رانية مرجية

في التاسع والعشرين من آب عام 1987، توقّفت يد ناجي العلي برصاص غادر في أحد شوارع لندن، لكن صوته لم يتوقف. لم يكن ناجي مجرد رسّام كاريكاتير فلسطيني، بل كان ضميرًا معلّقًا على جدار العالم، وعرّافًا بصيرًا قرأ المستقبل بريشته كما يقرأ النبي الغيب في نبوءاته. لقد كان يعرف أن خطه الأسود، ذلك الخط...
أجلس إلى الورق كما يجلس العاشق إلى حبيبته، لا شبع ولا اكتفاء. كلما خططت أن أرتاح من الحروف، أجدها تناديني بصوت داخلي لا يسمعه أحد سواي، صوت يشبه نداءً أزليًا لا يمكن الهروب منه. لقد أدمنت الكتابة، أدمنت هذا النزيف الذي يطهّرني، وهذا الجنون الذي يعيدني إلى عقلي. الكتابة ليست عندي ترفًا، ولا...
في كل ذكرى لرحيل حنّا مينه، نستعيد صورة رجل لم يكتب البحر فقط، بل كتب الوجع الإنساني بأمواجه المتلاطمة. البحر عنده لم يكن مجرد فضاءٍ روائي، بل قدرٌ وجودي، ومعركة يومية، وسؤال فلسفي مفتوح: هل يولد الإنسان ليصارع مصيره، أم ليكتشف ذاته في مواجهة هذا المصير؟ من الفقر إلى الرواية ولد حنّا مينه عام...
أولاً: عُنوان القصة وانزياحه الدلالي: ‏ ‏يُقدّم العنوان مُفارقةًصادمةً منذ البداية... ‏فهو يقلب التوقّع الاجتماعي والأدبي رأسًا على عقب. "مات الإنسان" هو الحدث الطبيعي لكن الانزياح يكمُن في الجملة التالية "وأوفى الكلب". استخدام كلمة "أوفى" (صيغة تفضيل) يشير إلى أن الكلب فاق البشر في الوفاء مما...
في زمنٍ يزداد فيه الضجيج، وتعلو فيه الأصوات الخشنة على أنين الأرواح، نحتاج أن نتوقف قليلًا، لنصغي إلى القوة التي أهملها الكثيرون: قوة اللطف. ⸻ اللطف… الوجه الخفي للقوة قد يظن البعض أن القوة هي في السيطرة، في فرض الرأي، في الصلابة التي لا تنكسر. لكن القوة الحقيقية هي أن تمتلك قلبًا رقيقًا في...
حين ضاقت الأرض بأهلها، واشتد الحصار حتى صار الهواء أثقل من الحديد، ولدت غزة من جديد، لا كمدينة تُقصف، بل كأسطورة تتحدى الفناء. في قلبها، ارتفع الطفل الشهيد كـ شمسٍ لا تغيب. لم يعد جسده الصغير جثة هامدة، بل كرة من النور تدور في فضاء الإنسانية، تُضيء العتمة كلما غرق العالم في الظلم. كل طفلٍ على...
جدلية الروح والكلمة نقد لكتابات كاظم حسن سعيد. لم يكن اختياري لنصوص الشاعر والصحفي والأديب العراقي كاظم حسن سعيد محض صدفة، ولا كان ترفًا نقديًا عابرًا، بل كان استجابة لنداءٍ خفيّ أيقظني كلّما وقعت عيناي على نصوصه. هناك كتّاب يكتبون لتزهو الكلمات بهم، وهناك آخرون – مثل كاظم – يكتبون ليُضيئوا...
أسطور المأسورة: حين يغنّي الأسرى أقوى من الحديد رانية مرجية مقدمة ليست الحكاية هنا عن أقفاص وسجّانين فقط، بل عن الحرية التي تأبى الانكسار، وعن أرواح تحوّلت إلى رموز كونية للكرامة الإنسانية. في هذه القصة الرمزية، تتحول معاناة الأسرى الفلسطينيين إلى أسطورة تُروى، وتصبح أغانيهم جرسًا يوقظ الضمير...
📖 القصيدة رمادُ الطفولة 🍁على أرضك غزة🍁 بقلم: الشاعر عادل جودة يَحْفِرُ الطِّفْلُ في صَدْرِ المَسَاء يَنْتَشِلُ أَصَابِعَ جَدِّهِ مِنْ بُقْعَةِ غُبَارٍ وَيُطْعِمُ العُيُونَ الدَّامِعَةَ رُغِيفَ صَمْتٍ وَحَسْرَةً. يَا غُزَّةُ…. كَيْفَ يَكْتُبُ الطِّفْلُ أُغْنِيَتَهُ وَالقَامُوسُ كُلُّهُ صَارَ...
المقدمة ثمة لحظات في التاريخ يتوقف فيها العالم عن الصخب، لينصت لصوتين عظيمين يعلوان فوق الجراح: صوت الحرية، وصوت العدالة. كلاهما لا يُشترى ولا يُمنح هدية، بل يُنتزع انتزاعًا من بين أنياب الخوف والظلم. الحرية هي أن أتنفس بملء رئتيّ دون إذن من أحد، والعدالة هي أن أعرف أن أنفاسي لا تُسلب من آخر...
في سنة لا تقيسها الساعات، عند حافة الألفية الرابعة، كان الزمن قد فقد معناه القديم، وصار يُقاس بعدد النسيانات التي أصابت البشر. المدن أصبحت عائمة في فضاء من ضوء، والخرائط طُويت كأوراق قديمة، إلا خريطة واحدة… خريطة محفورة في وجدان أرواح لا تعرف الفناء. في أرشيف كوني اسمه الذاكرة الأولى، كانت...
حين يتجسد العراق في إنسان هناك كُتّاب يكتبون من مسافة، وهناك كُتّاب يكتبون من لُبّ الجرح. كاظم حسن سعيد هو من الفئة الثانية، بل هو أحد الذين إذا قرأتهم شعرت أن كلماتهم ليست حبرًا على ورق، بل دمًا نابضًا، وأنك حين تطوي الصفحة لا تغلق كتابًا، بل تغلق نافذة على عراق يتنفس في قلبك. وُلد عام 1955 في...
في زمنٍ اختلطت فيه المنابر بالمراتب، والكتابة بالحسابات، والشهرة بالمؤامرات الأدبية الصغيرة، علينا أن نُعيد تعريف الأدب بوصفه فعلًا نبيلًا، وأخلاقيًا أولًا وقبل كل شيء. فالكاتب الحقيقي لا يكتب ليُقصي، ولا يبدع ليُبقي الأضواء على ذاته فقط، بل يكتب لأنه ممتلئ، ومن امتلأ لا يخشى أن يمنح. بل إن...
في زمنٍ تتكاثر فيه الأنهار المسمومة وتضمحلُّ الجداول الرقراقة، تأتينا قصيدة “النهر المتصحر” للشاعر العراقي كاظم حسن سعيد كصرخة وجد، وكأنين ذاكرة تجلد نفسها قبل أن تُدين الغزاة والجلادين. القصيدة ليست مجرد نص، بل هي مأتم لغوي، حيث يتحوّل النهر من رمزٍ للحياة إلى شاهدٍ على الموت، من مجرى للعذوبة...
ليس ثمة ما هو أوجع من الأيديولوجيا حين تصبح مهنة، لا رؤيا. ولا ما هو أبهى منها حين تتجسّد كأملٍ حار، وكموقف فنيّ، وكفعلٍ إنسانيّ مقاوم يخرج من الأحشاء لا من الأرشيف. شتّان، نعم شتّان، بين من يعتاشون على الأيديولوجيا كبضاعة معلبة، يلوّحون بها في المناسبات الوطنية، الدينية، أو الفصائلية كأنها...

هذا الملف

نصوص
142
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى