محمد مزيد - سمير اميس في الهور...

شاهدتُ على مسافة قريبة، من الصريفة التي أسكنها في هور الجبايش، امرأة تجلس على حافة الهور، تعطيني ظهرها، يلامس شعرها الذهبي مؤخرتها الكبيرة، ترتدي ثوباً أخضر مكشوف الذراعين، مزخرف بحبات فضية، تتلامع مع شعاع شمس الصباح .
أرتبكتُ، ذعرتُ، لا أعرف ماذا أفعل، هذه المرأة غريبة، ربما جاءت مع وفد سياحي أجنبي فأضلّت الطريق. فتحت باب الصريفة، أتجهت إليها، أسير بخطواتٍ بطيئةٍ، خوفا من المفاجآت، أو من هروبها مني، او من ملاحقة رجال الامن، لما وصلت اليها، تنحنحت، بغية أشعارها بوجودي، الا أن المرأة لم تلتفت الي، احسست بالضعة، كيف يمكن لامرأة أن تستمع لصوت رجل في مكان مجهول، ليس هناك سواهما، من دون أن تلتفت اليه؟ تنظر الى الهور بترفع وشموخ وكبرياء، ينتصب ظهرها ورقبتها ، كما لو كانت تمثالا من المرمر، نظرت اليها، بعد أن وقفت بجانبها. قالت لي من غير ان تنظر اليّ :
- انت من هذه البلاد؟
جلستُ بجانبها، شممت عطرها، صعقت ، لم أشم عطرا في حياتي مثله من قبل، عطر فواح، نقل روحي الى السماوات السبع، فقلت مرتبكا:
- نعم، أنا من هذه البلاد، نقلوني من العاصمة، لانني لم احفل بعيد ميلاد الرئيس ولم اصفق له ، من أين أنتِ؟ يبدو أنك غريبة، هل فقدتِ مجموعتك السائحة؟
نظرت اليّ بالطريقة نفسها التي كانت تنظر بها الى الهور، بشموخ وكبرياء واستعلاء.
- انا من هذه البلاد، عشت هنا سنوات طوال، حكمتها في زمن ما، لكنني لا أعرف الان أنا في أي زمن؟
ازداد ارتباكي وخوفي، عيناها تشبه المياه الخضراء، ولون ثوبها المخرم أخضر، حتى أساورها من العقيق الأخضر، تضع الذهب والفضة على جيدها ومعصميها بلون أخضر. قالت:
- انا سمير اميس ملكة الاشوريين، جئت اليكم بعد أن ضاقت بي السبل، أنتم شعبي الطيب الذي لا يستحق ما فعل به الطغاة.
نهضت، اعطيتها يدي، كي أساعدها في النهوض، بدأت أخاف عليها من الصيادين ورجال الامن. إن اكتشفوا وجودها هنا، لن يتركوها. مدت يدها البيضاء مثل الثلج، وضعت باطن كفها الرقيقة بكفي المتخشبة، ثم نهضت .
سرنا الى صريفتي، أنظر اليها بطرف عيني، الى ثوبها المخرم ذي الفتحات العديدة من فخذيها، أستمع الى رنين الاساور في قدميها، تنتعل خفا من اللباد الأخضر، اثارتني طريقة مشيتها المعبرة عن الخيلاء والشموخ والكبرياء، مشية ملكات حقا .
دخلنا الى الصريفة، كانت قد تسللت أشعة الشمس، عبر فتحات الحصران فأضاءت المكان. لا أملك سوى سريري، فآخذتها إليه، وأنا مازلت ممسكا بيدها الدافئة الرقيقة، بإشارة من يدي اليسرى، رجوتها بالجلوس على السرير.
اتجهت اليه لكنها لم تجلس، بل أستلقت على ظهرها، وهي تنظر الى سقف الصريفة، لاحظت جمال الجسد الأبيض المنحوت ببراعة ، وقد برزت فخذاها. كانهما عمودان من المرمر لتسحرني بهما تضاعفت ضربات قلبي بسرعة مجنونة، وأنا أنظر اليها، بعد سنوات من الجفاف والتصحر في جسدي بعدم معاشرة أي امرأة، بدأت مساماتي تحتقن بالدماء ، قلت لها ببلادة فاقدا صوابي :
- يعني انت ملكة؟
ضحكت بطريقة هادئة، ظهرت أسنانها البيض مثل اللؤلؤ، نبرات ضحكتها تشبه الموسيقى .
- لقد اخبرتك، انا الملكة سمير اميس، هل سمعت باسمي من قبل، جئتكم من متاهة التاريخ، انتمى الى هذه الأرض.
اصبت بالدهشة وهي تتحدث باسترخاء وهدوء، صدمتُ حقا بما يجري لي، هرعتُ الى طعامي ، قدمت لها كأسا من حليب الجاموس. عدلت نفسها، تناولته بأصابعها الرقيقة، نظرت الى شفتيها الورديتين، وهي ترتشف منه قليلا، ثم وضعت الكأس على منضدة دائرية بجانب السرير استعملها للكتابة، عادت الى الاستلقاء، وقالت:
- جميل هذا المكان وقد سحرني من قبل، كنا في مملكتنا الاشورية نتراسل عبر جنودنا مع ملوك هذه الاهوار الشاسعة، حتى انني غزوت بلاد فارس من هنا ، من هذا المكان واخضعتهم الى ارادتي سنوات طوال.
اختلطت عليّ الأمور، لا أعرف ماذا اسأل، لا اعرف ماذا أقول، فهل هي حقيقة أم خيال؟ تأكدت من نفسي انني لست مخبولا ولا احلم :
- ولكن ما قصة مجيئك الى هنا؟
ضحكت تلك الضحكة الموسيقية الساحرة التي تهتز لها جدران صريفتي :
- انا ابنة غير شرعية لكبير آلهة الأسماك، ألتقطني مزارع فقير بسيط، رباني، علمني فنون الحياة، ولما كبرت شاهدني ايلام وزير الملك، عندما وقعت عيناي عليه ، أعجبت بضحكته ووسامته وشبابه، اشتعلت في قلبي شرارة حبه منذ اللحظة الاولى، ولم تنطفئ الى هذا اليوم. طلبني للزواج من والدي، اغرم بي ايلام بشغف، كاد يجن حبا بي، وهو الوزير الذي يعتمد عليه الملك بإدارة المملكة، بعد الزواج رفض أن يخرجني في المناسبات والافراح والاعياد، خوفا علي من العيون، وفي يوم، خرجت الى الشرفة، كان الملك مقبلا لحاجة ما عند زوجي، فشاهدني، أخبرني بعد شهور عن ذلك، قال إنه لم ينم ليلته في ذلك اليوم الذي رآني فيه، ليلتها ارسل على حبيبي وزوجي، طلب منه ان يتخلى عني، مقابل الإبقاء على حياته، صرت زوجة الملك، وفي قلبي شعلة الحب لا تنطفي الى حبيبي الذي قتله بعد أيام من زواجي منه.
بعد سنوات، في لحظة صافية بيني وبين الملك، قال لي أطلبي أي شيء، سأجعله بين يديك الان، فقلت له، أريد أن أكون أنا الملكة بدلا عنك، لمدة خمسة أيام، هكذا أصدر الملك أمراً لأكون أنا الملكة بدلا عنه. اول قرار أصدرته بعد تتويجي، طلبت من الحرس أعدام الملك فورا، صرت ملكة بشكل حقيقي ودائمي، قتلته ليس حبا بالقتل، بل أنتقاما من زوجي حبيبي الذي تأججت جذوة حبه في قلبي شعلة لن تنطفئ، الى الابد.
ترقرقت عينا الملكة بالدموع، ثم نهضت، سارت الى باب الصريفة، خرجت منها، وسط دهشتي وذهولي، لاحظتها قد دخلت الى مياه الهور، تسبح فيه مثل سمكة ثم غاصت الى أعماقه .
(( نشرت قبل ثلاث سنوات ))

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى