.كانت باريس في تلك الليلة أكثر برودة من المعتاد.
جلستُ قرب النافذة، أراقب أضواء الشارع وهي تتكسر فوق زجاجها، كأن المدينة تحاول أن تقول شيئًا ولا تجد اللغة المناسبة.
كان هاتفي إلى جواري.
لم أكن أنتظر رسالة.
أو هكذا حاولت أن أقنع نفسي.
ثم ظهر اسم حمد على الشاشة.
ترددتُ طويلًا قبل أن أفتحها.
كنت أعرف أن بعض الرسائل لا تُقرأ مرة واحدة؛ بعضها يفتح في القلب بابًا أغلقناه بصعوبة، ثم يتركنا واقفين أمامه، لا نعرف هل ندخل أم نهرب.
فتحت الرسالة.
اعذريني يا مائية العينين، العاشق الحقيقي لا يملك رفاهية التنقل بين المعاني، بينما قلبه مستقر عند معنى واحد. منذ عرفتك، لم تعد الكتابة بالنسبة لي محاولة لصنع الكلمات، بل محاولة للاقتراب منك أكثر. وكلما ظننت أن لدي ما أقوله عن العالم، اكتشفت أن أجمل ما فيه كان أنتِ.
قرأتُها مرة.
ثم مرة أخرى.
وفي المرة الثالثة توقفت عند جملة واحدة:
«أجمل ما فيه كان أنتِ.»
أغلقت الهاتف.
وضعت يدي على صدري، وكأنني أخشى أن يسمع حمد، من خلف المسافات، ذلك الاضطراب الذي أحدثته كلماته.
لم أكن أخاف الحب.
كنت أخاف ما يفعله الحب بنا حين يأتي في الوقت الخطأ.
نهضتُ من مقعدي، ومشيت نحو النافذة.
كانت امرأة تعبر الشارع مسرعة، تحمل مظلة سوداء، بينما كان رجل ينتظرها عند زاوية الطريق.
تذكرتُ أنني كنت دائمًا أؤمن أن اللقاءات الحقيقية لا تحتاج إلى مواعيد.
يكفي أن يعرف شخصان الطريق إلى بعضهما.
لكن حمد...
كان يعرف الطريق.
وأنا كنت أعرف أنني لا أستطيع أن أمشيه.
جلستُ أمام الورقة.
كتبت اسمه.
ثم شطبته.
كتبت:
حمد...
وتوقفت.
لم أكن أريد أن أجيبه بما يشعر، بل بما أستطيع احتماله.
فبعض الصدق مؤلم أكثر من الكذب.
وبعض الكلمات، إذا خرجت من القلب، لا يمكن إعادتها إليه.
تنفستُ ببطء، ثم كتبت:
ترف الضياء... لمعة إفصاح وخيال، لدربٍ يعشق مواعيد الدهشة، وعيونٍ مفتونة بمفردات الهمس... فيكتب سطر العنفوان بشجنٍ زائد.
قرأت ما كتبت.
ابتسمت.
كان ردي يشبهني؛ لا أقول أحبك، ولا أقول لا أحبك.
أترك للمعنى نافذة، وأترك لنفسي بابًا للخروج.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا:
أنني حين كتبت له «ترف الضياء» لم أكن أصف كلماته.
كنت أصف الأثر الذي تركته في داخلي.
وهذا ما أخافني.
فالمرأة التي تستطيع أن تكتب عن الحب تستطيع أن تخفيه.
لكنها لا تستطيع دائمًا أن تخفي ارتجافة يدها حين تكتب اسم الرجل الذي تحاول نسيانه.
أرسلت الرسالة.
ظل مؤشر الإرسال ثابتًا لثوانٍ.
ثم اختفى.
وضعت الهاتف بعيدًا.
وقلت لنفسي:
انتهى الأمر.
لكن في تلك اللحظة تحديدًا...
وصلت رسالة أخرى من حمد.
لم أفتحها.
بقيت أحدق في الشاشة.
كنت أعرف أن الرسالة الثانية قد تكون أخطر من الأولى.
لأن الأولى قالت ما يشعر به.
أما الثانية...
فربما تقول ما كنت أخشى أن أشعر به أنا.
وخارج النافذة، كانت باريس تواصل ليلها.
أما أنا،
فكنت أقف بين قلبين:
قلبٍ يريد أن يصدق...
وقلبٍ تعلّم من الغياب أن بعض الأبواب حين نفتحها للحب، لا نستطيع إغلاقها مرة أخرى.
يتبع .......
ظل امرأة في باريس
الفصل التالي: الرسالة التي لم أفتحها
ظل الهاتف أمامي.
تضيء شاشته ثم تخفت،
كأن الرسالة نفسها تتنفس.
لم أفتحها.
كنت أخشى أن تكون الكلمات التي انتظرتها طويلًا،
وأخشى أكثر أن تكون الكلمات التي لم أعد أحتمل سماعها.
جلستُ إلى جوار النافذة.
المطر يهبط على باريس ببطء،
يمحو وجوه المارة عن الزجاج،
ويترك المدينة بلا ملامح.
قلت لنفسي:
لا تفتحيها.
لكن القلب لا يعرف كيف يطيع العقل
حين يتعلق الأمر برجلٍ
ترك في الروح سؤالًا مفتوحًا.
مددت يدي إلى الهاتف.
تراجعت.
ثم ضحكتُ من نفسي.
كيف يمكن لامرأة عاشت عمرًا كاملًا وهي تواجه الأشياء
أن تخاف من بضعة أسطر؟
كنت أعرف الإجابة.
لأن بعض الرسائل لا تحمل أخبارًا.
تحمل مصائر.
---
بعد ساعة كاملة، فتحت الرسالة.
لم يبدأ حمد بكلمة حب.
وهذا ما أخافني.
كتب:
«مائية العينين...
أعرف أنك ستقرئين رسالتي وأنت تبحثين بين الكلمات عن سبب آخر للصمت.
وربما ستظنين أنني أكتب لأستدرجك إلى اعتراف جديد.
لكنني هذه المرة لا أريد منك شيئًا.
أريد فقط أن تعرفي الحقيقة التي أخفيتها عنك طويلًا.»
توقفت.
شعرت بأن شيئًا ما في داخلي انكمش.
أكملت القراءة.
«حين التقيتك أول مرة، لم أكن أجهل أنك امرأة لا يمكن المرور من حياتها عابرًا.
كنت أعرف أنك تحملين وراء هدوئك أشياء كثيرة، وكنت أعرف أيضًا أن باريس لم تكن المكان الوحيد الذي جئتِ إليه هاربة.
كنتِ تهربين من شيء أقدم من المدينة...
وأقدم مني.»
رفعت عيني عن الشاشة.
للحظة شعرت أن الغرفة ضاقت.
كيف عرف؟
ومن أخبره؟
تابعت:
«لم أسألك يومًا عن الأشياء التي أخفيتها، لأنني كنت أخشى أن ينهار الجدار الذي بنيته حول نفسك.
لكن هناك أمرًا واحدًا لم أخبرك به.
أنا لم ألتقِ بكِ مصادفة.»
تجمدت أصابعي.
أعدت قراءة الجملة.
مرة.
ثم مرة ثانية.
لم ألتقِ بكِ مصادفة.
نهضت من مكاني.
مشيت في الغرفة بلا هدف.
كان قلبي يسبقني إلى احتمال لم أكن مستعدة له.
أكملت:
«قبل أن أعرف اسمك، كنت أعرف شيئًا عنك.
وقبل أن أعرف عينيك، كنت قد قرأت كلماتك.
وقبل أن تجلسي أمامي في ذلك المقهى الصغير قرب السين، كان هناك من تحدث إليّ عنك.
شخص لم تتوقعي يومًا أن يصل إليّ.»
توقفت.
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
من؟
لم أجرؤ على السؤال.
وكأن الاسم، بمجرد أن يظهر، سيعيد ترتيب سنوات كاملة من حياتي.
كانت الرسالة لا تزال مفتوحة.
وواصل حمد:
«لا تغضبي مني.
لم أقترب منك لألعب دورًا في حياتك، ولم أكن أملك نية للخداع.
لكنني، كلما أردت أن أخبرك، كنت أخشى أن أفقدك قبل أن أعرفك.
لذلك تركت الأيام تقول ما عجزت أنا عن قوله.»
ثم جاءت الجملة التي جعلتني أترك الهاتف من يدي:
«الرجل الذي طلب مني أن أراقبك في البداية... لم يكن غريبًا عنك.»
سقط الهاتف على الأرض.
لم أسمع صوته.
كنت أسمع فقط دقات قلبي.
ذلك الرجل...
من يكون؟
عاد إلى ذاكرتي وجه قديم.
وجه ظننته مات في الماضي.
وجه دفنته مع أشياء كثيرة
كنت أعتقد أنني نجوت منها.
جلست على الأرض.
ولأول مرة منذ سنوات،
لم أخف من الحب.
خفت من الحقيقة.
---
في الخارج، كانت أضواء باريس تلمع فوق النهر.
أما داخلي،
فكان شيء آخر قد بدأ ينهار.
كنت أظن أن حمد جاء إلى حياتي ليعلمني كيف أحب من جديد.
لكنني اكتشفت فجأة
أنه ربما جاء ليكشف لي
لماذا فقدت قدرتي على الحب أصلًا.
التقطت الهاتف.
كانت هناك جملة أخيرة في الرسالة.
لم أقرأها بعد.
حدقت فيها طويلًا.
ثم فتحتها.
وكانت قصيرة:
«إذا أردتِ أن تعرفي من أرسلني إليكِ...
فابحثي عن الرسالة التي وصلتكِ قبل عشرين عامًا ولم تفتحيها.»
رفعت رأسي.
توقفت أنفاسي.
عشرون عامًا؟
أي رسالة؟
وأي يدٍ كانت تنتظرني كل هذه السنوات؟
في تلك اللحظة فقط أدركت أن حكايتي مع حمد
لم تبدأ في باريس.
كانت قد بدأت قبل باريس بكثير.
وربما...
قبل أن أعرفه أصلًا.
بقلم الكاتبة والروائية هويدا حجاجي أحمد – مصر
جلستُ قرب النافذة، أراقب أضواء الشارع وهي تتكسر فوق زجاجها، كأن المدينة تحاول أن تقول شيئًا ولا تجد اللغة المناسبة.
كان هاتفي إلى جواري.
لم أكن أنتظر رسالة.
أو هكذا حاولت أن أقنع نفسي.
ثم ظهر اسم حمد على الشاشة.
ترددتُ طويلًا قبل أن أفتحها.
كنت أعرف أن بعض الرسائل لا تُقرأ مرة واحدة؛ بعضها يفتح في القلب بابًا أغلقناه بصعوبة، ثم يتركنا واقفين أمامه، لا نعرف هل ندخل أم نهرب.
فتحت الرسالة.
اعذريني يا مائية العينين، العاشق الحقيقي لا يملك رفاهية التنقل بين المعاني، بينما قلبه مستقر عند معنى واحد. منذ عرفتك، لم تعد الكتابة بالنسبة لي محاولة لصنع الكلمات، بل محاولة للاقتراب منك أكثر. وكلما ظننت أن لدي ما أقوله عن العالم، اكتشفت أن أجمل ما فيه كان أنتِ.
قرأتُها مرة.
ثم مرة أخرى.
وفي المرة الثالثة توقفت عند جملة واحدة:
«أجمل ما فيه كان أنتِ.»
أغلقت الهاتف.
وضعت يدي على صدري، وكأنني أخشى أن يسمع حمد، من خلف المسافات، ذلك الاضطراب الذي أحدثته كلماته.
لم أكن أخاف الحب.
كنت أخاف ما يفعله الحب بنا حين يأتي في الوقت الخطأ.
نهضتُ من مقعدي، ومشيت نحو النافذة.
كانت امرأة تعبر الشارع مسرعة، تحمل مظلة سوداء، بينما كان رجل ينتظرها عند زاوية الطريق.
تذكرتُ أنني كنت دائمًا أؤمن أن اللقاءات الحقيقية لا تحتاج إلى مواعيد.
يكفي أن يعرف شخصان الطريق إلى بعضهما.
لكن حمد...
كان يعرف الطريق.
وأنا كنت أعرف أنني لا أستطيع أن أمشيه.
جلستُ أمام الورقة.
كتبت اسمه.
ثم شطبته.
كتبت:
حمد...
وتوقفت.
لم أكن أريد أن أجيبه بما يشعر، بل بما أستطيع احتماله.
فبعض الصدق مؤلم أكثر من الكذب.
وبعض الكلمات، إذا خرجت من القلب، لا يمكن إعادتها إليه.
تنفستُ ببطء، ثم كتبت:
ترف الضياء... لمعة إفصاح وخيال، لدربٍ يعشق مواعيد الدهشة، وعيونٍ مفتونة بمفردات الهمس... فيكتب سطر العنفوان بشجنٍ زائد.
قرأت ما كتبت.
ابتسمت.
كان ردي يشبهني؛ لا أقول أحبك، ولا أقول لا أحبك.
أترك للمعنى نافذة، وأترك لنفسي بابًا للخروج.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا:
أنني حين كتبت له «ترف الضياء» لم أكن أصف كلماته.
كنت أصف الأثر الذي تركته في داخلي.
وهذا ما أخافني.
فالمرأة التي تستطيع أن تكتب عن الحب تستطيع أن تخفيه.
لكنها لا تستطيع دائمًا أن تخفي ارتجافة يدها حين تكتب اسم الرجل الذي تحاول نسيانه.
أرسلت الرسالة.
ظل مؤشر الإرسال ثابتًا لثوانٍ.
ثم اختفى.
وضعت الهاتف بعيدًا.
وقلت لنفسي:
انتهى الأمر.
لكن في تلك اللحظة تحديدًا...
وصلت رسالة أخرى من حمد.
لم أفتحها.
بقيت أحدق في الشاشة.
كنت أعرف أن الرسالة الثانية قد تكون أخطر من الأولى.
لأن الأولى قالت ما يشعر به.
أما الثانية...
فربما تقول ما كنت أخشى أن أشعر به أنا.
وخارج النافذة، كانت باريس تواصل ليلها.
أما أنا،
فكنت أقف بين قلبين:
قلبٍ يريد أن يصدق...
وقلبٍ تعلّم من الغياب أن بعض الأبواب حين نفتحها للحب، لا نستطيع إغلاقها مرة أخرى.
يتبع .......
ظل امرأة في باريس
الفصل التالي: الرسالة التي لم أفتحها
ظل الهاتف أمامي.
تضيء شاشته ثم تخفت،
كأن الرسالة نفسها تتنفس.
لم أفتحها.
كنت أخشى أن تكون الكلمات التي انتظرتها طويلًا،
وأخشى أكثر أن تكون الكلمات التي لم أعد أحتمل سماعها.
جلستُ إلى جوار النافذة.
المطر يهبط على باريس ببطء،
يمحو وجوه المارة عن الزجاج،
ويترك المدينة بلا ملامح.
قلت لنفسي:
لا تفتحيها.
لكن القلب لا يعرف كيف يطيع العقل
حين يتعلق الأمر برجلٍ
ترك في الروح سؤالًا مفتوحًا.
مددت يدي إلى الهاتف.
تراجعت.
ثم ضحكتُ من نفسي.
كيف يمكن لامرأة عاشت عمرًا كاملًا وهي تواجه الأشياء
أن تخاف من بضعة أسطر؟
كنت أعرف الإجابة.
لأن بعض الرسائل لا تحمل أخبارًا.
تحمل مصائر.
---
بعد ساعة كاملة، فتحت الرسالة.
لم يبدأ حمد بكلمة حب.
وهذا ما أخافني.
كتب:
«مائية العينين...
أعرف أنك ستقرئين رسالتي وأنت تبحثين بين الكلمات عن سبب آخر للصمت.
وربما ستظنين أنني أكتب لأستدرجك إلى اعتراف جديد.
لكنني هذه المرة لا أريد منك شيئًا.
أريد فقط أن تعرفي الحقيقة التي أخفيتها عنك طويلًا.»
توقفت.
شعرت بأن شيئًا ما في داخلي انكمش.
أكملت القراءة.
«حين التقيتك أول مرة، لم أكن أجهل أنك امرأة لا يمكن المرور من حياتها عابرًا.
كنت أعرف أنك تحملين وراء هدوئك أشياء كثيرة، وكنت أعرف أيضًا أن باريس لم تكن المكان الوحيد الذي جئتِ إليه هاربة.
كنتِ تهربين من شيء أقدم من المدينة...
وأقدم مني.»
رفعت عيني عن الشاشة.
للحظة شعرت أن الغرفة ضاقت.
كيف عرف؟
ومن أخبره؟
تابعت:
«لم أسألك يومًا عن الأشياء التي أخفيتها، لأنني كنت أخشى أن ينهار الجدار الذي بنيته حول نفسك.
لكن هناك أمرًا واحدًا لم أخبرك به.
أنا لم ألتقِ بكِ مصادفة.»
تجمدت أصابعي.
أعدت قراءة الجملة.
مرة.
ثم مرة ثانية.
لم ألتقِ بكِ مصادفة.
نهضت من مكاني.
مشيت في الغرفة بلا هدف.
كان قلبي يسبقني إلى احتمال لم أكن مستعدة له.
أكملت:
«قبل أن أعرف اسمك، كنت أعرف شيئًا عنك.
وقبل أن أعرف عينيك، كنت قد قرأت كلماتك.
وقبل أن تجلسي أمامي في ذلك المقهى الصغير قرب السين، كان هناك من تحدث إليّ عنك.
شخص لم تتوقعي يومًا أن يصل إليّ.»
توقفت.
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
من؟
لم أجرؤ على السؤال.
وكأن الاسم، بمجرد أن يظهر، سيعيد ترتيب سنوات كاملة من حياتي.
كانت الرسالة لا تزال مفتوحة.
وواصل حمد:
«لا تغضبي مني.
لم أقترب منك لألعب دورًا في حياتك، ولم أكن أملك نية للخداع.
لكنني، كلما أردت أن أخبرك، كنت أخشى أن أفقدك قبل أن أعرفك.
لذلك تركت الأيام تقول ما عجزت أنا عن قوله.»
ثم جاءت الجملة التي جعلتني أترك الهاتف من يدي:
«الرجل الذي طلب مني أن أراقبك في البداية... لم يكن غريبًا عنك.»
سقط الهاتف على الأرض.
لم أسمع صوته.
كنت أسمع فقط دقات قلبي.
ذلك الرجل...
من يكون؟
عاد إلى ذاكرتي وجه قديم.
وجه ظننته مات في الماضي.
وجه دفنته مع أشياء كثيرة
كنت أعتقد أنني نجوت منها.
جلست على الأرض.
ولأول مرة منذ سنوات،
لم أخف من الحب.
خفت من الحقيقة.
---
في الخارج، كانت أضواء باريس تلمع فوق النهر.
أما داخلي،
فكان شيء آخر قد بدأ ينهار.
كنت أظن أن حمد جاء إلى حياتي ليعلمني كيف أحب من جديد.
لكنني اكتشفت فجأة
أنه ربما جاء ليكشف لي
لماذا فقدت قدرتي على الحب أصلًا.
التقطت الهاتف.
كانت هناك جملة أخيرة في الرسالة.
لم أقرأها بعد.
حدقت فيها طويلًا.
ثم فتحتها.
وكانت قصيرة:
«إذا أردتِ أن تعرفي من أرسلني إليكِ...
فابحثي عن الرسالة التي وصلتكِ قبل عشرين عامًا ولم تفتحيها.»
رفعت رأسي.
توقفت أنفاسي.
عشرون عامًا؟
أي رسالة؟
وأي يدٍ كانت تنتظرني كل هذه السنوات؟
في تلك اللحظة فقط أدركت أن حكايتي مع حمد
لم تبدأ في باريس.
كانت قد بدأت قبل باريس بكثير.
وربما...
قبل أن أعرفه أصلًا.
بقلم الكاتبة والروائية هويدا حجاجي أحمد – مصر