كانت مرايا عجيبة ، سحرية .. حين ينظر فيها أهل المملكة تزول همومهم و مشاكلهم و تتبخّر أيّة فكرة تراودهم عن الثورة و الحرية و الحق و العزّة و الكرامة
في مملكة الملك ” سعيد جذلان الثاني ” كان الجميع سعداء .. النساء ، الرجال ، الأطفال ، العجائز ،الفقراء ، الأغنياء ، الأصحاء ، المرضى ، المجانين ، الحكماء ..كلّهم كانوا سعداء . المملكة نفسها كان اسمها ” مملكة السعادة ” .. و كان الملك ، منذ تولّيه العرش ، بعد وفاة والده الملك “جذلان بن مسرور الأول ” قد جهّز كل بيت في المملكة بمرآة . لم تكن مرايا عادية . كانت مرايا عجيبة ، سحرية .. حين ينظر فيها أهل المملكة تزول همومهم و مشاكلهم و تتبخّر أيّة فكرة تراودهم عن الثورة و الحرية و الحق و العزّة و الكرامة ، مجرّد النظر فيها يدخلهم في حالة من النشوة و الهدوء و السعادة فيمضون في حياتهم فرحين مستبشرين ، و ينطلقون إلى أعمالهم و مشاغلهم اليومية صامتين مبتسمين ، هانئين راضين.. مكتفين بالنزر القليل الذي يجود به عليهم الملك في نهاية كل شهر من مدخول أراضيهم الزراعية الخصبة الشاسعة الممتدة بطول المملكة و عرضها ، و التي كان الملك و وزراؤه يستولون على محاصيلها من تمور و حوامض و أعناب و قمح وذرة دون أن يجرؤ أحد أبدا على الاعتراض أو الشكوى أو التذمّر .. و لماذا يتذمّرون ؟ لقد كانوا سعداء . و كان الملك ، في كل يوم جمعة ، يخرج إلى الناس و يخطب فيهم ، خطبا رنّانة ، عن السعادة و الاستقرار ، عن القناعة التي لا تفنى ، عن ضرورة الولاء للملك و حاشيته ، عن نعمة السكوت الذي هو من ذهب .. نفس الخطب يختمها دائما بنفس الأوامر ( لكي تظلّوا سعداء يجب أن تحافظوا على مراياكم و أن تنظروا فيها مرتين في اليوم : صباحا مع طلوع الفجر و مساء قبل أن تخلدوا إلى النوم .. و من يخالف أوامري ستصبّ عليه اللعنة و يصبح شقيا بائسا ، و يندم و لا ينفعه الندم ) .. و حين ينهي الملك خطبته يسأل الرعية بصوته الجهوري : هل أنتم سعداء ؟ فيردّ الجميع بصوت واحد : نعم ..أيها الملك السعيد .. نحن سعداء . و هكذا استمرت الحياة السعيدة في المملكة السعيدة لأعوام عديدة . إلى أن كان يوم .. علم الملك بأنّ أحد الرعايا يدور في السوق و يردّد بأنّه غير سعيد . اغتاظ الملك و تسلّل الرعب إلى قلبه ، خشي أن يصاب شعبه بالعدوى من ذلك الرجل لكنه قال في نفسه ..هو رجل واحد فقط ، لن يؤثّر في البقية ..سوف أرى في أمره ، إما أن أصلح مرآته أو أعزله عن الرعية .. دعا الملك إليه فريقا من الحراس .. قال لهم آمرا : انتشروا في المملكة و أتوني بالرجل فورا . و في أقل من لمح البصر ، جيء بالرجل موثوق اليدين و أوقف أمام الملك .. – ما اسمك ؟ – سعدان بن فرحان – أخبرني يا سعدان .. لماذا لست سعيدا ؟ – لأني لست سعيدا . – أتسخر منّي ؟ أسألك فتجيبني بسؤالي ؟ – عفوا سيدي الملك . لم أعرف كيف أجيبك .أعتقد بأنّي لست سعيدا لأني بدأت أفكّر . ” مشكلة حقا “..همس الملك في أذن مستشاره .” الرجل يفكّر ” . – هل خالفت أوامي و تجنّبت النظر في مرآتك ؟ – لا .. لم أفعل سيدي الملك ..كنت مداوما كما أمرتَ على النظر فيها .. – ما المشكلة إذا ؟ – منذ يومين ، نظرت في المرآة فإذا بها خدوش عميقة ..و لأول مرّة لم أستطع رؤية السعادة و وجدتني أفكّر في أمر أرضي و حدائقي و ضِيَعي التي هي تحت يديك . – من تجرأ و خرّب المرآة ؟ أخبرني حالا و إلا قطعت رأسك . – لا علم لي سيّدي الملك . فكّر الملك مليّا ثم قرّر أن يرافق الرجل إلى منزله لكي يعاين بنفسه المرآة و يرى ما يمكن فعله .. في الطريق صادف الملك رجلا آخر مصابا بنفس الفيروس ..إنّه يفكّر ، و مرآته بها نفس المشكلة .. خدوش عميقة . ازدادت حيرة الملك لكنه قال في نفسه .. بسيطة .. رجلان فقط . يمكنني تدبّر الأمر . لكن الملك التقى برجل ثالث . نفس المشكلة .. ثم رابع .. ثم امرأة في ربيع العمر ، ثم عجوز في خريف العمر .. و أسقط في يد الملك . راح يفكّر .. هل يسارع إلى تصليح المرايا المشروخة أم يبحث في سبب تلفها و يقتل من تسبّب في ذلك ..؟ و لكن ، قبل أن يستقر الملك على رأي ، كان أكثر من نصف الرعية قد تجمهروا حوله يشتكون بؤسهم و هوانهم ، و يهتفون بضرورة تكسير المرايا الكاذبة