الدكتور احمد الباسوسى - كوب من الشاى بالميرامية.. قصة قصيرة

كأنه خبر وفاة، صورته مرقت امامي بسرعة بينما كنت اقلب في صفحتي على موقع الفيس بوك الاليكتروني، شخص ما ينعيه داخل العالم الافتراضي، تجاوزت الدهشة بسرعة، ارجعت الصورة والكلام فوقها وتحتها، استغرقتني الدهشة ثانية واستغرقني الحزن. لم استطع ان احدد على وجه الدقة سبب هذا الغزو المشاعري الذي اصابني بغصة رهيبة، غصة الافتقاد. تزاملنا فترة محدودة، عانينا معا، شربنا الشاي بالميرامية معا، تجولنا في طرقات المدينة معا، تبادلنا القصص وحواديت النميمة معا، لكن انقطع كل شيء منذ زمن بعيد، التواصل، الاتصال، اتذكر انه لم يفكر في الاتصال بي منذ ان غادرت عكس مافعل آخرون كثر. طوى الصفحة بقدرة مدهشة كما يطوي صفحة كتاب بين كفيه. لماذا كل هذه الغصة المقبضة التي تملكتني على الرغم من مرور كل تلك السنوات على افتراقنا؟. دائما اضبط نفسي حاقدا على هؤلاء الاشخاص ذوي المقدرة الفريدة على طي صفحات علاقاتهم القديمة بسهولة، والاستغراق في علاقات جديدة. ودائما اضبط نفسي حاملا هم الفراق والافتقاد. هو بالتأكيد رجل قوي، قادر على المرور من بوابات الواقع القاسي بسهولة. الغصة تتملكني جدا، تزعجني، تلك النظرة الساخرة التي يرمقني بها من داخل العالم الافتراضي، تدفع بي دفعا الى الاكتئاب. تأملته جيدا بعد ان تمكنت من استيعاب رسالته التي مررها ببساطته المعتادة، كان انيقا ومهندما مثل عادته، اعتاد ان لايظهر في العمل أو في الشارع وحتى يوم وفاته سوى في بدلته الرسمية، منحته وقارا وهيبة اضافيين مقارنة بزملائه، نجح كثيرا في استغلال هذا الأمر ولا يزال. الآن ينظر نحوى، ابتسامة ساخرة تملا جبينه، تلتمع بها عيناه الغامضة غموض الجبال الشاهقة في الظلام. سمعته يسخر مني، يذكرني بالشاي ابو ميراميه الذي يصنعه لي ونحتسيه سويا في لقاءتنا، كان ذلك في ذروة لحظات تقاربنا، وكانت موجات الصفاء تتهادى في مروج افئدتنا. لايزال يهمس في اذني، يذكرني بمعاركه التي لم يخوضها، وصداماته التي لم تحدث، كان يجيد لعبة تجنب الصدامات الشيطانية، ابتسامته ما تزال تملأ وجهه، ليست ساخرة هذه المرة، بل جادة وحزينة، طالبني أن انظر الى داخله حيث اهترأت احشائه، ومسرى الورم اللعين الذي لايرحم، اندهشت جدا، ارتجفت أوصالي، اخبرته بكلمات مرتعشة عن صورته وهيئته الكاملة التي اعتدنا ان نراه عليها، لأول مرة يخبرني انه كان مريضا جدا، وضعيفا جدا، وفي حاجة الآن الى كوب من الشاي بالمرمرية مثل الذي كان يصنعه وكنا نتحلق حوله وتتحلق بنا الايام مع تلك الذكريات المحمومة بالدفء والروعة. طلبت منه البقاء لدقائق، دلفت الى المطبخ اعددت كوبين من الشاي بالميرامية بالطريقة التي اعتاد ان يصنعها، وضعت احدهما بجواري والآخر بجوار صورته الباسمة وبدأنا نرتشف معا أكواب الشاي مثل زمان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى