شريف محيي الدين إبراهيم - الشيطانة

هادئة، جميلة، قليلة الكلام. تجلس في خجل، وتخفض عينيها كلما ارتفع صوت أحد.

سأل عنها، فأخبرته إحدى صديقاتها بحكايتها.

قالت له:

— أريد رجلًا أشعر معه بالأمان.

قال ممدوح:

— لن أسمح لأحد أن يؤذيك بعد اليوم.

رفعت عينيها إليه بثقة، ولم تقل شيئًا.

تزوجها.

في البداية أحب هدوءها.

لم تكن كثيرة الطلب، ولا تحب الخروج، ولا تتحدث عن نفسها كثيرًا.

وكانت تقول له:

— أنت كل ما أملك.

وكان يحب أن يسمعها.

عاد ذات ليلة متعبًا.

قالت:

— تأخرت.

— كان العمل كثيرًا.

— ومع من كنت؟

ابتسم.

— زملاء الشركة يا سعاد.

قالت:

— أسأل فقط.

وفي اليوم التالي اعتذرت سعاد وهي تبكي.

— سامحني. أخاف أن تتركني.

احتضنها.

قال لنفسه إن المرأة التي عاشت ما عاشته لا بد أن تخاف من الهجر.

***

إذا اشترى شيئًا لنفسه قالت إنه أناني، وإذا لم يشترِ قالت إنه بخيل.

إذا خرج مع أصدقائه قالت إنه يهملها.

إذا جلس في البيت قالت إنه لم يعد يرغب فيها.

إذا تكلم اتهمته بالجدال.

وإذا صمت سألته عما يخفيه.

وكانت تعود دائمًا إلى الحكاية القديمة.

أبوها، أمها، زوج أمها.

وكان يقول لنفسه:

«هي ليست سيئة، هي مجروحة.»

حتى قالت له ذات مساء:

— أنت تشبه أبي.

— ماذا فعلت لك؟

نظرت إليه طويلًا، ولم تجب.

في إحدى الزيارات إلى أم سعاد، قال لها:

— سعاد تتحدث كثيرًا عن زوج أمها. تقول إنه كان يعاملها بقسوة.

تغير وجه المرأة وهزت رأسها بعنف.

— كان يعاملها أفضل من أولاده. يخاف عليها، ويشتري لها ما تريد، وإذا مرضت ظل إلى جوارها. لم يكن يضربها ولا يهينها.

قال:

— لكنها تقول...

قاطعته:

— سعاد كانت تكره أن يرفض لها طلبًا. هذا كل ما في الأمر.

لم يستطع ممدوح أن ينسى كلام أمها.

هو قابل زوج أمها مرات كثيرة؛ رجلًا بسيطًا هادئًا، لم ير منه سوءًا.

وفي حيرة سأل نفسه:

من منهما يكذب؟
***

بمرور الوقت، لم تعد المشكلة بين ممدوح وسعاد وحدهما.

كل شيء حوله بدأ يتشقق.

تشاجرت مع صديق عمره اتهمته بأنه يهرب من البيت ليجلس معه، اعتذر لصديقه، ثم انقطع عنه.

وحين زار أهله أكثر من مرة، عادت سعاد إلى السؤال نفسه:

— لماذا تذهب إليهم كثيرًا؟ ماذا تقول لهم عني؟

بدأ يقلل زياراته لأهله.

ثم صار يتجنب أصدقاءه.

حتى أهلها كان يجد نفسه ممزقًا بين ما تقوله هي وما يسمعه منهم، وكلما حاول أن يفهم شيئًا خرج من حديثه معهم أكثر حيرة.

أما الجيران، فقد كانوا يخشونها. كانوا يسمعونها تبكي حينًا، وتصرخ حينًا آخر، وترفع صوتها عليهم وتخاطبهم بحدة. كانت أحيانًا رقيقة ناعمة إلى حد يثير الحيرة، وأحيانًا أخرى فظة، غليظة، سليطة اللسان.

لم يعد ممدوح يعرف ماذا يقول.

إذا حكى، بدا كأنه يفضح زوجته.

وإذا سكت، اختنق.

حتى في عمله، لم يعد كما كان. كان يجلس أمام الأوراق، فيعيد قراءة السطر نفسه مرات، ثم يكتشف أنه لم يفهم شيئًا. ينسى المواعيد، ويخطئ في أشياء لم يكن يخطئ فيها، وينفعل لأسباب تافهة.

سأله أحد زملائه:

— هل أنت بخير؟

ابتسم.

لكنه لم يكن بخير.

كان يعود إلى البيت، فيتمنى لو أنه لم يصل.

يقف أمام الباب دقائق، يضع يده على المقبض، ثم يتراجع.

كان يخاف أن يدخل.

ويخاف أكثر أن يظل خارجًا.

لم يكن يعرف ماذا يريد منها.

أحيانًا كان يتمنى لو تختفي من حياته. ثم يسمعها تبكي في الغرفة، فيشعر بالشفقة عليها، ويكره نفسه لأنه تمنى ذلك.

وأحيانًا يراها هادئة، ضعيفة، خائفة، فيقترب منها ويحتضنها، ثم لا يلبث أن يتذكر ما فعلته به، فيبتعد عنها كأن بين ذراعيه شيئًا يحرقه.

كان يعيش معلقًا بين الخوف والشفقة، بين رغبته في إنقاذها ورغبته في النجاة منها.

وبينما كان يحاول أن يفهم سعاد، بدأ يشك في نفسه.

ربما كان قاسيًا.

ربما كان مقصرًا.

ربما كانت كل هذه الأشياء التي تحدث بسبب أخطائه هو.

لكن شيئًا داخله كان يصرخ بأن الأمر تجاوز ذلك.

كان يشعر أن جدران الشقة تضيق حوله.

حتى صار البيت، الذي وعدها يومًا أن يكون مكان أمانها، هو المكان الوحيد الذي لا يشعر هو فيه بالأمان.

***

سعاد كانت تعرف أشياء لا ينبغي أن تعرفها.

في مرة كان جالسًا مع أحد أصدقائه يتحدث عنهما بصوت منخفض، ثم عاد إلى البيت، فقالت له سعاد:

— لا تثق في صديقك هذا.

نظر إليها.

— أي صديق؟

ذكرت اسمه.

تجمد في مكانه.

— ومن أخبرك بما قال؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— أنت تسأل كثيرًا.

فحص هاتفه أكثر من مرة. غيّر كلمة المرور، وأغلق التطبيقات، وأطفأ خاصية تحديد الموقع. حتى إنه استعان بأحد زملائه ليفحص هاتفه، فلم يجد شيئًا.

ومع ذلك، استمرت سعاد في معرفة أشياء لم يخبرها بها.

ثم اتسع الأمر.

لم تعد تعرف أخباره هو فقط.

كانت تقول له شيئًا عن جار لم تره منذ أيام، ثم يكتشف أن الأمر صحيح.

وتذكر مشكلة حدثت لزوجة أحد أصدقائه، مع أنها لم تكن تعرفها إلا معرفة عابرة.

ومرة قالت له عن رجل قابله في العمل لأول مرة:

— لا تثق به، إنه يخفي شيئًا.

ضحك ممدوح في وجهها.

لكن الرجل نفسه تورط بعد أيام في مشكلة كبيرة.

بدأ ينظر إليها وهي تتحدث، ويحاول أن يكتشف من أين تأتي معلوماتها.

كان يشعر أحيانًا أنها تسمع حتى ما يدور في عقله دون أن ينبس به.

وذات ليلة سألها:

— هل تقرئين أفكار الناس؟

نظرت إليه طويلًا.

خفضت عينيها.

— بعض الناس يتركون أبوابهم مفتوحة.

لم يفهم.

لكنه منذ تلك الليلة بدأ يخاف من صمتها أكثر من كلامها.

وصار يتساءل:

هل كانت تراقبه؟

هل هناك من يخبرها بكل شيء؟

أم أن ما تملكه سعاد شيء آخر...

***

بعد أسبوع عاد من مأمورية قصيرة.

وجدها جالسة في الصالة.

قال:

— اشتقت إليك.

نظرت إليه بلا مبالاة.

دخل غرفته، فوجد دفترًا أسود على سرير غرفة النوم، يبدو أنها نسيته.

فتحه.

«اشترى قميصًا جديدًا. جعلته يشعر بالذنب حتى أعاده.»

قلب الصفحة.

«بدأ يشك في نفسه.»

توقف.

وفي الصفحة التالية:

«أحب أن أشعره دائمًا بأنه مخطئ.»

ارتجفت يده.

ثم قرأ:

«إنه يصدق كل شيء.»

وفي الصفحة الأخيرة:

«لم يبق إلا القليل.»

سمع صوتًا خلفه.

— ماذا تفعل؟

استدار.

كانت سعاد.

قال:

— هذا دفترك؟

نظرت إليه.

— نعم.

رفع الصفحة أمامها.

— ما هذا؟

— لا أتذكر أنني كتبت ذلك.

حدق فيها.

— لا تتذكرين؟

— ربما كتبته.

— ربما؟

— لا أعرف... أحيانًا أجد أشياء في البيت لا أتذكر أنني فعلتها.

— مثل ماذا؟

— أحيانًا أشعر أنني أراقب نفسي.

— كيف؟

— أكون في مكان، ثم أشعر أن جزءًا مني يقف بعيدًا وينظر إليّ.

نظر إليها في ذهول.

لم يكن يعرف هل كان يسمع اعترافًا أم تحذيرًا.

في الأيام التالية بدأت أشياء صغيرة تحدث.

مفتاح في غير مكانه.

باب مغلق يُفتح.

آثار أصابع على المرآة.

وفي إحدى الليالي وجد الدفتر الأسود فوق مكتبه.

كانت هناك جملة جديدة:

«ممدوح بدأ يعرف.»

رفع رأسه.

كانت سعاد واقفة عند الباب.

قال:

— أنت التي كتبتها؟

— لا.

— فمن كتب؟

— لا أعرف.

***

اشتكى ممدوح إلى صديقتها، فقالت:

— هل أنت متأكد مما رأيته؟

— رأيت الدفتر.

— حين يعيش الإنسان تحت ضغط طويل، تصبح ذاكرته أقل ثباتًا مما يظن.

خرج ممدوح من عندها وهو أكثر اضطرابًا.

لم يعرف هل كانت تحاول مساعدته أم كانت تلمح إلى أنه بدأ يفقد عقله.

***

قال ممدوح لسعاد:

— أحتاج إلى أن أبتعد قليلًا.

— وستعود؟

نظر إليها.

— لماذا أنت متأكدة؟

حدقت فيه.

— أنت لا تستطيع أن تتركني، لأنك تشعر بالذنب.

أغلق الباب خلفه.

ظل واقفًا في الممر لحظات.

ثم سمع صوتها من الداخل:

— ممدوح، لقد نسيت شيئًا.

لم يجب.

***

بعد مضي أقل من ساعة، اتصلت به سعاد.

كانت تبكي في هستيريا.

— ممدوح...

— ماذا حدث؟

— تعال بسرعة. أنا أنزف.

— ماذا حدث؟

لم تجب.

سقط الهاتف من يدها وانقطع الاتصال.

ذهب إليها مضطربًا.

وجدها جالسة على أرض المطبخ، ويدها ملفوفة بمنشفة غارقة في الدم. كان الزجاج المكسور متناثرًا حولها.

اقترب منها مذعورًا.

— ماذا حدث؟

رفعت عينيها إليه.

— البرطمان... تهشم في يدي.

نظر إلى الجرح.

ثم إلى الزجاج.

— وكيف حدث هذا؟

— لا أعرف.

في المستشفى، وبعد أن عالج الطبيب جرحها، سأله ممدوح:

— هل هي بخير؟

نظر الطبيب إليه لحظة، ثم قال:

— هل كانت وحدها؟

— نعم.

— وهل قالت لك شيئًا قبل أن تجرح نفسها؟

نظر ممدوح إلى سعاد.

كانت مستلقية على السرير وعيناها مغمضتين.

قال:

— قالت إن البرطمان تهشم في يدها.

— قد يكون حادثًا... هل أنت متأكد أنها لم تحاول إيذاء نفسها؟

اقترب منها.

ظل ينظر إليها.

لم يعرف هل كانت تستنجد به...

أم تستدرجه.

وعندما أمسك يدها، شدّت أصابعها حول يده بقوة.

قالت:

— لا تتركني.

***

عاد ممدوح إلى الشقة.

دخل غرفته.

وجد حقيبته في مكانها.

وفوقها ورقة.

فتحها.

«لا تثق بها.»

نظر إلى سعاد.

— أنت وضعتِ هذه؟

— لا.

— فمن وضعها؟

نظرت إلى الورقة طويلًا.

ثم قالت:

— ربما الشخص الذي لا يريدك أن تثق بي.

— ومن يكون؟

— هذا ما يجب أن تعرفه.

— من أنتِ؟

ظلت تنظر إليه.

ثم قالت:

— صدقني، أنا لا أعرف من أنا.

ساد الصمت.

وبعد لحظات همست:

— لكنني حقًا أخشى أن تعرف أنت من أكون.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى