استلقى على ظهره، تاركاً وجهه لموجات الهواء الحار التي تدفعها المروحة السقفية ببطء فوق رأسه. كان العرق يلمع على ملامحه التي حفرت سبعون عاماً أخاديدها . تدور المروحة بصوتها الرتيب في الغرفة العلوية المتهالكة، كأنها تقلب الزمن لا الهواء.
مع كل دورة كانت تزيح شيئاً من الغبار الراقد في زوايا ذاكرته. أسماء ووجوه وأصوات قديمة تطفو ثم تتوارى.
رأى صبية يركضون في ساحة مدرسة ترابية. لمح وجهاً كان يجلس إلى جواره على المقعد الخشبي ويقاسمه رغيف الخبز في الاستراحة قبل أن يتشاجرا لسبب لم يعد يذكره. مرّت وجوه معلمين ومعلمات، بعضهم رحل منذ زمن، وبعضهم لا يدري أين انتهت به الحياة. وما إن حاول الإمساك بتلك الصور حتى انفرطت كفيلم قديم تقطعت مشاهده.
دارت المروحة دورة أخرى.
ظهرت امرأة عند نافذة خشبية. لم تتضح ملامحها تماماً، لكنه رآها تسرح شعرها الطويل بينما ينساب صوتها بالغناء في أرجاء البيت. كان الصوت أوضح من الوجه، دافئاً ومطمئناً، كأنه يأتي من زمن أكثر صفاءً. حاول أن يتذكر كلمات الأغنية، لكن السنوات كانت قد مرّت فوقها مثل ريح محملة بالغبار، فلم يبقَ منها سوى نغمة بعيدة سرعان ما ابتلعها صرير المروحة.
ثم قادته الذكرى إلى سوق قديم. كان يمشي إلى جوار أبيه ممسكاً بيده خشية أن يضيع وسط الزحام. رأى أكياس التمر، وسمع نداءات الباعة، وشم رائحة الشواء والتوابل. وحين حاول أن يستعيد وجه أبيه، خانه البصر والذاكرة معاً، لكن ملمس اليد الخشنة بقي حاضراً كما لو أنه لم يفارقه قط.
انسابت قطرة عرق إلى عينه فأغمضها. ومن خلف الجفن نهضت ليلة صيفية انقطعت فيها الكهرباء، فخرج أهل الحي إلى أبواب البيوت. كان الأطفال يطاردون بعضهم تحت ضوء القمر، والرجال يتبادلون الحكايات. تذكر ضحكاتهم أكثر مما تذكر القصص نفسها، وتساءل فجأة: كم واحداً منهم ما زال حياً؟ وكم واحداً غاب دون وداع ؟
فتح عينيه ببطء.
كانت المروحة تواصل دورانها فوقه، تنبش في الذاكرة كما ينبش منقّب في أطلال مدينة مدفونة. أدرك أن الزمن لا يسرق الناس والأماكن وحدها؛ بل يعيد ترتيب ما تبقى منها داخل رأسه. وجوه بلا أسماء، وأسماء بلا وجوه فقدت أصحابها، وأصوات تأتي من مسافات بعيدة ثم تخبو.
ظل يحدق في السقف.
في الأعلى كانت المروحة تدور بلا كلل، وفي الاسفل ذاكرة تتداعى. وفجأة، وبينما كان الصرير يتردد في أرجاء الغرفة، لمعت في ذهنه كلمة واحدة من الأغنية القديمة؛ كلمة يتيمة نجت من النسيان. حاول أن يتبع خيطها ليستعيد ما بعدها، لكنها تلاشت سريعاً .
ابتسم ابتسامة خافتة.
ثم ترك نفسه للمروحة أن تواصل نبش ما تبقى من الحكايات.
علي عبيد عيسى
مع كل دورة كانت تزيح شيئاً من الغبار الراقد في زوايا ذاكرته. أسماء ووجوه وأصوات قديمة تطفو ثم تتوارى.
رأى صبية يركضون في ساحة مدرسة ترابية. لمح وجهاً كان يجلس إلى جواره على المقعد الخشبي ويقاسمه رغيف الخبز في الاستراحة قبل أن يتشاجرا لسبب لم يعد يذكره. مرّت وجوه معلمين ومعلمات، بعضهم رحل منذ زمن، وبعضهم لا يدري أين انتهت به الحياة. وما إن حاول الإمساك بتلك الصور حتى انفرطت كفيلم قديم تقطعت مشاهده.
دارت المروحة دورة أخرى.
ظهرت امرأة عند نافذة خشبية. لم تتضح ملامحها تماماً، لكنه رآها تسرح شعرها الطويل بينما ينساب صوتها بالغناء في أرجاء البيت. كان الصوت أوضح من الوجه، دافئاً ومطمئناً، كأنه يأتي من زمن أكثر صفاءً. حاول أن يتذكر كلمات الأغنية، لكن السنوات كانت قد مرّت فوقها مثل ريح محملة بالغبار، فلم يبقَ منها سوى نغمة بعيدة سرعان ما ابتلعها صرير المروحة.
ثم قادته الذكرى إلى سوق قديم. كان يمشي إلى جوار أبيه ممسكاً بيده خشية أن يضيع وسط الزحام. رأى أكياس التمر، وسمع نداءات الباعة، وشم رائحة الشواء والتوابل. وحين حاول أن يستعيد وجه أبيه، خانه البصر والذاكرة معاً، لكن ملمس اليد الخشنة بقي حاضراً كما لو أنه لم يفارقه قط.
انسابت قطرة عرق إلى عينه فأغمضها. ومن خلف الجفن نهضت ليلة صيفية انقطعت فيها الكهرباء، فخرج أهل الحي إلى أبواب البيوت. كان الأطفال يطاردون بعضهم تحت ضوء القمر، والرجال يتبادلون الحكايات. تذكر ضحكاتهم أكثر مما تذكر القصص نفسها، وتساءل فجأة: كم واحداً منهم ما زال حياً؟ وكم واحداً غاب دون وداع ؟
فتح عينيه ببطء.
كانت المروحة تواصل دورانها فوقه، تنبش في الذاكرة كما ينبش منقّب في أطلال مدينة مدفونة. أدرك أن الزمن لا يسرق الناس والأماكن وحدها؛ بل يعيد ترتيب ما تبقى منها داخل رأسه. وجوه بلا أسماء، وأسماء بلا وجوه فقدت أصحابها، وأصوات تأتي من مسافات بعيدة ثم تخبو.
ظل يحدق في السقف.
في الأعلى كانت المروحة تدور بلا كلل، وفي الاسفل ذاكرة تتداعى. وفجأة، وبينما كان الصرير يتردد في أرجاء الغرفة، لمعت في ذهنه كلمة واحدة من الأغنية القديمة؛ كلمة يتيمة نجت من النسيان. حاول أن يتبع خيطها ليستعيد ما بعدها، لكنها تلاشت سريعاً .
ابتسم ابتسامة خافتة.
ثم ترك نفسه للمروحة أن تواصل نبش ما تبقى من الحكايات.
علي عبيد عيسى