علي حسن جمعالي - المتحف في بلاد الأمير.. قصة قصيرة

كان هناك متحف واحد في بلاد الأمير، واحد لا ثاني له في ربوع البلاد... كان المتحف يسمى ” متحف الأمير” وكما هو واضح من اسمه كان لشخص الأمير فقط... كانت مقتنيات الأمير تُجمَع وتُعرَض في هذ المتحف. وخلاف مقتنيات كل الأمراء والملوك، الرؤساء والقادة التي غالباً ما تجمع وتعرض في المتاحف للذكرى والتاريخ بعد رحيلهم عن دنياهم وعن شعوبهم، فإن مقتنيات الأمير في بلاد الأمير قد خصص وعيّن لها، بأمر من الأمير نفسه، فريق عمل فريد ومتخصص في جمعها وعرضها في المتحف الوحيد في البلاد... وهو مازال حياً وشاباً!
بدأ الفريق مهامه بجمع وعرض كل مقتنيات الأمير القديمة: كتب ومصاحف، مجلات وجرائد، بنادق ومسدسات، سيوف رماح وخناجر، ملابس وأحذية، سيارات وطائرات، ساعات يدوية وصور فوتوغرافية، سبحة ونظارة، أقلام ودفاتر… كل شيء ... كل شيء كان الأمير قد إقتناه يوماً ولم يبتلعه الدهر. وفي نهاية كل سنة، كان الفريق يقيم عرضاً خاصاً وجديداً في “متحف الأمير” للمقتنيات التي تمّ جمعها في تلك السنة.
كان المواطنون في بلاد الأمير يأتون من كل فجّ للزيارة والمشاهدة. كانت زيارة “متحف الأمير” إجبارية في البداية... إجبارية على كل مواطن ومواطنة في بلاد الأمير، ثم ومع مرور الزمن تحولت إلى عادة وطقوس علق بها عقل وقلب كل مواطن ومواطنة. مرّت سنين وإنتهى الفريق من جمع وعرض كل مقتنيات الأمير القديمة… وحين لم يعد لديه ما يجمعه ويعرضه، بلّغ الفريق الأمير ” الفجوة” التي يواجهها ” متحف الأمير”، فبشّر الأمير الفريق بأن الأمر بسيط وله حل، وبأن لديه مقتنيات كان يجمعها من قديم الزمان، سوف تسد الفجوة الحالية.
توجه الفريق مسرعاً إلى القصر الأميرى، استلم المقتنيات الجديدة من الأمير. مقتنايات كثيرة وكافية حيث اضطرّ معها الفريق إلى إخلاء المتحف من كل المقتنيات القديمة. بعد إتمام عمليات ترتيب المفتنيات الجديدة، أطلق الفريق دعاية لا مثيل لها طوال السنة. كان المواطنون في بلاد الأمير ينتظرون بفارغ الصبر نهاية السنة لرؤية تلك المقتنيات
.ً انتهت السنة وجاء يوم العرض والمشاهدة في ” متحف الأمير” كما جاء المواطنون من كل حدب وصوب في بلاد الأمير… فتحت أبواب المتحف وإندفع الجمع الغفير من الشباب والشيوخ والنساء والأطفال نحو المقتنيات الجديدة… كان الكل قد تعود على أن يطبع قبلة على كل مقتنى من المقتنيات المعروضة أو على الأقل أن يلمسه بيده حين لا يسعفه الزمن والزحمة. لكن هذه المرة، وخلاف كل العروض السابقة، كان هناك أمر غريب؛ رائحة كريهة نتنة أخذت تفوح من كل أقسام المتحف. كانت الرائحة قوية…قوية للغاية بحيث شعر بها الزوار وهم على بعد كيلومترات من المتحف. وكان هناك زوار أخرون، مواطنون من نفس البلد ولكن من جنس أخر... أسراب من الذباب خارج وداخل المتحف، هي أيضاً جاءت منجذبة نحو المقتنيات الجديدة! لكن كل هذا لم يمنع المواطنين المخدّرين بحب أميرهم عن الإقبال على المقتنيات الجديدة، فقد تزاحموا عليها في شغف ولهفة، حتى صرخ أحدهم ” يا له من أمير مضحى ومحبّ لشعبه… أنظروا بالله عليكم، إنه لم يبخل علينا شيئاً… فقد كلّف نفسه تخزين فضلاته من أجلنا!…حفظك الله ورعاك يا سمو الأمير وكثّرالله فينا أمثالكم” وهو يمطر القبلات والدموع على الأكياس البلاستيكية المعبأة بفضلات الأمير!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى