أبو يوسف طه - المجنون...

فجأة تغيرت صورة ملامحه في عيني ، أصبت بفزع ، وياليته لم يتكلم ، فاعتقاده بمعرفة كل شيء ، بذر في نفسه الغرور والقسوة
اعتادت جماعتنا ، ونحن مزيج من سكان دوار الدكالي ذي البنيان القروي ، وسكان حي سوكوما المديني المستحدث ، تجاور كاشف للفارق الإجتماعي بين فئتين ، الإجتماع بمحاذاة جدار ، قبل المغرب ، تمر جلساتنا مليئة بالأخبار والحكايات والحكم والخرافات . ألفنا رؤية أربعيني يجتاز الشارع في توقيت محدد ، يرتدي الملابس الممزقة ذاتها التي لاتخفي قذارة جسمه . تصلبت قدماه من فرط السير حافيا . حينما يهتاج يقذف المارة بالحجارة ويكسر زجاج نوافذ السيارات المركونة . كان السكان يخشون إيذاءه أطفالهم .
مال قدور الشياظمي نحوي وهمس ( الكلاب حينما يصيبها سعار تقتل ، والسرطان يجتث ورمه . وهذا الأحمق سرطان يصيب المجتمع ، الأجدى أن يسحب إلى خلاء قفار ويقتل ثم يردم في حفرة )
بدأت شفتا الرجل ترتعشان ، ويداه ترتعدان ثم أجهش . دارت أعين الجماعة تنظر إليه ، نظرة ذهول وترقب . أمسك بمعصمي بشدة . أدركت أن له رغبة في أن يختلي بي . سرنا نحو بستان صغير عشوائي في الجانب الأخر من الشارع . حاول أن يقول شيئا ، لم يطاوعه القول الذي حجزه الإنفعال ، سألته :
ـ مالذي أبكاك ؟
قال :
ـ أبي جُنَّ ، وفي نوبة حادة إثر مشاجرة مع أمي ، طعنها بسكين ، فار الدم من جهة قلبها ، سقطت مترنحة ، هدأت ثم ماتت . فرَّ والدي ، ولم يعثر له على أثر
بقيت أنا وأختي في كنف جدتي لأمي . لحد الآن يفد الحدث على ذاكرتي كمتلازمة ، في صورة واضحة . يصيبني فزع ودوار كأني في زمن الحدوث
طوق نظري كيان الصديق ، تأسيت لما يعانيه ، توهج في ذهني ضوء كلمات حبًَرها كائن خفي :
(أنا أيضا ، لم.تنج حياتي من الألم ، غير أن الألم العابر هين ، لكن ألم الوجود إن لم يطفأ ، يحرق الحياة . كانت لحظة بوح صديقي منارة ، سرت على هديها في قبر الذكريات السيئة في مقبرة النسيان ، واستدعاء من الماضي كل جميل ، وتلك حديقتي التي تزهر فيها الورود والأزهار )

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى