، يبقى المصباح مشتعلا . قال طفل لأمه بصوت جهوري مرة :
ـ أمي ، با فايق وساد عليه البيت ، شاعل الضو ، حداه صندوق كبير ، وكايحسب رزما ديال الفلوس
سألت الأم :
كيف درتي حتي شفتيه ألحرامي ؟
رد :
من الثقبة تساروت
ردت ناهرة :
ـ شششش . إلى سمعك ، يقطع ليك شواربك ، ماتگل هذا الكلام حتى لحد ، باك إلى عندو شي رزيق ، راه خايف يمخر له منو شي حد
يتوافد على الفرن في الغالب ، نساء وأطفال وبضع رجال ، بوصلاتهم فيها أقراص عجين ، أو مغادرين بها خبز مطهو تفوح رائحته
الزمن بالنسبة للمساعدي آليُُّ ، يسير على نفس المنوال ، في تكرار دائم . رغم ثرائه لم يبد على مظهره تغير ، تجمد في صورة لاحياة فيها . عدا تغير واضح ، التعدد ، فنساؤه ثلاث ، لهن من الأبناء سبعة ، وهم دون أبناء الحي في مظهرهم ، أشبه بأطفال البوادي
قُرْبُ مكتبتي من الفرن . يَسَّرَ للرجل ، دون تحفظ ، أن أحرر له وصولات الكراء ، أصبحت على بينة من معرفة جميع ممتلكاته ، اعتبرتُ الأمر سرا لايذاع . الغريب أنه كان يشتري الخضروات من الأكوام الرخيصة ، ولايعنى بنسائه ذوات الأصول البدوية ، طُلقت اثنتان تباعا ، لعدم احتمال الإهمال وسوء المعيشة . بقيت الثالثة ترعى أبناءها وربائبها في ظروف شاقة إلى أن أدركتها وفاة الفجاءة
أصبح الرجل أشبه بمتسول ، جسم نحيل ، ثياب رثة . فقد توازنه ، لم يعد يتذكر شيئا . أصيب بالزهايمر ، لم يجد عناية طيلة أربع سنوات . انتهى بتبدد حياته كالغبار ، وكأنه كان حاجبا لشروق شمس رفاه أبنائه . الذين تحولوا بما ورثوا عنه من مال وعقار إلى عالم ، لم يخطر في بال أحد منهم ، إمكانَ أن يكونوا من أهله . ألبسة أنيقة ، سيارات ودراجات ، مساكن على النمط الحديث في أحياء إسيل وسيدي عباد وأمرشيش . انتقال من القاع إلى القمة ، حياة بئيسة لأب تقشف بإفراط . راكم بعناء ثروة ، دون تمتع بها ، مضمرُ ظَنِّهِ أنه سيعيش إلى الأبد ، فآلت إلى أبناء لم يعيروه اهتماما بعد أن أنهكه المرض ، وغادر مثل من دخل من نفق الحياة عاريا ، وخرج من الجهة الأخرى عاريا إلا من كفن

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى