في وحدته التي اختارها طواعيةً، تذكَّر صورة كاتب قديم، كان كلَّما يدخل لحظة تأمل في الوجود، كما سمّاها بنفسه، يترنّم بالأغنية التي اعتبرها أسلافه،الأغنيةَ الوحيدة الموجودة في الكون، حيث لا تقتصر على البشر وحدهم، فلا يعود يشعر بالوحدة البتة .
استعذب تلك الحالة، وهو يحاول أن يعيشها من الداخل .
حين كتب كلمة السماء، قفزت السماء هذه خارج صفحته، وتراءت له بكل كائناتها: مجرات ٍ نجوماً وكواكب وسواها، وهي تترنم بتلك الأغنية وتدفقت بها خارجها، ثم توقفتْ.
حين كتب كلمة الماء، قفز الماء هذا خارج صفحته، وبدا له بكل ما يشمله من محيطات، بحار، بحيرات، أنهار، ينابيع وجداول ، وهي تأخذ مجاريها وتتوهج مترنمة بتلك الأغنية، ثم توقفت.
حين كتب الهواء، قفز الهواء هذا خارج صفحته، وهو يسمعه تالياً كل ما يسمّي الهواء من رياح وعواصف وأعاصير وزوابع وأنسام، وهي تتلاقى في أغنية تشير إليها طرباً، ثم توقفت.
حين كتب النار، قفزت النار بدورها خارج صفحته، فظهرت له النار بكل قواها وأنواعها من نور بأنواعه معها، وهي تنير كما تضيء ما حوله منتعشة بامتزاجها بسواها، ثم توقفت.
حين كتب الأرض، لم يصدق كيف أنها من جهتها قفزت خارج صفحته، وهي بكل براريها، صحاريها، غاباتاها، جبالالها، سهولها، ووديانها، بلياليها ونهاراتها، تخفق جذلى مع غيرها مما ذكرت. ثم توقفت كسابقاتها.
حين كتب الأغنية الكونية مترنماً بها، قفزت سريعاً خارج صفحته، لتظهر له بكل هاتيك العناصر شادة إليه حواسَه الخمس بقواه الحية الكامنة، وهو يتفاعل منتشياً مع مباهج تلك الأغنية.
استشعر الكاتب لحظةَ صفاء نفسية، وقفز بوعي غير مسبوق خارج نفسه، ليغيب في الأغنية التي استمرت هذه المرة دون توقف.