كرم الصباغ - لوحةٌ قديمةٌ... قصة

في الثّالثة صباحًا بعد إنهاء وردّيتها اللَّيليَّة، تصل إلى محطّة الرّمل، حيث يقع منزلها في شارعٍ جانبيّ، وجدته خاليًا تمامًا من المارّة، ووجدت محلاته مغلّقة الأبواب بعد أن فضَّل أصحابها منذ أن انتصف اللّيل اللُّجوء إلى المنازل، حتَّى يتقوا برد يناير القارس والأمطار التي ما تكاد تنقطع حتَّى تعاود الهطول بغزارةٍ أشدّ.
الأضواء المتسلِّلة من نوافذ البنايات وأعمدة الإنارة شحيحةٌ، تنعكس بوهنٍ؛ فتلتمع بخفوتٍ أسطح برك المياه الصَّغيرة التي خلَّفتها الأمطار، وقطع البازلت المبتلّة التي رُصِفَ بها الشّارع منذ عقودٍ.. ورغم قوّة شخصيّة المرأة الأربعينيّة؛ فإنَّ الخوف سرى في قلبها، وجلدها اقشعرّ، لكنّها تشجَّعت، وواصلت السَّير، وبعد أن قطعت عشرات الأمتار، وقفت متردّدة؛ فقد كان لزامًا عليها أن تجتاز بمفردها المساحة المعتمة، التي تقع في محيطها بنايتان قديمتان، يواجهان بعضهما البعض، أمام كلّ منهما عمود إنارة، دائمًا ما يحترق مصباحه كسابقه بمجرد انصراف عمال الصّيانة. البناية الأولى فيلا مهجورةٌ نُسِجَت حولها حكاياتٌ تخلع القلوب، والأخرى فيلا بلا حراسةٍ، يملكها طبيبٌ هاجر منذ سنواتٍ إلى كندا، ولا يعود إلّا في إجازاتٍ قصيرةٍ من العام إلى العام.
تنظر حولها، تتمنّى أن تنشقَّ الأرض عن أحد المارّة، لعلَّ سيره بالقرب منها يمنحها شعورًا بالأمان.. تزفر بقوَّةٍ، تستجمع أشلاء شجاعتها المبعثرة، تسرع الخُطى، تحاذي البنايتين؛ تشعر بقوّةٍ خفيّةٍ تجذبها نحو بوابة الفيلا المهجورة، تلامس حديدها الصدئ؛ يقفز قلبها من صدرها؛ تحاول الابتعاد، تلتصق قدماها بالأرض، كأنّهما مثبتتان بالغراء، تنفتح البوابة؛ فجأةً، تظهر امرأةٌ طاعنة في السّنّ، لها عينان يشعُّ منهما ضوءٌ أحمر مخيفٌ، ينير العتمة، ويسمح لرئيسة طاقم التّمريض الميّتة في جلدها أن تبصر ملامح العجوز، ذات الشّعر المُهوّش، الذي تطلُّ من خصلاته رءوس حيّاتٍ وثَّعابين.
(٢)
العمّ منصف رجلٌ في الثَّمانين من عمره، كان موظفًا سابقًا بالسّجل المدنيّ، يقطن الشَّقَّة المقابلة لشقَّة الأرملة الأربعينيَّة، التي يعتبرها هو وزوجته ابنة لهما؛ إذ لم يرزقا بالذُّرية.. يطرق هو وزوجته باب جارتهما بمجرد عودتها من المستشفى الذي حجزت فيه تحت العناية والملاحظة لمدَّة أسبوعٍ كاملٍ بعد أن عثر عليها أهالي الشَّارع في الصَّباح الباكر ممدَّدةً على البازلت المبتل أمام بوابة الفيلا المهجورة فاقدةً النُّطق والحركة.. بدا متردِّدّا حائرًا بعد أن سمع حكاية المرأة العجوز التي اعترضت طريق جارته؛ إذ كان كلّ ما يُقال عن الفيلا بالنسبة له مجرد ترّهات، أمّا الآن بعد ما شاهدته جارته الأربعينية المنضبطة كبندول السّاعة، التي تزن الأمور بميزانٍ حسّاسٍ، فقد صار الأمر يحتاج إلى مراجعةٍ وتفكيرٍ.. وبعد صمتٍ وشرودٍ طالبها بضرورة تغيير ورديتها؛ حتَّى تتجنَّب المرور بجوار تلك الفيلا المهجورة في مثل هذا التَّوقيت، لكنَّها أخبرته بأن حاجة العمل ستحول دون ذلك؛ فانفعل على غير عادته، وحذَّرها من خطرٍ ربّما لن تسلم منه في المرّات القادمة، ثم أحجم عن الكلام؛ خشية أن تسوء حالتها.
(٣)
من مائةٍ وخمسين عامًا بنى الفيلا ثريٌّ يونانيّ، تنحدر أصوله من أثينا، تزوّج فاتنةً من جاليته.. وفي ذات ليلةٍ سافر الثّريّ إلى القاهرة لمتابعة شئون تجارته، وعندما عاد وجد زوجته قد فارقت الحياة مختنقةً بيدي مجهولٍ؛ فانهار، واكتأب، وساءت صحته، ولم يطق البقاء في الإسكندرية؛ فقرّر العودة إلى موطنه الأصليّ، تاركًا الفيلا وأثاثها لأحد أقاربه، الذي سرعان ما هجر الفيلا لأسبابٍ غامضةٍ؛ فظلت البناية من ساعتها مغلقةً.. وفي أثينا تعافى الثّري اليوناني، وتزوّج مرّةً أخرى، وصار له ولدًا وأحفادًا، زار أحدهم الإسكندرية بعدما صار شابًّا فتيًّا في منتصف تسعينيات القرن العشرين، واستخرج من الفيلا لوحةً أثريّةٍ من الفسيفساء، فشل في تهريبها إلى اليونان.
(٤)
نهى الطّالبة في الفرقة الرابعة بكلية الآداب قسم التاريخ اصطحبت أمَّها في فسحةٍ قصيرةٍ إلى المتحف اليونانيّ الرومانيّ؛ لعلَّها تُرَوِّح عنها قليلًا خاصةً أنَّ أمَّها لم تغادر المنزل منذ عشرة أيَّام، وقد أوشكت إجازتها المرضيّة على الانتهاء.. راحت الفتاة وأمُّها تتجولان ببن أروقة المتحف، وتشاهدان التَّماثيل الرّخاميّة البيضاء وقطع الآثار المتنوّعة، ثم دخلتا إلى غرفة الحياة اليوميّة، وهناك قبضت نهى على يد أمّها، وقادتها كخبيرةٍ تحفظ عن ظهر قلبٍ كلَّ شبرٍ بالمتحف وما يحويه من قطعٍ. وعند لوحةٍ أثريّة من الفسيفساء توقَّفت، وأخبرت أمَّها بأنَّها لوحة ميدوزا الأسطورة الإغريقية القديمة، وما إن اقتربت رئيسة طاقم التّمريض من اللَّوحة حتّى اتَّسعت عيناها، وانتفض قلبها بعنفٍ، وعضَّت أناملها، بينما ثبَّتت بصرها على وجه ميدوزا، وراحت تعتصر ذاكرتها، وبعد لحظاتٍ من الصَّمت أشارت بيدها المرتجفة إلى اللَّوحة وقد اكتست ملامحها بالرُّعب؛ إذ كان وجه ميدوزا الظّاهر في اللّوحة وشعرها الّذي تطلّ منه رءوس الحيّات والثّعابين، يشبهان تمامًا ما كان لعجوز الفيلا المهجورة، التي ظهرت أمامها في تلك اللّيلة المشئومة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى