فاس . الجو جميل ، سماء زرقاء صافية ، اخضرارأشجار ذات ثمار ضخمة غريبة
على حافتي الطريق الموصل بين الحي الجامعي والليدو. كنا كطلبة وطالبات نعيش عالمنا الحميمي المجلل بألوان قوس قزح، مضافا اليها الأسود الدخاني، المليء بأعشاش تبيض فيها طيور الأحلام المرفرفة في المخيلة . كنا أمراء وأميرات يمكننا...
لما أخلي سبيلي توجهت الى مقهى الكتبية، طالعت بعض الصحف، واستمتعت بسماع أغاني أم كلثوم . كان النادل كعادته يوزع الطلبات في انحناءة وابتسامة معهودين. شربت فنجان القهوة ودخنت بضع سجاير ثم انصرفت الى المنزل على بعد خطوات. فوجيء ابراهيم الذي كان مستلقيا على السرير بعودتي . قام وضمني الى صدره بقوة ثم...
لم تبرح ذهني صورة والدي وهو يتلقى صفعة من شرطي بالمحكمة ، لم يكن في وسعي أن أفعل شيئا. كنت صغيرا لكن حزني كان كبيرا.
كان قلة من الطلبة يتوزعون في المقصف استعدادا للافطار، منهم من اكتفى بكأس شاي أو قهوة وضعه على العارضة، يناوب التدخين والرشف على مهل.اثر دخولي طلبت من النادل كأس شاي على أمل أن...
سطوع الشمس يعشي البصر ، الرقيب المربي يفتح باب السجن ، يطل كجرذ يتردد في الخروج من الجحر ، ثم يغلقه بعد توالي مغادرة السجناء الذين قضوا مدة محكومياتهم ، لا أحد منهم يلتفت بل كلهم يندفعون بسرعة كما لو يخشون أن تعاود قبضة السجن الإمساك بهم ، كانوا ينظرون بإمعان إلى المجال الذي ولجوا إليه كحلازين...
خلعت الخف واستويت على السرير ثم مددت يدي الى المقبس لإطفاء الأباجورة ، كنت متعبا، مفكك الأوصال ، تنتابني الهواجس . لم أنم ليلتين متتاليتين بشكل مريح، أنام وأستيقظ على نحو متوال، يحدث هذا غالبا حينما تتراكم على مكتبي ملفات تتطلب الانجازعلى نحو عاجل...
وجدتني في قبو مظلم ، خانق، ذي رائحة كريهة كأن...
آثرت سها الانزواء السالب عن الحياة ،تظل ساهمة لاتكلم أحدا .بدأت تلك الفتاة الدائمة
المسرة التي تشع كالبدر وسط قريناتها، وتفوح عطرا ، تخبو وتذبل ، حينما
تسير في الشارع ، تسير موقعة الخطو ، تجب ما حولها كأن العالم خلق من
أجلها، تأسر بيفاعتها وحيويتها النظرات الولهى المتوسلة .كان كل ناظر
يمني النفس...
للأولياء كرامات، أمر يتداوله عامة الشعب، فسارت بذكره الركبان، وشاع في أرجاء الوطن السعيد، ومن الذين بزوا نظراءهم في الصلاح والتقوى ولي نبذ الناس، وزهد في الدنيا فاختار مكان اعتكافه في جبل شامخ على مبعد من مدينة مراكش بجانب نهر دائم الجريان... فكان يفصل بين الناس بالعدل، ويغيث الملهوف، ويطعم...
في مطلع سنة 66 /67 كنت ضمن التلاميذ الذين ينتظرون نتيجة التسجيل في الجامعة حيث اخترت شعبة الفلسفة بالرباط ، إذبي أفاجأ بشخص يقترب مني ويمد يده مصافحا ومعرفابنفسه : محمد زفزاف . وكان هو أيضا قد أودع ملف التسجيل بنفس الشعبة . في هذه الفترة بالذات كنت قد بدأت الكتابة في جريدة الكفاح الوطني ، وكان...
لا يمكن الجزم بوضوح الرؤية في هذا المجال ، فكثيرا ما يدعي المثقف دفاعه عن الشعب ، وقيادته لمعاركه ، والحقيقة أن الشعب ليس إلاتمثلا متوهما ، أو بالأحرى صورة ذهنية في مخيلة المثقف ، أو كلمة عائمة في نص شعري أو نثري ، إذ لو امتلك هذا المثقف سعة التجربة وتنوعها ، واحتك في يومييه بأصناف الناس...
لنقف أولا عند العتبة الأولى للرواية ، ونقصد بذلك غلافها وقراءة صورتها بحمولاتها الدلالية، ثم ما يرافق ذلك من كتابة، ونعني هنا اسم الرواية ، وكاتبها، وناشرها، تبدو صورة الغلاف جلية ومعبرة: حبل نشر الغسيل يقطع عرض الكتاب، وفوقه ملقط واحد فقط، دون أي شيء آخر، وتحت الصورة مباشرة ، عنوان الرواية...
عندما يدفأ طقس مراكش أو يحترّ، في منتصف النهار، ويخلو الدرب من السابلة، ويلوذ الأطفال الضّاجّون اللاّهون بمنازلهم، تخرج زاينة من منزلها لتعبّئ جردلين من الساقية المجاورة؛ كانت خشيتها كبيرة من أن تسمع ما يخز مشاعرها، أو تلتقط عيناها الحزينتان نظرات الإشفاق والإستغراب المصوّبة نحوها كالمدي، لهذا...
حينما أجلس في مقهى (الحمامة البيضاء) صباح آخر كل شهر لاستخلاص راتبي الشهري، أسرح ببصري متأملا حركة الناس في الشارع ذات الإيقاع السريع، وأشجار الحديقة على الرصيف الآخر وسور المقبرة حيث يرقد العديدون خلفه صامتين بلا حراك ؛ وغالبا ما يسترعى انتباهي مرور شخص، في وقت محدد،ولنقل على وجه التقريب ،...
دسّ الحمار الرماديّ أنفه تحت منبت ذيل الأتان ورفع رأسه في انتشاء؛ فتح منخريه، نهق نهيقا متواصلا ثم ضرط تباعا مما أجفل طفلي ذي الخمس سنوات، وكان على دنوّ منه فجرى هاربا ليتعثر ويسقط و يصرخ. أنذاك كانت بقعة دم صغيرة على خده مثل حبّة كرز تهرأت فوق كويرة قشدة، هرعت نحوه فأمسكت بيده، كان مرتعبا جدا...
أكدت للمرة الثانية من أنني أدرت المزﻻج لإغلاق الباب، طويت المظلة ونفضتها وعلقت المعطف على الشماعة وحررت رقبتي من ربطة العنق وقلت:
- الوحدة، ما ألذ أن يكون الإنسان وحيدا.
كانت الغرفة ترعش بالغموض من فرط الصمت والضوء الباهت، وﻷول مرة تذوقت لذة أن يكون عقلي وحيدا يجاوز حدود ما هو مألوف، هناك سمو...