أبو يوسف طه - المَرْضِي...

مهداة إلى الصديق د عبد الحكيم امعيوة الذي جمع بين الطب النفسي وجمالية الإبداع


في شارع إدريس الحارثي قرب السوق المركزي للخضر والفواكه في مدينة الدار البيضاء ، تقف سيارة زرقاء لامعة ، يُفتح بابُها الموالي للطوار ، تنزل امرأة مسنة ، مرتدية ملابس متواضعة ، تجر رجليها بوهن نحو السوق . تغادر السيارةُ بعد أن تلفض المرأةَ التي لم تثر اهتماما لكونها تستبضع إسوة بغيرها من النساء ، لكن المداومة وتكرار المشهد ، وَلَّدا الرغبة والفضول لمعرفة ماخفي
الرجل الذي يأتي بالمرأة ، كهل ، أنيق ، يتوارى خلف قبعة ونظارة سوداء
من السابعة صباحا إلى الواحدة بعد منتصف النهار ، المدة التي تقضيها المرأة ، لتلتحق بالسيارة التي تنتظرها وفق موعد مضبوط محملة بما اقتنت من خضراوات وفواكه .
مفتاح هذا اللغز الذي أدهشني وأبكي مجاوري في القعدة . حادث طارىء ، شاحنةُُ تسوِّي وضعَ مغادرةِ السوق بالرجوع إلى الخلف فتدهم المرأة التي سقطت أرضا ، تبعثر محتوى القفة وكيس نقود صغير مزركش من الثوب ، انحنى شاب لإعادة كل شيء إلى القفة ، بينما المرأة التي لم تصب إلا إصابة خفيفة ، قعدت مرعوبة ، ممددة رجليها . التم الناس حولها ، تطوع من أزال عن وجهها النقاب وأمدها بقنينة ماء
وقف صاحب القبعة والنظارة السوداء هنيهة في مكان الحادث كأنه ينوي على شيء ثم انسل منصرفا
ماأبكى مجاوري أنه تعرف على المرأة بعد الكشف عن وجهها ، وتذكر ابنها ، فهما كما قال لي بصوت خفيض ، المرأة وابنها من جيراني في الحي الحسني الذي ارتحلت عنه منذ سنوات . الشعيبية من أطيب وألطف خلق الله . ياحسرة . ذيل الكلب إذا اعوج لايستقيم .حملت المرأة ثقل الحياة . لما توفي زوجها ، تاركا الإبن الوحيد ، لم تخلف بعده ، تكفلت برعايته حتى أتم دراسته وأصبح أستاذا ، كان مدللا بشكل مفرط ، رجت إن استقام عوده ووجد عملا أن يزيح عنها ماعاشته من شقاء وبؤس . لكن الثمرة المرة ، تسببت في مغص أليم ، وفتحت جرحا لايندمل ، الولد المأمول عطاؤه أغرقها في الذل
نهضت المرأة ، سارت تعرج حاملة قفتها مغادرة السوق ، انفتح باب السيارة ، ركبت بجوار ابنها . انطلقت السيارة بسرعة . هل حدث شيء ؟ كأن لم يحدث شيء

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى