رغم نجاحاته،، وصلابته في المواقف، كانت الحيرة تتسلل إلى أعماقه كسرب خفيّ!!
رجل اعتاد الوقوف في العواصف، تهتزّ أعماقه من رعشة، لا يدري من أين أتت.
يمرّ الزمن، ويغور الألم، ويقيم سؤالٌ صامت على باب قلبه:
لماذا؟
من فوّض أحدهم لانتزاع الطمأنينة من قلبه؟!
كل إجابة تُولد أسئلة جديدة.
كل تجاهل يقوده لمعركة داخلية.
وإن قرر الابتعاد، ينبثق ذنبٌ لا مسوّغ له، ويبقى معلَّقًا بين الصمت والرد، بين حبٍّ قديم وجرحٍ جديد، بين صورته في عيون من أحبوه، وصورة واحدة هوت بكل شيء.
وهو لا يرد القسوة بالقسوة، بل يسأل، ويتألم، ويبحث عن ملاذ داخلي، ينجو فيه من عذابٍ مجاني
***
جلس قبالة نافذة الصالة ، سعل بشدة، بدا صدره وكأنه محشوٌ بالغبار.
دخلت ليلى، رمت حقيبتها، خلعت وشاحها بعصبية، قالت، دون مقدمات، كمن يغمد خنجرًا:
ــ "كل ما تفعله تمثيل... حتى صمتك محسوب."
تقلّب طارق في صمته، ثم قال:
ــ "منذ متى صار الخير تهمة؟"
ضحكت ساخرة:
ــ "الخير؟ أنت تتغذى على التصفيق."
اقترب، وقال بصوت متعب:
ــ "أحتمل كثيرًا... لكن كلماتك صارت طعنات."
قالت ببرود لاذع:
ــ "لأنك هشّ، تتقن التظاهر. تواضعك قناع."
صرخ، أخيرًا، بصوت يحمل حطامه:
ــ لستُ ضعيفًا ولا مزيفًا. أنتِ فقط لا تريدين أن تري."
قالت بثبات موجع:
ــ "بل أراك أكثر من الجميع... ولهذا لا أبهر بك."
خفت الصوت. تثاقل الهواء. وانطفأ شيء داخله . تمتم وهو يشيح بوجهه:
ــ "المرآة الأقرب إليّ... تحطّمني كل ليلة."
كان يئنّ بلا صوت. بينما
الكلمات التي نثرتها ليلى، زوجته، تتردّد في روحه كطعنة تتكرر
**
في اليوم التالي، لم يذهب إلى المستشفى، مقر عمله.
زاره صديقه د سامي، كي يطمئن عليه
د سامي صديق طارق المقرب، رجل مهيب في حضوره، عميق في نظراته
قال طارق ، والعرق الغزير يتصبب منه :
أنا لست مريضا،كل ما في الأمر أنني متعب .
وضع سامي يده فوق جبهة طارق ، صاح في قلق :تقول انك لست مريضا ، وأنت مصاب بالحمى.
أعطاه سامي حقنة مسكنة، وطلب منه أن ينام
أثناء خروجه التقى بليلي، كانت شاردة.
سامي (بصوتٍ منخفض مشوب بالمرارة):
لم يكن عليكِ أن تتركينه وحده.
ليلى (ترفع عينيها) :
وكنتَ تظن أنني أملك طوق نجاة؟
أنت لا تعرفه يا سامي...
سامي (يتقدم، كمن يمشي على جمر):
بل أعرفه أكثر مما عرفتِه أنتِ.
ليلى (ببرودٍ حاد):
أنا امرأة، لا ظلٌ ولا جدار.
أحببته، نعم. لكنني لم أُخلق لأرمم شقوقه كل يوم.
سامي (ينفعل، يرفع صوته):
بل خذلتهِ.
ليلى (تنهض واقفة، تحدّق في عينيه بثبات):
كفّ عن هذه النغمة يا سامي.أتعلم؟ أنت أيضًا
تحبّه بطريقتك الأنانية، تريد أن تُنقذه لتشعر أنك صالح، أنك الصديق الوفيّ.
سامي (بصوتٍ مشروخ):
أنا على الأقل لم أطعنه في ثقته.
ينظر سامي إليها كما لو كان يراها للمرة الأولى، ثم يشيح وجهه، ويخرج دون كلمة.
**
في دهاليز الذاكرة، تلوح صورة أمه، رحيمة، المرأة البسيطة، الطيبة، التي لم تعرف الكتب لكنها قرأت الناس. كانت تمسك بيده وتهمس:
ــ "القلوب الطيبة تُؤلمها الكلمات أكثر من الجراح."
ثم تضع يدها على صدره:
ــ "لا تترك أحدًا يعبث بما فيك... حتى لو كنت تحبّه."
. من لا يراك في لحظة ضعفك، لا يستحقّ قوتك
لم تكن أمًا تقليدية، بل كانت سيدة مغلّفة بحنوّ خافت. إذا رأت انكساره، كانت تُشعل بخورًا وتتمتم:
"كل روحٍ مكسورة ستُشفَى... بالصبر والكشف والمغفرة."
وحين بكى أمامها مرة،، مسحت دموعه وقالت:
ــ "من يحبك، لا يوجعك بهذا الشكل... ومن يوجعك، لا يعرف من تكون."
رحيمة، كانت روحًا لا تهاجم، بل تحتضن، وحين ماتت كان يراها في ضوء الصباح، في رائحة النعناع، في سكون الليل وهدئته.
**
في أحد اللقاءات التليفزيونية ، سألته مذيعة عن سرّ كتاباته المؤلمة.
قال:
ــ "لأنني كتبتها وأنا أنزف."
سألته:
ــ "وهل توقّف النزف؟"
قال:
ــ "حين يُحسن الناس الظنّ بالضعف، حينها سيتوقّف النزف."
**
في روايته الأخيرة، كتب عن الرحمة، عن النقاء، عن الطيبين الذين يُجلدون كل يوم لأنهم لم يتعلّموا القسوة.
كتب عن أمّه رحيمة ، وعن طفلٍ لم يكبر بعد.
كتب عن الذين يشفون بالكلمة، ويُطعَنون بالصمت.
كتب عن الحب الذي لا يرى، لأن العين مشغولة بمرآتها.
كتب عن طارق... عن نفسه ... وظله.
***
سأل طارق صديقه وزميله د سامي :
ــ "هل تظنني أزيف ما أقدمه للناس ؟"
ابتسم، وأجابه كمن يضع مرآة صافية أمامه:
ــ "من يعطي دون أن ينتظر، لا يسأل عن صدقه."
ثم أضاف:
ــ "القلوب اللامعة لا تطلب شهادات...
قال طارق _ لكن الألم يُطفئ نورها.
قال سامي : لا تسمح للألم أن يُغيّرك."
هزّ طارق رأسه، لكن عينه لم تهدأ.
قال د سامي وكأنه يقرأ تعبه كمن يقرأ كتابا مفتوحا :
ــ "أنت تخلط بين الحقيقة والقبول، أنتَ كما أنت، لا كما يراك من لا يرى نفسه."
قال : كيف تطلب التصديق ممن لا يستطيع أن يصدق حتى نفسه... ليلى لا تراك... لأنها لا ترى ذاتها.
**
كتب في روايته، يصعب على الإنسان أن يزن ذاته، حتى حين يُحاول التجرّد!!
لكنه حين يصطدم بوجهٍ قريب، حاد النظرة، يبدأ في تفكيك مزاياه، ونزع ملامحه المعتادة، وتحويل تفرده إلى مثلبة...
ثمة ما يُربك في مصير القلوب
حينما تُحب بصدق، وتعطي بلا حساب، ثم يُجلد هذا القلب لأنه صدق، ويُهان لأنه لم يعرف الكراهية، ويُطعن لأنه لم يتقن فن المراوغة.
***
طارق، الكاتب، والطبيب، العاشق الصادق، الذي لم يعرف الغدر ، وجد نفسه في دوامة من الألم لا يُفسر، ولا يُحتمل.
لم يكن يبحث عن بطولات عاطفية، ولا عن قصص تُروى، كان فقط يريد بيتًا دافئًا، وامرأة تُصدّق حنانه، لكنها، كانت تحوّل كل قبلة إلى تهمة، وكل غياب بسيط إلى خيانة، وكل صمت إلى إعلان حرب.
لم تفهم يومًا أن الحب لا يعني الامتلاك، وأن الغيرة حين تشتد تخنق، وأن الشك حين يتكرر يقتل.
هو، كان يعود كل مساء منهكًا من المستشفى، يحمل على كتفيه أنين مرضى، وقلق أهل، وصرخات الأطفال، وكان كل ما يحتاجه، حضنًا صامتًا، يسكب فيه ضعفه، ووجهًا يعرف ملامحه من قبل الكلام.
لكنها، كانت تنتظره بالأسئلة، بالاتهامات، بالحساب.
لم تترك له فرصة ليحكي، ولا متسعًا ليستريح.
كان يُعاقَب لأنه تأخر، ويُعذَّب لأنه ابتسم في وجوه الناس، ويُصلب لأنه فقط... كان هو.
هو ، لا تلهيه جوائز ولا يغريه التصفيق، لكنه يلتفت دائمًا إلى المريض الصامت، إلى الطفل الذي لا يعرف كيف يعبّر، إلى رجل فقد الأمل في الشفاء.
الناس أحبّوه، ليس لوسامته، بل لشفافية كانت تُطمئن، كأن مجرد وجوده في المكان يُعيد للروح بعض اتزانها.
صوره كانت في قصص مرضاه، ممن عاشوا على شفير الموت ثم عادوا للحياة، وكانت ليلى، التي أحبها تقف في الضفة الأخرى من النهر.
في داخله، ظلّ يسأل نفسه: لماذا؟
لماذا كانت تجرح، وهي التي عرفت دفء يده، وصبر قلبه؟
لماذا تعذبه بهذا الشكل؟ ولماذا تعذّب نفسها أيضًا؟
ثم بدأ يلاحظ التفاصيل الصغيرة، النظرات التي تتبدل، النبرة التي تخرج من أعماق لا يراها.
وحين واجه نفسه، بدأ يسمع سؤلا داخليًا لا يهدأ:
لماذا تحول حبها لي إلى كل هذا الكره ؟!
ثم تساءل في حيرة : هي تقول أنها تحبني ، ربما.... ربما كانت صادقة .. ولكن هذا النوع من الحب يبدو كما تحب النارُ الورقة الجافة، فتلتهمها، كلما اقتربتُ، اشتعلت. كلما سكتُّ، صرخت.
إنها ترى الحب مرآة، تريد فيها وجهها فقط، بلا شروخ، بلا ظلٍّ غير ظلّها.
وأنا، بكل قلبي، كنتُ ظلًّا يرغب فقط في أن يحتضن الضوء، لا أن يخفيه."
***
في نهاية روايته ، كتب جملة واحدة بخط مرتجف:
"الذين لا يرونك حين تضيء... لا يستحقون أن تراهم حين تنطفئ.
وفي يوم توقيع روايته، جاءه رجل ضرير، وقال:
ــ "أنت جعلتني أرى... بكلماتك."
وابتسم طارق. لأول مرة منذ زمن، شعر أن الضوء الذي فيه لا يحتاج لمن يُبرره
قال له صديقه د سامي :
لا أحد يراك حقًا إلا من يراك بقلبه، لا بعينه. والبعض... لا يرى إلا كسر نفسه فيك."
"النجاة ليست بأن تفهمهم، بل بأن تنجو منهم.
***
عاد طارق إلى بيته تلك الليلة كأنّه يجرُّ خطواته من قاعٍ بعيد.
فتح الباب بهدوء، وجد الظلام ساكنًا، والبيت كأنه فقد صوته.
أضاء المصباح، فرأى ليلى جالسة في الصالة، تنظر في الفراغ.
لم تلتفت. . فقط قالت، كمن تُلقي آخر سهامها:
ــ "سامي صديقك مثلُك تمامًا... تختبئون خلف قناع الطيبة."
أجابها بصوتٍ خافت:
ــ منذ متى كانت الطيبة عيبا؟"
قالت:
ــ "بل فيكم ضعف لا ترونه... كأنكم تصرّون أن تكونوا ضحايا."
اقترب منها، ثم جلس أرضًا أمامها، وقال:
ــ "هل رأيتِ يومًا ضوءًا يخاف من نفسه؟ أنا لست ضوءًا، لكني أحاول ألّا أكون عتمة."
أطرقت، ثم تمتمت:
ــ "تعبت منك."
قال:
ــ "وأنا تعبت من أن أشرح من أكون."
رفعت عينيها، نظرت فيه طويلًا، وقالت:
ــ "ربما... نحن لا نُجيد الحب."
أجابها بهدوء رجلٍ أنهكته الحيرة:
ــ "أو ربما... أحببنا بطريقتين متضادتين."
ونهض، وسار نحو النافذة. كانت الأمطار تتساقط في الخارج. فتحها قليلًا، ثم همس لنفسه:
ــ "القلب الأبيض لا ينتصر، لكنه لا يُهزم... إنه فقط يبقى."
ثم التفت إليها، وقال:
"كنتِ كلّ شيء، فصرتِ كلّ ما يُؤلمني سأبقى... كما أنا، حتى لو لم تفهميني."
في ذاكرته، كلمات رحيمة، أمه
"البحر لا يغضب من الحجر الذي يُلقى فيه، بل يحتضنه حتى يسكن."
وهمس في قلبه:"سأحتضن حزني... حتى يسكن."
ثم ابتسم، ابتسامة شاحبة، لكنها حقيقية.
قالت ليلى :
-أنت ممثل بارع.
تقدّم نحوها بخطى هادئة، نظر إلى عينيها المطفأتين، وقال، كمن يقرأ من كتاب قدره
ــ "لم أكن ملاكًا، ولم أدّعِ.
لكنني كنتُ صادقًا، في حزني، في عطائي، في صمتي.
كنتُ أرجوكِ أن تري قلبي كما هو، لا كما يبدو في ظنونك."
صمتت ليلى، وبدت ملامحها مشدوهة، كأنها تسمع صوته للمرة الأولى.
ــ "كنتُ أطلب حضنكِ حين ينكسر العالم في صدري،
وكنتِ تردين بالأسئلة، والشك، والجفاء.
أردتكِ سكنًا، لا محكمة.
وأردتُ أن نكون معًا،متجاورين لا متقابلَين...
اقترب منها أكثر. جلس على طرف الكرسي المقابل، بصوت مجروح لكنه ثابت:
ــ كلانا خسر شيئًا.
أنتِ خسرتِ من رآكِ بنقائك،وأنا خسرتُ مَن كنتُ أظنّها مرآتي الآمنة.
قاومت ليلى البكاء بكبريائها المزيف ، لكن الدموع غلبتها، كأمطار حزينة بعد حريق.
نهض طارق، أخذ معطفه، ثم نظر إليها نظرة وداع ناعمة، لا قسوة فيها،
ــ "أنا لا ألومكِ، لكنني أختار أن أرحل، لأحمي ما تبقى من نفسي...
فبعض العذاب لا يجب أن يُعاش ولو كان اسمه، الحب.
نهضت ليلى ببطء، مشت نحوه، ثم وقفت أمامه طويلاً، كأنها تُحدّق في رجل لا تعرفه.
قالت أخيرًا، بصوت فقد حرارة القلب:
ــ "لا أفهمك... ولا أظنك تفهمني."
أومأ طارق، لكنه لم يُعلّق.
تذكر اخر كلمات كلمات رحيمة أمه
سامح، لكن لا تُسلّم قلبك لمن كسره.
مدّ يده نحو سترته المعلّقة خلف الباب، ثم نظر إليها بنظرة أخيرة، كمن يسدل ستارًا على فصل طويل، خرج بهدوء، وأغلق الباب خلفه.
لا ضجيج، لا ارتطام... كأن شيئًا انتهى، وشيئًا آخر... بدأ.
**
في الطريق، كانت السماء تمطر مطرًا خفيفًا يشبه دموعًا هادئة.
وهو يمضي بحزن غريب ،...حزن يشبه الطيبة حين تُهان ولا ترد.
كان يسير وحده، دون مظلّة، كأنه لا يريد الحماية من البلل، بل يرحّب به.
كان يمشي وهو يشعر بخفة غريبة، خفة رجل فقد شيئًا ثمينًا، لكنه لم يعد راغبًا في استرداده.
ربما لأن قلبه لم يعد يحتمل... المزيد من العذاب المجاني
رجل اعتاد الوقوف في العواصف، تهتزّ أعماقه من رعشة، لا يدري من أين أتت.
يمرّ الزمن، ويغور الألم، ويقيم سؤالٌ صامت على باب قلبه:
لماذا؟
من فوّض أحدهم لانتزاع الطمأنينة من قلبه؟!
كل إجابة تُولد أسئلة جديدة.
كل تجاهل يقوده لمعركة داخلية.
وإن قرر الابتعاد، ينبثق ذنبٌ لا مسوّغ له، ويبقى معلَّقًا بين الصمت والرد، بين حبٍّ قديم وجرحٍ جديد، بين صورته في عيون من أحبوه، وصورة واحدة هوت بكل شيء.
وهو لا يرد القسوة بالقسوة، بل يسأل، ويتألم، ويبحث عن ملاذ داخلي، ينجو فيه من عذابٍ مجاني
***
جلس قبالة نافذة الصالة ، سعل بشدة، بدا صدره وكأنه محشوٌ بالغبار.
دخلت ليلى، رمت حقيبتها، خلعت وشاحها بعصبية، قالت، دون مقدمات، كمن يغمد خنجرًا:
ــ "كل ما تفعله تمثيل... حتى صمتك محسوب."
تقلّب طارق في صمته، ثم قال:
ــ "منذ متى صار الخير تهمة؟"
ضحكت ساخرة:
ــ "الخير؟ أنت تتغذى على التصفيق."
اقترب، وقال بصوت متعب:
ــ "أحتمل كثيرًا... لكن كلماتك صارت طعنات."
قالت ببرود لاذع:
ــ "لأنك هشّ، تتقن التظاهر. تواضعك قناع."
صرخ، أخيرًا، بصوت يحمل حطامه:
ــ لستُ ضعيفًا ولا مزيفًا. أنتِ فقط لا تريدين أن تري."
قالت بثبات موجع:
ــ "بل أراك أكثر من الجميع... ولهذا لا أبهر بك."
خفت الصوت. تثاقل الهواء. وانطفأ شيء داخله . تمتم وهو يشيح بوجهه:
ــ "المرآة الأقرب إليّ... تحطّمني كل ليلة."
كان يئنّ بلا صوت. بينما
الكلمات التي نثرتها ليلى، زوجته، تتردّد في روحه كطعنة تتكرر
**
في اليوم التالي، لم يذهب إلى المستشفى، مقر عمله.
زاره صديقه د سامي، كي يطمئن عليه
د سامي صديق طارق المقرب، رجل مهيب في حضوره، عميق في نظراته
قال طارق ، والعرق الغزير يتصبب منه :
أنا لست مريضا،كل ما في الأمر أنني متعب .
وضع سامي يده فوق جبهة طارق ، صاح في قلق :تقول انك لست مريضا ، وأنت مصاب بالحمى.
أعطاه سامي حقنة مسكنة، وطلب منه أن ينام
أثناء خروجه التقى بليلي، كانت شاردة.
سامي (بصوتٍ منخفض مشوب بالمرارة):
لم يكن عليكِ أن تتركينه وحده.
ليلى (ترفع عينيها) :
وكنتَ تظن أنني أملك طوق نجاة؟
أنت لا تعرفه يا سامي...
سامي (يتقدم، كمن يمشي على جمر):
بل أعرفه أكثر مما عرفتِه أنتِ.
ليلى (ببرودٍ حاد):
أنا امرأة، لا ظلٌ ولا جدار.
أحببته، نعم. لكنني لم أُخلق لأرمم شقوقه كل يوم.
سامي (ينفعل، يرفع صوته):
بل خذلتهِ.
ليلى (تنهض واقفة، تحدّق في عينيه بثبات):
كفّ عن هذه النغمة يا سامي.أتعلم؟ أنت أيضًا
تحبّه بطريقتك الأنانية، تريد أن تُنقذه لتشعر أنك صالح، أنك الصديق الوفيّ.
سامي (بصوتٍ مشروخ):
أنا على الأقل لم أطعنه في ثقته.
ينظر سامي إليها كما لو كان يراها للمرة الأولى، ثم يشيح وجهه، ويخرج دون كلمة.
**
في دهاليز الذاكرة، تلوح صورة أمه، رحيمة، المرأة البسيطة، الطيبة، التي لم تعرف الكتب لكنها قرأت الناس. كانت تمسك بيده وتهمس:
ــ "القلوب الطيبة تُؤلمها الكلمات أكثر من الجراح."
ثم تضع يدها على صدره:
ــ "لا تترك أحدًا يعبث بما فيك... حتى لو كنت تحبّه."
. من لا يراك في لحظة ضعفك، لا يستحقّ قوتك
لم تكن أمًا تقليدية، بل كانت سيدة مغلّفة بحنوّ خافت. إذا رأت انكساره، كانت تُشعل بخورًا وتتمتم:
"كل روحٍ مكسورة ستُشفَى... بالصبر والكشف والمغفرة."
وحين بكى أمامها مرة،، مسحت دموعه وقالت:
ــ "من يحبك، لا يوجعك بهذا الشكل... ومن يوجعك، لا يعرف من تكون."
رحيمة، كانت روحًا لا تهاجم، بل تحتضن، وحين ماتت كان يراها في ضوء الصباح، في رائحة النعناع، في سكون الليل وهدئته.
**
في أحد اللقاءات التليفزيونية ، سألته مذيعة عن سرّ كتاباته المؤلمة.
قال:
ــ "لأنني كتبتها وأنا أنزف."
سألته:
ــ "وهل توقّف النزف؟"
قال:
ــ "حين يُحسن الناس الظنّ بالضعف، حينها سيتوقّف النزف."
**
في روايته الأخيرة، كتب عن الرحمة، عن النقاء، عن الطيبين الذين يُجلدون كل يوم لأنهم لم يتعلّموا القسوة.
كتب عن أمّه رحيمة ، وعن طفلٍ لم يكبر بعد.
كتب عن الذين يشفون بالكلمة، ويُطعَنون بالصمت.
كتب عن الحب الذي لا يرى، لأن العين مشغولة بمرآتها.
كتب عن طارق... عن نفسه ... وظله.
***
سأل طارق صديقه وزميله د سامي :
ــ "هل تظنني أزيف ما أقدمه للناس ؟"
ابتسم، وأجابه كمن يضع مرآة صافية أمامه:
ــ "من يعطي دون أن ينتظر، لا يسأل عن صدقه."
ثم أضاف:
ــ "القلوب اللامعة لا تطلب شهادات...
قال طارق _ لكن الألم يُطفئ نورها.
قال سامي : لا تسمح للألم أن يُغيّرك."
هزّ طارق رأسه، لكن عينه لم تهدأ.
قال د سامي وكأنه يقرأ تعبه كمن يقرأ كتابا مفتوحا :
ــ "أنت تخلط بين الحقيقة والقبول، أنتَ كما أنت، لا كما يراك من لا يرى نفسه."
قال : كيف تطلب التصديق ممن لا يستطيع أن يصدق حتى نفسه... ليلى لا تراك... لأنها لا ترى ذاتها.
**
كتب في روايته، يصعب على الإنسان أن يزن ذاته، حتى حين يُحاول التجرّد!!
لكنه حين يصطدم بوجهٍ قريب، حاد النظرة، يبدأ في تفكيك مزاياه، ونزع ملامحه المعتادة، وتحويل تفرده إلى مثلبة...
ثمة ما يُربك في مصير القلوب
حينما تُحب بصدق، وتعطي بلا حساب، ثم يُجلد هذا القلب لأنه صدق، ويُهان لأنه لم يعرف الكراهية، ويُطعن لأنه لم يتقن فن المراوغة.
***
طارق، الكاتب، والطبيب، العاشق الصادق، الذي لم يعرف الغدر ، وجد نفسه في دوامة من الألم لا يُفسر، ولا يُحتمل.
لم يكن يبحث عن بطولات عاطفية، ولا عن قصص تُروى، كان فقط يريد بيتًا دافئًا، وامرأة تُصدّق حنانه، لكنها، كانت تحوّل كل قبلة إلى تهمة، وكل غياب بسيط إلى خيانة، وكل صمت إلى إعلان حرب.
لم تفهم يومًا أن الحب لا يعني الامتلاك، وأن الغيرة حين تشتد تخنق، وأن الشك حين يتكرر يقتل.
هو، كان يعود كل مساء منهكًا من المستشفى، يحمل على كتفيه أنين مرضى، وقلق أهل، وصرخات الأطفال، وكان كل ما يحتاجه، حضنًا صامتًا، يسكب فيه ضعفه، ووجهًا يعرف ملامحه من قبل الكلام.
لكنها، كانت تنتظره بالأسئلة، بالاتهامات، بالحساب.
لم تترك له فرصة ليحكي، ولا متسعًا ليستريح.
كان يُعاقَب لأنه تأخر، ويُعذَّب لأنه ابتسم في وجوه الناس، ويُصلب لأنه فقط... كان هو.
هو ، لا تلهيه جوائز ولا يغريه التصفيق، لكنه يلتفت دائمًا إلى المريض الصامت، إلى الطفل الذي لا يعرف كيف يعبّر، إلى رجل فقد الأمل في الشفاء.
الناس أحبّوه، ليس لوسامته، بل لشفافية كانت تُطمئن، كأن مجرد وجوده في المكان يُعيد للروح بعض اتزانها.
صوره كانت في قصص مرضاه، ممن عاشوا على شفير الموت ثم عادوا للحياة، وكانت ليلى، التي أحبها تقف في الضفة الأخرى من النهر.
في داخله، ظلّ يسأل نفسه: لماذا؟
لماذا كانت تجرح، وهي التي عرفت دفء يده، وصبر قلبه؟
لماذا تعذبه بهذا الشكل؟ ولماذا تعذّب نفسها أيضًا؟
ثم بدأ يلاحظ التفاصيل الصغيرة، النظرات التي تتبدل، النبرة التي تخرج من أعماق لا يراها.
وحين واجه نفسه، بدأ يسمع سؤلا داخليًا لا يهدأ:
لماذا تحول حبها لي إلى كل هذا الكره ؟!
ثم تساءل في حيرة : هي تقول أنها تحبني ، ربما.... ربما كانت صادقة .. ولكن هذا النوع من الحب يبدو كما تحب النارُ الورقة الجافة، فتلتهمها، كلما اقتربتُ، اشتعلت. كلما سكتُّ، صرخت.
إنها ترى الحب مرآة، تريد فيها وجهها فقط، بلا شروخ، بلا ظلٍّ غير ظلّها.
وأنا، بكل قلبي، كنتُ ظلًّا يرغب فقط في أن يحتضن الضوء، لا أن يخفيه."
***
في نهاية روايته ، كتب جملة واحدة بخط مرتجف:
"الذين لا يرونك حين تضيء... لا يستحقون أن تراهم حين تنطفئ.
وفي يوم توقيع روايته، جاءه رجل ضرير، وقال:
ــ "أنت جعلتني أرى... بكلماتك."
وابتسم طارق. لأول مرة منذ زمن، شعر أن الضوء الذي فيه لا يحتاج لمن يُبرره
قال له صديقه د سامي :
لا أحد يراك حقًا إلا من يراك بقلبه، لا بعينه. والبعض... لا يرى إلا كسر نفسه فيك."
"النجاة ليست بأن تفهمهم، بل بأن تنجو منهم.
***
عاد طارق إلى بيته تلك الليلة كأنّه يجرُّ خطواته من قاعٍ بعيد.
فتح الباب بهدوء، وجد الظلام ساكنًا، والبيت كأنه فقد صوته.
أضاء المصباح، فرأى ليلى جالسة في الصالة، تنظر في الفراغ.
لم تلتفت. . فقط قالت، كمن تُلقي آخر سهامها:
ــ "سامي صديقك مثلُك تمامًا... تختبئون خلف قناع الطيبة."
أجابها بصوتٍ خافت:
ــ منذ متى كانت الطيبة عيبا؟"
قالت:
ــ "بل فيكم ضعف لا ترونه... كأنكم تصرّون أن تكونوا ضحايا."
اقترب منها، ثم جلس أرضًا أمامها، وقال:
ــ "هل رأيتِ يومًا ضوءًا يخاف من نفسه؟ أنا لست ضوءًا، لكني أحاول ألّا أكون عتمة."
أطرقت، ثم تمتمت:
ــ "تعبت منك."
قال:
ــ "وأنا تعبت من أن أشرح من أكون."
رفعت عينيها، نظرت فيه طويلًا، وقالت:
ــ "ربما... نحن لا نُجيد الحب."
أجابها بهدوء رجلٍ أنهكته الحيرة:
ــ "أو ربما... أحببنا بطريقتين متضادتين."
ونهض، وسار نحو النافذة. كانت الأمطار تتساقط في الخارج. فتحها قليلًا، ثم همس لنفسه:
ــ "القلب الأبيض لا ينتصر، لكنه لا يُهزم... إنه فقط يبقى."
ثم التفت إليها، وقال:
"كنتِ كلّ شيء، فصرتِ كلّ ما يُؤلمني سأبقى... كما أنا، حتى لو لم تفهميني."
في ذاكرته، كلمات رحيمة، أمه
"البحر لا يغضب من الحجر الذي يُلقى فيه، بل يحتضنه حتى يسكن."
وهمس في قلبه:"سأحتضن حزني... حتى يسكن."
ثم ابتسم، ابتسامة شاحبة، لكنها حقيقية.
قالت ليلى :
-أنت ممثل بارع.
تقدّم نحوها بخطى هادئة، نظر إلى عينيها المطفأتين، وقال، كمن يقرأ من كتاب قدره
ــ "لم أكن ملاكًا، ولم أدّعِ.
لكنني كنتُ صادقًا، في حزني، في عطائي، في صمتي.
كنتُ أرجوكِ أن تري قلبي كما هو، لا كما يبدو في ظنونك."
صمتت ليلى، وبدت ملامحها مشدوهة، كأنها تسمع صوته للمرة الأولى.
ــ "كنتُ أطلب حضنكِ حين ينكسر العالم في صدري،
وكنتِ تردين بالأسئلة، والشك، والجفاء.
أردتكِ سكنًا، لا محكمة.
وأردتُ أن نكون معًا،متجاورين لا متقابلَين...
اقترب منها أكثر. جلس على طرف الكرسي المقابل، بصوت مجروح لكنه ثابت:
ــ كلانا خسر شيئًا.
أنتِ خسرتِ من رآكِ بنقائك،وأنا خسرتُ مَن كنتُ أظنّها مرآتي الآمنة.
قاومت ليلى البكاء بكبريائها المزيف ، لكن الدموع غلبتها، كأمطار حزينة بعد حريق.
نهض طارق، أخذ معطفه، ثم نظر إليها نظرة وداع ناعمة، لا قسوة فيها،
ــ "أنا لا ألومكِ، لكنني أختار أن أرحل، لأحمي ما تبقى من نفسي...
فبعض العذاب لا يجب أن يُعاش ولو كان اسمه، الحب.
نهضت ليلى ببطء، مشت نحوه، ثم وقفت أمامه طويلاً، كأنها تُحدّق في رجل لا تعرفه.
قالت أخيرًا، بصوت فقد حرارة القلب:
ــ "لا أفهمك... ولا أظنك تفهمني."
أومأ طارق، لكنه لم يُعلّق.
تذكر اخر كلمات كلمات رحيمة أمه
سامح، لكن لا تُسلّم قلبك لمن كسره.
مدّ يده نحو سترته المعلّقة خلف الباب، ثم نظر إليها بنظرة أخيرة، كمن يسدل ستارًا على فصل طويل، خرج بهدوء، وأغلق الباب خلفه.
لا ضجيج، لا ارتطام... كأن شيئًا انتهى، وشيئًا آخر... بدأ.
**
في الطريق، كانت السماء تمطر مطرًا خفيفًا يشبه دموعًا هادئة.
وهو يمضي بحزن غريب ،...حزن يشبه الطيبة حين تُهان ولا ترد.
كان يسير وحده، دون مظلّة، كأنه لا يريد الحماية من البلل، بل يرحّب به.
كان يمشي وهو يشعر بخفة غريبة، خفة رجل فقد شيئًا ثمينًا، لكنه لم يعد راغبًا في استرداده.
ربما لأن قلبه لم يعد يحتمل... المزيد من العذاب المجاني