أبو يوسف طه - العم الحسين...

بدا العم الحسين على غير ماكان عليه من جسم ممتلىء وبشرة بيضاء وعينين زرقاوين . نحل وانمحت وسامته وضاقت عيناه وانعقف أنفه ، هذه هي الصورة التي ظهر عليها بعد غياب ثلاثة عقود . قال إنه قضاها في فرنسا جنديا في الجيش الفرنسي أثناء الحرب العالمية الثانية ، يستدل على ذلك بأثر جرح على جانبه الأيمن
أصبح العم الحسين حكواتي دوار البرجة ، حين يدنو المساء ، تجلس جماعة من رجال الدوار في مساحة معشوشبة في نهر البحراني ، يدخنون الكيف ، مستمتعين بالطقس المعتدل ، يحوم حولهم الدجاج ملتقطا بذور الكيف ، وعلى مبعدة يقعي كلب أسود مرقط بالبياض ، ألف مكانا قرب جذع شجرة كاليبتوس
بين الفينة والأخرى يعلو ضحك شخص أوأكثر من الجماعة ، ما يحكيه العم الحسين في غاية الإثارة
يحكي عن الگوم والرماة المغاربة المنضوين تحت لواء الجيش الفرنسي ، عن المعارك التي خيضت في المرتفعات الجبلية ، وقسوة الثلوج ، و كيف حققوا انتصارات ضد الجيش النازي الألماني والفاشي الإيطالي ، غزوا في تونس وألمانيا وإيطاليا وحرروا فرنسا . وهو يحكي كانوا ينظرون إليه بإعجاب ودهشة ، وأحيانا بعدم تصديق وخاصة حينما يستفيض في ذكر ماقام به من بطولات ، وكيف جرح في بطنه وبقي متواريا في فجوة بين الصخور القريبة من ممر . لما اطمأن ، غادر المكان فصادف أمرأة تسوق عربة ممتلئة بالحشائش يجرها ثور ، تطوعت من تلقائها فامرته بأن يندس في الحشائش . من سوء الحظ أن دورية أوقفت العربة . كان سفود طويل يخترق حمولة الحشيش ، وجنديان يفحصان بأعينهما العربة ، استدارا مغادرين
الليل ينسدل بتؤدة ، السفود لم يصب العم الحسين . لقد نجا ، وكأن القدر فتح له مسارا ، تزوج بالفرنسية صاحبة العربة ، وهي امرأة في الأربعين . آوته في بيتها واختفى عن الميدان . عكف على أمور الفلاحة في مزرعة زوجته
تتفتح أحداق مستمعيه وتطوف في أذهانهم صور الكائن الأبيض ( الرومية ) الذي ظفر به صاحبهم . كيف يتدبر الرجل علاقته الحميمية بها ، وكيف طَعْمُهَا . العم الحسين يقسِّط ويمطط حكي رحلته ، ومن بين زملائه من تمنى لوكان هو الفاعل
وضح في النهاية أنه لم يكن تجاوز البلد . لما انتقي للتجنيد ، غادر متجها إلى وجهة مجهولة ، وهناك احترف مهنة حكواتي ، مهنة مرغوبة لولع الناس بالمحكي الشفوي ، درت عليه دخلا يوميا دبر به أمر حياته . لم تطأ قدماه كل ما ذكر من بلدان ، ولم يشارك في حرب .. مجرد خيال حكواتي ألعوبي يجوب الآفاق ، ويضفر شبكة من المرويات مما استقاه ، تمتع وتسر السامعين . لم تكن له زوجة فرنسية اسمها بريجيت كما ادعى ، بل اسم زوجته زينت ، وهي من ضواحي مدينة وادزم التي يقطن فيها ، شغفت به ، إنفصل عنها وعاد إلى مسقط رأسه ، دوار البرجة صندوق الأعاحيب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى