د. احمد الباسوسي - حينما يبتعد الزمن… قصة قصيرة

الزمن ابتعد … توقفت عند إشارة المرور الضوئية … التفتت يمينا … ثم يسارا … ثم تابعت … ابتعدت أكثر… سرعة سيارتها الفائقة تكاد تسبق سرعة ضربات قلبها الصغير الذي يرتجف من الهلع خلف ثديها النافر المتحفز … دهست بقدم صغيرة مذعورة كابح السيارة قبل أن تطيح بسيارة أخرى أمامها من فرط تعجلها المذعور … صوت احتكاك العجلات بالأرض خلع قلب سائق السيارة الأخرى … فانفلتت عبارات السباب البذيئة تطير من فمه في الهواء تداعب شعرها الذي تيبس … وعينيها اللتين تحجرتا … ويكاد ينفلت منهما البريق …. لم يعد لديها المقدرة على المضي أكثر من ذلك … انزوت في أول شارع جانبي … تصيدت مكانا حشرت فيه سيارتها وأطفأت المحرك بيد مرتعشة للغاية …

ابتعد الزمن أكثر … بريق عينيها يتلاشى في الظلام … من زجاج السيارة المفتوح نصف فتحة لمحت كهارب … وأشباح تروح وتجيء … وأصوات بشرية غامضة يتم تداولها في خفوت ونغمات نشاز لهواتف نقاله مخبأة داخل الصدور والعيون … وأطفال يهرولون بسرعة خلف كرة من البلاستيك صغيرة سقطت من إحدى النوافذ المضيئة …ابتعد الزمن أكثر فأكثر … لما دخلت في إغفاءة … اخترقها فجأة صوت لسيدة عجوز … اقتحم وجهها المجعد الناشف زجاج سيارتها المفتوح نصف فتحة … تسألها نقودا لتأكل … رمقتها بعينين ميتتين بغير بريق … ولا وميض … ضاع صوت السيدة المتسولة مع أصوات الشارع ولم يعد من صدى لأي شيء … ابتعد الزمن أكثر فأكثر فأكثر … قبل أن تتمكن من تحريك ذراعها الأيسر العاري … وتشعر بآثار جروح لخربشات طولية ، ودماء حديثة تغطي ملابسها … ومازالت الدماء تسيل … التفتت للذراع الأيمن … اكتشفت نفس الشيء … رفعت ثوبها إلى الفخذين … اكتشفت نفس الخربشات … لكن الجروح المحفورة في اللحم بالأظافر الشرسة النهمة أعمق … والدماء أكثر غزارة … ابتعد الزمن أكثر فأكثر فأكثر فأكثر … تكاد تستفيق … وجوه الناس بدأت تتضح خلال زجاج السيارة … الأصوات البشرية مسموعة الآن بوضوح … وحتى كهارب أعمدة الإضاءة البعيدة بدت تشع في عينيها بريقا مميزا … قلبها الصغير خلف الثدي النافر مازال يدق بشدة … يديها البضتين مازالتا ترتعشان … كأنهما ماس كهربائي مستمر … ملامح صورة الرجل اقتحمتها الآن … لم تكن راغبة في منحه نفسها حينما تحرش بها … أصر الرجل على ذلك في نهاية الحفل … وحينما انصرف الناس من منزله الريفي بالمنصورية … كان يزداد شراسة كلما استعصت عليه … طرحها أرضا … ظلت أظافره تحفر في جسدها الناعم البض … وظلت تصرخ وتتلوى … تقاوم بشدة كلما ازدادت قوة نهمة وشراسته حتى أنهكته … قامت على عجل تلملم ملابسها في حالة فريدة من الاستنفار والذعر والصراخ المستمر … حتى وصلت لسيارتها … الآن بدأ الهدؤ يتسرب إلى رئتيها وقلبها … تدير محرك سيارتها الذي استجاب بسرعة … بدأت تعدل في هندامها وشعرها … وتمسح آثار الدماء بالمحارم … قبل أن تدفع السيارة للأمام وتمضى … ابتسمت باستغراب حينما احتوتها فكرة أراحتها كثيرا … وهي تمضى في الشارع … قالت لنفسها … ” إنها بالغت كثيرا في ردة فعلها حيال رجل ثري كريم … دعاها لحفلته وقدم لها الحب ” … عبثت أصابعها داخل حقيبتها بحثا عن تليفونها النقال … أخرجته بأناملها … فتحته وقد كان مغلقا … دقت رقمه … مازال في العزبة … خرج صوتها … هادئا … ناعما … ودافئا هذه المرة ..” أنا آسفة … موش عارفه عملت كده ازاي… وليه ” ؟ … لفت مقود السيارة مرة ثانية … في اتجاه الطريق الدائري من جديد … سارت بأقصى سرعة في اتجاه العزبة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى