مصطفى معروفي

رجعت إلى القبيلة ظلي توسد غيمته بعد أن جرَّ مشجرة بيدين حافيتين إلى الطير... كنت أرى أن للنهر أنشودة من زخَم الريح يصطفي من رؤاها رخاما من الأبْجديات ذات النتوء النفيسِ، إلهي هنا كوكب راشد جاء يطلب ود المدائن ألقى معاذيره للغيوم التي حفظت آية الوعدِ حين استدارت على ضِبْنه قلتُ أحكي أصابعه وأجيء...
هيأنا المرحلة الاخرى للسفر المفرح علقنا التاريخ على أهداب الماء هو اليوم الأول لي وأنا أنظر قافلة تتململ بين خيوط القيظ وتشرب نسغ القليلولة حين تمر بوادٍ غافٍ تحرسه خمس تلال نافذةٍ كنت أظن النار لها تكْلفة الفيضان وفي ذاك وَهِمْتُ فما الحجر المسكوب على ناصية الدرب جدير بمديحي أيضا لا النهر أنا...
على سوقه يستوي التمُّ والماء ينصفه إذْ إليه يمد اليدين فيفهم منه الإشارةَ كان يحط الحمام على سورهِ حيث عن كثَبٍ يتأمل قافلةً تتمشى تقود خطاها هنا وهناك رياح الأبدْ... في يدي اشتعل الرملُ أرغى عند أقدامه الموجُ كان يبالي لو الحجر المنحني في الطريق القريب تنازلَ ثم اكتفى برفيف الثرى ومضى غيرَ...
"إن في اليد موجاً من الطيرِ" صحت بكل أناةٍ أنا من طرازٍ فريد وسوف أمر إلى رغبتي ثم أجلس منتشيا بالسماء العريضةِ صرت أميرا على العشبِ أعطي المحال ظنوني العليّةَ أمشي وخطوي رخامٌ أعلقه في النوافذِ لحظةَ إنشائهِ من يدل الطريق على دمهِ حين يرمي أنامله في زجاج الغوايةِ؟ من يشتري الشوق من حجر جاهدٍ...
كانت الريح تغمزهُ وهْو يرسل ناظره للمحطةِ كان الطريق له والبدايةُ ليس عليه إذا هو أسْفرَ عن دهشةٍ إنه الرجل المستنير الذي يضع الأرض تحت أصابعِهِ جئته ذات يومٍ فألفيت نارا تؤانسه وعلى خصره شجرٌ مزهر يرتقي ألق الأبْجديّةِ سَرّبَ نخلا إلى واحة ثم طاف بسور إليه تهادى الحمامُ بتوصيةٍ من ظلال الهشاشةِ...
عندما صبَّ في الكوب ماءً وقام إلى الباب أبصر هرا يلولب أعضاءه ويحدق في نبتة تجلس القرفصاءَ بأصٍّ نديٍّ ونافذةً حولها تستحم بماء الصباح وتفصح عن هاجس لمرآتها أيها الغيم يا ذا الرماد الثريِّ ويا صاحب الاحتمال الموفّقِ كيف على كفك الآن تصْفنُ خيلي وقانونك اغتنمَ البرقُ هبّتَهُ فمضى يمدح الانتماء...
كسجلٍّ يُطوى أو مقبرة بجوار البحر تعيد التاريخ إلى جهة الدفءِ بدا الأفْق شفيفا ينكسر النوء على صدغيه والطير على استعداد كي تعقد صفقتها معه أعلنتُ بأني متكأ الكون وأني واحده المشدود إليه بالسلم ذي الدرجات الحادةِ عرّيتُ ذراه شغفا في الأبراج وفوق متاهي شيدتُ تخوما للقيلولةِ لم أطع الحجر المسكون...
لاح لناظره الماء فساورته مدنٌ واقفة بيد الله على جيد خرائط نائيةٍ لاشك بأن الرجل ارتاب من الطينِ فأوشك ينفش رهَق الأرض وينزل للطرقات يكابد حبَّ المشْيِ وحيدا ويسامِتُ سنبلة بالأمس أدارت حقلا محتفظا بالأعراف القدسيةِ في صدغيه أطفأتِ الطير إلى أن صار الحقل صليبا ورؤاه طازجة مثل صباح منشرحٍ ما...
إني إن شئت غويت الموجة ودفعت الماء إلى أن يجعل كل أصابعه لُعبا للريح ويأخذ نصف الحسرات كمهر لعروسته الشتوية قلنا سوف نريح رواحلنا نادينا الحبر فأصغى هيأنا لسلاسله النجم الثاقب والوعل الدمث الموثوق فلم يأتِ وآنئذٍ مال بنا الوقت علكنا شقصا من سأم العمْرِ مشينا منبهرين إلى الحجر الأول ونصَبْنا...
اِقترب الضوء من البجع الأصهبِ كنت سعيدا أحكي الأنهار بأسورة الظنِّ وأما الشمس فكانت تقتات على الجسر وتأخذ في الحسبان قوارير معلقة في الطرقات وأركض وجهي نافذةٌ والشاطئ تاريخٌ لمجوس الشرق عليَّ فقط أن أهب الريح شجون الريفِ وأن أنشر فوق معاصمها بيداءَ تزيد عن القيلولة ورعا وتحيي القيظ بذئبٍ يرتع...
فوق ساعدهِ سقط الماء سقطته المنحنيّةَ عندئذٍ أشرق الطين من تحت رجليْهِ أما القرى فقد اتكأتْ وهْيَ تستغفر الطيرَ حيناً وحيناً تؤاخِذ نجما على حبه النوم في حضن سنبلةٍ في الهزيع الأخير من الليلِ أطعمتُ شوقي الربوعَ القصيَّةَ أصبحتُ أولَعُ بالاشتعالاتِ أحتال أن أصِلَ النبعَ قبل بزوغ الكراكي هناك...
وأخيرا أدرك أن مآربه كانت فائضةً أسرج مقتبل الغاياتِ فأمسى رجلا منسكبا من ريش هزارٍ حيِيٍ من أعطاه الدهشة حتى سكنتْهُ امرأة تنزل بين عراجين النخل على استحياءٍ ومن الوقت تؤسس منحنيات النبع القدُسيِّ نبيٌّ جاء قبيلته أحضر مرآةً ورخام الخلْقِ وحبلا يربط حجرا أشمط لجدار يركض في قفصٍ أزهى من قمصان...
ها هو الرجل المتأبط أسئلة الأرض هاهو ذا قاس حالته بقر نفلة ودحا ظله من عَلٍ والغيوم التي سقطت خفيةً شيّدتْ حوله بركةً فارتأى أن يكونَ ويَلقَى الرياح بمطفأة إن هي استهدفتْ ساحلا واقعا بين قيظين مُزَّيْنِ... يرتعد الطين تنهض زلزلة المشرق العربي كذلك لا الشكُّ يعطي اليقينَ مزاليجَهُ لا اليقين...
سترى غلَس الماء يعرج من أصابعك الدائريَّةِ والطين عنك سينأى بأحواله في المياه القصيَّةِ، ظلك في الأرض يغزل للنهر حاشيَةً يوقظ القصب الغضَّ فيه بملحمةٍ كان فيها صدى القدماء يئنُّ وكانت بروق تجيء وتمضي على الحجر اللوذعيّ تمد طريقا لتربط سنبلة بالجسور العتيقةِ ثم تشد خطاها إلى فرسخ مائلٍ... أيها...
شرِب الكأس الأولى ودنا من محبرة أخذ الدفتر ودحا ما بين ثناياه كلمات عاطرةً تشبه حُبّا في مرحلة النضجِ صباحَ الأحد الماضي والأفْق بدا مؤتلقاً والشمس وراء المنزل تحرسُ خمس إوزّاتٍ كان يغامر بالدولابِ ويمرح صحبةَ نافذة الورد ليحني دائرةً ويقيس الأسماء بأكياس الحنطةِ زوجته كانت أذكى تاخذ حجر...

هذا الملف

نصوص
1,377
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى