شريف محيي الدين إبراهيم - حانوت يوسف الأخير

أبي، نحن في القرن الحادي والعشرين… ما تفعله لا ينتمي إلى العلم.

قالها الدكتور علي العالم والطبيب الشهير، بنبرةٍ حملت ثقل الشكّ وغصّة العجز.
خرج لتوّه من عيادته، بعد أن أعياه تشخيص حالةٍ استعصت على علمه وخبرته.

"وفي المساء، رآها أمام الشيخ يوسف في الحانوت، ساكنةً كمن عاد من تيهٍ طويل، تتحدث إليه، وقد أضاء وجهها الخافت، كأن حضوره سرٌ من أسرار النور.

وقف أمامه طويلاً وقال:
"أنا الباحث والعالم... أنا الطبيب… درست، بحثت، جرّبت كثيرا... كثيرا!!
كيف تُشفى عندك؟
أعشابك لا تحمل براهين، أليس ما تفعله وهمًا؟"
رفع الشيخ يوسف نظره، كان عميقًا كأرضٍ عجوزٍ تعرف المطر، وقال بهدوء:
"حين يكبر النهر، لا يلعن الجدول… بل يشكر المنابع."
لم تكن إجابة، بل نافذة.
تسلّل الدكتور علي، منها إلى الماضي، وعاد علي إلى ذلك الركن في الحانوت، حيث جلس صغيرًا يراقب والده كمن يرقب كائناً أسطوريًا.
حينها لم يكن يطلب… كان يومئ فقط.
يرغب في قطعة حلوى، يشير إلى لعبة، ، يريد كتابًا، ينظر إليه نظرةً صامتة.
ثم، بطريقةٍ غريبة، تأتي الحلوى، يظهر الكتاب، تحضر اللعبة!!
لم يكن والده يملك مالًا كثيرًا، بل لم يرَه يوما يخرج مالًا أصلًا…
لكن الأمنيات كانت تُستجاب كما لو أن شيئًا في قلب الأب يخاطب الكون، فينصاع له!!
ذات يوم، سألته أمه بدهشة:
"من أين أحضرت له كل هذه الأشياء ؟ نحن لم نملك ثمنه!"
فأجاب وهو يربّت على رأس الصغير:
"حين يطلب بعينيه… يرسل الله رزقه من حيث لا نحتسب."
شعر علي أن والده يملك شيئًا… شيئًا غير مرئي.
كأنه ساحر… لا يطير، لا يختفي، لكنّه يجعل الحياة نفسها تُسرع لتلبي أوامره.
ربما لهذا، حين كبُر، ظنّ أن العلم وحده يفسّر الأشياء.
وأراد أن يعرف… كيف تُصنع الأعشاب؟
كيف تُشفى الأجساد؟
لكنّ الإجابات لم تكن في الكتب.!!
وذات مساء، دخل الحانوت رجلٌ يعرج على عصاً. جلس مترددًا، يشكو آلامًا لا تُطاق.
وما إن بدأ الشيخ يوسف تحضيره حتى عمّ سكونٌ غير مألوف.
أخرج كيسًا صغيرًا، نفث شيئًا من العطر في الهواء، وقال:
"أغمض عينيك… لا لترى، بل لتنسى."
ثم مسح على موضع الألم، وتمتم بكلماتٍ كأنّها صلاةٌ نُسيت، ولكن الهواء نفسه انكمش من حوله.
سقطت العصا أرضًا.
نهض الرجل، التفت، ومشى ببطءٍ ثم أسرع، كأن الزمن نفسه انحنى لأمر الأب.
رمقه علي بدهشةٍ متوجسة، والناس من حوله تمتموا:
"الشيخ يوسف … له سرّ مع الأعشاب والريح."
مضت السنون، وصار علي طبيبًا وأستاذا جامعيا يحمل أدوات العلم ومنطقه.
دخل الجامعات، قرأ الأبحاث، وتمسّك بالبراهين.
أقنع نفسه أن ما مضى خيالٌ طفولي، وجعل يمضي في طريقه.
لكن بعض الحالات المستعصية، أفلتت من يديه، أشار لهم الدكتور علي، في يأس أن يمرّوا على حانوت والده، الشيخ يوسف …
فعادوا بوجوه مختلفة، كأنهم عبروا مرآة لا تُرى.
تملّكته الحيرة.
راقب والده خفية.
سجّل وصفات الأعشاب، قاسها بدقّة، أعدّ الخلطة ذاتها… لكنّ الأثر لم يحدث.
قال له ذات مساء:
"أنا صنعتها كما تصنعها. راقبتك، وكررت ما رأيت… لكنّ المفعول لا يظهر إلا حين تلمسها يداك.. . لماذا؟"
ابتسم الأب يوسف ابتسامة بعيدة، كأنّه يسمع سؤالًا قديمًا، همس : ربما كان الشئ أمامك ولكنك لا تراه!
ثم أدار وجهه نحو الرفوف، كمن أفرغ ما في القلب دون أن ينطق بسرّه.
وفي صباح غائم، مرّت طيور زرقاء تحوم حول الحانوت، تتقافز فوق السطح، وتغرد بلحنٍ بدا لعلي مألوفًا.
قال الشيخ يوسف وهو يحدق فيها:
"هذه جاءت من بلاد بعيدة … تفتّش عن ظلّ الدفء. لا تُخطيء الحانوت."
مدّ يده فهبط طائر صغير فوق كفه، مبلل الجناحين، فمرّر يوسف سبابته على رأسه بلطفٍ بالغ،
ثم لفّه بعشبة من النعناع البريّ، وهمس له بكلمات لم يسمعها على
قال :
"الطيور لا تمرض حين تُسمَع، بل حين تُهمل أصواتها."
كانت عشرات الطيور تقف في صفوف أمام الحانوت
صامتة كأنها تنتظر دورها للقاء الشيخ يوسف
كان بينها ببغاء مكسور الجناح، حمامة لا تطير، وعصفور خافت الصوت.
عالجها يوسف كلها… لا بأدوية، بل بحكي، وغناء خافت، وعشبة تُغلى على نارٍ هادئة.
في الحكايات التي يسردها، لمن حوله كانت الطيور تبدوا كأمنياتٍ لأناس رحلوا، وبقيت هي معلقة كأنها أرواح هائمة
تفتّش عن بيتها.
وذات أمسية، حضر علي جلسة لم ينْسها.
دخلت امرأة أربعينية، تتدثّر بصمتٍ ثقيل.
قدّم لها والده شراب الأعشاب وقال:
"اشربي… وابقَيْ قليلاً."
قال بهدوء للجميع:
"لن نصحّح شيئًا اليوم… فقط نحكي."
فبدأت الحكايات تُسكب على الطاولة.
امرأة تحدّثت عن خيانة قديمة، رجلٌ هزّ رأسه بأسى، وآخر ضحك ثم بكى.
أما تلك المرأة، فحين جاء دورها، همست:
"أخاف أن أنسى وجه أمّي."
لم يعلّق. فقط وضع عشبة صغيرة في كوبها وقال:
"هذه لا تذكّرك بها… بل بكِ حين كنتِ تتذكرين."
شربت. وساد صمت… كأن الهواء تغيّر.
وفي مساء آخر، عاد علي متعبًا، وجهه يحمل انكسار العلم حين يعجز.
وجد والده يقلب أعشابًا فوق النار، فاندفع نحوه:
"كفى يا أبي! هذا عبث! أناس يتركون العلاج ليجلسوا أمام دخانك وأوهامك!
العالم كله يركض نحو التقدّم، وأنت تمشي للخلف!"
أجابه يوسف بهدوء:
"بل أنا أستمع للريح… وأنت تصرخ في الفراغ.
من قال إن التقدّم هو أن ننسى حكمة القدماء؟"
صرخ علي وقد انفجر صبره:
"لكن لا شيء ممّا تفعل موثق! لا دليل! لا تجربة سريرية!
أنت تمسح على الجرح وتظنّ أنك شفيته!"
نهض يوسف، عيونه تلمع بغضبٍ ناعم:
"وأنت؟ تزرع آلة في القلب وتظنّ أنك فهمت الحياة؟
العلم يا بني لا يُلغي السرّ… بل يقترب منه.
وأحيانًا… لا يُشفى الإنسان من المرض، بل من الفقد. من الخوف.
من الكسر الذي لا تراه الأشعة."
سكت علي، كأن شيئًا داخله يتزلزل. همس:
"أنا لا أفهمك…"
قال يوسف:
"لستَ مجبرًا أن تفهمني،

كانت أمه تكره الأعشاب. رغم صمتها أمام ضيوف الحانوت، إلا أن علي، وهو صغير، كان يراها تشيح بوجهها حين ينثر والده أوراق الزعتر أو يحرق البخور.
كانت تقف عند الباب، تمسح الغبار عن الكتب، وتهمس كأنها تحاول تذكير نفسها بأنه كان ذات يوم طبيعيًا.
وذات مساء، اشتدت نوبتها. سعلت حتى انحنى جسدها، وارتجّت أواني المطبخ من صوت سعالها المتقطع.
أسرع يوسف نحوها، أمسك بكفها المرتجفة، ناولها كوبًا من شرابه القديم.
لكنها، ولأول مرة، دفعت الكوب بعيدًا.
قالت بصوت واهن:
"… أعطني مسكنًا فقط."
ثم نظرت إلى علي، كان فتى وقتها، لكنها قالت له كأنها تعتذر:
"ليس كل من يتألم… يريد أن يُشفى بسحرٍ أو حلم. بعضنا فقط… يريد أن ينام بلا وجع."
كان يوسف واقفًا، لم يتكلم. كأن كلماتها صفعت فيه عمرًا طويلًا من الرجاء.
وفي المساء، وجدوها جالسة قرب النافذة، وجهها نحو السماء ، وفي يدها، الكوب الذي رفضته.
شربته في النهاية... لكنها لم تبتسم.
قال الطبيب إن الموت جاء بهدوء.
أما يوسف، فجلس قربها حتى الفجر، يمسّد شعرها كأنّه يحاول استرجاع الزمن.
كان علي، يراهما معًا … أمه التي اختارت لحظة المغادرة، وأباه الذي لم يملك إلا حكاية قد لا تؤمن بها سوى الأرواح.
في تلك الليلة، كتب علي في مفكرته:
"أمي لم ترفض الأعشاب… بل رفضت أن تُشفى بشيء لا تؤمن به.
وأبي لم يُجبرها… بل ترك لها القرار حتى لو كسره.
كانا مختلفين… لكن الحب بينهما، هو الشيء الوحيد الذي لم يحتج وصفة عشبية، سحرية

وفي فجرٍ رماديّ، استيقظ علي على صوتٍ ناعم، أشبه بهمس نسمةٍ تدعو أحدًا للرحيل.
دخل إلى الحانوت، فوجد أباه جالسًا كما اعتاد كانت الطيور حوله، تملأ المكان، صامتة كأنها تحرسه.
كان يهمس بكلمات لا تُفهم، يمرّر يده على الأعشاب كمن يودّعها.
رفع رأسه، نظر إلى علي طويلًا، ثم قال:
"الريح ستأخذني اليوم… لكن لا تخف، لديك ما يكفي لتسمعها."

، كانت عيناه تلمعان بدمعٍ لم يسقط، ثم قال بصوتٍ خافت، تصطك فيه النغمة بالحشرجة:
"لا تُغلق باب الحانوت يومًا."
ثم أضاف، وكأنه يسلّم مفاتيح العالم الذي بناه من أوراق يابسة:
"ابقَ بابك مفتوحًا… فبعض الأرواح لا تطرق، لكنها تحتاج من يستقبلها."
"داوِ الناس بيدك، واسمعهم بقلبك… فالحكاية أقرب من الدواء.، العِلم قد يعلّمك كيف تشفي الجسد… لكنه لا يُنقذ الروح."
"حين تسمع الريح… ستفهمني."
"لا تبحث عني في الكتب… أنا هناك، حيث يُشفى الصمت بالحكاية."

اقترب علي، أمسك يده، وجدها دافئة كأنها تختزن كل دفء الأرض.
قال الشيخ يوسف، وعيناه تهمسان بالحياة التي عاشها:
"لا تُغلق باب الحانوت… لا تُغلقه، يا علي."

ثم أغمض عينيه، والطيور بدأت تعزف لحنًا عجيبًا عميقًا، لا يشبه أي صوت عرفه علي من قبل.
وفي اللحظة التي أسلم فيها يوسف روحه، ارتفع الطائر الأزرق من فوق صدره، دار دورةً كاملة في الحانوت، ثم خرج من النافذة.
تبعته كل الطيور.
وبقي علي وحده…

بقي علي وحده…
يحمل يد أبيه، ويبكي صامتًا.
لم يقل شيئًا.
لم يصرخ.
لم ينادِ علي أبيه
فقط، ظلّ يضمّ كفه الدافئة كأنّه يتمسّك بآخر نبضةٍ في العالم.

وبعد برهة من الزمن بدت ثقيلة وحزينة وعميقة جدا ، قام ببطء.
جمع الأعشاب التي تركها والده، رتّبها كما رآه يفعل آلاف المرّات.
أشعل النار تحت إبريقٍ نحاسي، وبدأ يغلي أول وصفة.
فتح باب الحانوت على اتساعه، وجلس في ذات المقعد.
لم يقل إنه شيخ.
لم يدّعِ أنه يملك سرًا.
لكنّه حين جلس، حلّ السكون ذاته…
وجاءت طيور جديدة، وحكايات لم تُروَ بعد.

وفي اليوم التالي، مرّت امرأة حزينة.
قالت: "هل الشيخ يوسف هنا؟"
فأجابها بصوتٍ هادئ يشبهه:
"هو في كل ما بقي."

ثم قدّم لها شرابًا من الأعشاب، وقال:
"لا تشربيه لتُشفى آلامك، بل لتسمعيها…"

تعليقات

يقول الروائي والناقد المبدع الكبير محمد محمود الفخرانى :

في «حانوت يوسف» يشرق سرد شريف محيّي الدين إبراهيم كما لو كان عزفًا خفيًّا لرباعيات تي·إس·إليوت في «رباعيات الأرض الخراب».
أنفاس الحكاية هناك تتفتّح بين الرمزية والسكون، فتنتقل بنا من صمت البدايات إلى ذروة الألم الأنيق، قبل أن تعيدنا برفقٍ إلى لحظة الصفح والعودة للأصل البسيط.

الأب يوسف ليس بائعًا عاديًا، بل طيفٌ نوراني ينسج معنا كتلة الحنين، ويصلح جراح القلب بحركة واحدة من يديه.
كأن إليوت يهمس في أذن النص:

هنا حيث تبدأ النهاية، هنا تبدأ الرحلة، وكأنها دعوةٌ للغوص في هدوء الدكان، حيث للإنسان خلوة مع ذاته، وللكلمة سلطانٌ على العدم.
 
تقول الكاتبة الكبيرة الأستاذة؛ عزة رشاد

. . لا أجامل وأنت تعلم ذلك أخي شريف فمذ بدايتك وأنت مبدع كبير وإن كنت لم تأخذ حقك ككانب كبير ومبدع قدير
وإن كنت أدري أنك تعلم ذلك ولا تبالي لأنك ترى أن الأدب رسالة ، وإن كنت أناشد النقاد أن يلتفتوا إلى أدبك ويضعوا أعمالك الابداعية على طاولة النقد ، وأيضا" أساتذة الجامعة بأن تقرر بعض من أعمالك الابداعية على الطلبة ، وإن كان طلبي ليس أمرا" وإنما إضاءة على ابداع حقيقي في حاجة لأن يكرم من أجل الحياة الأدبية والإنسانية .
دمتم ودام ابداعكم الراقي
تحياتي مع ألف نهر لا ينضب من الاعتزاز والاحترام والتقدير .
 
أعلى