يعقوب عبد العزيز - أدب الرسائل...

إلى : فاطمة
في جنازتها الأخيرة



[1 ]

تمامًا كنت أشبه المحّار في ذاك الصّباح ، تذبحني الرتابة ومختنق بليالي طويلة ، كان الطّقس هادئًا ومتواطئا وتحترق في حُلمي المدينة
كسولاً كنتُ وأنا أعيد إحكام زرّ قميصي
وكانت عاجزة وهي تحاول وهمًا سحبي من أدغالٍ بعيدة
لقد كنتُ هادئا ومخيفًا وكانت محافظة على ثورانها الدّخلي في تلك اللحظة كانت تشبه البحر، رغم أنني غيرُ مهيأ البتّة لمقابلة الأمواج والأعاصير .
تقفز أمامي على الطّاولة ببراءة طفلة وأنا أخاف البحر (لموقف مشابه حصل معي في بيروت ).
أحدثُ نفسي
أنه من غير المهم أن يأتيك الحب في مظروف أو في مروحيّة تحمل جرحى عسكريّين أو بالمصعد الكُهربائي أو حتى على مقعد خلفي لعربة تاكسي

تشرّبت الطّاولة ملامحي المذعورة
وكانت تقفز هي ببراءة الرضّع قلبها متشعّب بحكايات وغيرة مفرطة وتسيل من عينيها الكالحتين أمومة واضحة

وكنت خائفًا أترقّب، لم أشعر بالأمان يومُا لا في حياتي القصيرة أو الطويلة كنت قلِقًا حيال الأمن الذي يفلت الباب عليّ الآن ويقوم بتعليق ذراعي بالأصفاد أو حتى انهيار مفاجئ للبناية ، كنت اعتقد أفكر في الشّرطي الذي سيظهر الآن باللباس الرسمي أو حتى القنّاص الذي سيقوم بتفتيت رأسي وهذه مبررات كافية لأن أكره المقاهي رغم أنني لم أرتكب أي جُرم

وكانت تعاين لاضطرابي بإستغراب أشدّ و مشاعرها مختلطة بين الفرح والحزن والدّهشة ثم قد قال لها منظري وشرح لها كثيراً قبل أن أتحدث أنا..

كنتُ ضئيلاً جداً أمامها بمظهر أقرب للفوضوي وبرغم أناقتي العادية في ذاك اليوم الا أنني لم أربط حذائي بصورة صحيحة ولم تنتبه هي لطالما لم نكن في عهد الأحذية المربوطة
(لقد انحدرت نحو الثلاثين في العمر والى هذه اللحظة أعجز عن ربط حذائي) وهذه عادة كبرتُ بها.

لم تسألني عن إسمي أو كنيتي لكنني تعوّدت على صوتها كان دفئا جداً وحميميًا
عانقتني خجولة وانتحبت أمامي كسيرة وكنت في اللّحظة ذاتها أطرح لها أبوّتي مع تعاظم في المسؤليّة

كنا ننهار معًا للأسباب ذاتها ونندفع للأسباب ذاتها، تحدثنا كثيرا في إرهاصات مُتعبة ، تسلّقنا بأقدام مكابرة جبال الخوف، وكانت تعلم حساسيتي من العطور، إلاّ أنها زودتني بقارورة عطرها المفضّل.

تجمّدت أمامي خجولة وعضّت على قلبها مقاومة شعور جارف بالانسانيّة حتى أو بالحب وخائفة جداً ودعتني..
إلى اللقاء…

وكنت أعلم دائمًا أنها تكابر ، أنها بحفنة طين..تنتظر المطر وتنتظر..

[2 ]

السماء سجادة مثقوبة بالآف النجوم وأنا تحت أيّ نجم سعيد أجلس ، وهل أجلس لأكتب أم أفكر
كيف يفعل رجلٌ مجنون في مدينة كهذه بعد ان ينطح رأسه بالجدار، أجيبيني أيتها البنت صاحبة الأصابع الطريّة،

وهل الكتابة هي في الاساس احتيال على مالم نستطيع البوح به أم على البكاء الذي نحتفظ به لأسباب محض أو العناقات التي هي من نصيب الدمى القطنيّة
والكتابة هي الكتابة
الكتابة البرتقالة التي تتقشّر الكتابة السيدة الوحيدة في الحديقة الكتابة مشرط جرّاح حلمة ثدي فرس هائج نجمة في علم البلاد
الكتابة كرسيٌّ مكسور في أروقة فندق منديل مبلل شفرة حادة الكتابة حلزون سلكٌ فولاذي رفيع، الكتابة مستنقع الطيّن وبذلة بيضاء الكتابة كومة أمواس إبر الوخذ شال القرويات ، شظايا زجاج متكسّر وعقاب لا احتمله.

اسألك هل أكتب اليوم لأحتال على الأسى في داخلي؟!

بربك أخبريني ماذا أفعل في هذه المدينة الصُّلب، الغرفة خانقة ومن شفرتها يتأمل معالم المدينة شاعر كئيب، أرجوك أعطيني سببًا لئلا أنتحر..

وتجيبين من مكان برائحة الملح
أيها الولد الحلو : هل أنت الطائر الذي يتكئ على طرف السنبلة ليواسي وحدة الفزاعة في حقل رماد؟!

[3]

البنت المتسعة في داخلي هل تسمعيني ؟

أرسل جفلة قلب إلى أمي ، أمي لا تعلم أحادثك أنت..أنت لا تنصتين مشغولة عنّي بأشيائك مشغولة طرق المدينة بالإطارات الجديدة مشغولة عني العصابات بتجارة السّلاح والطائرلت بمدرجاتها والقطط بأكياس الحليب اسألني هل أتحول إلى ربطة شعر،

مُتعب أنا من كل شيء الطقس بارد ينخر عظامي، يتساقط على سريري الكلس الأبيض ملائتي تفقد لونها سجائري بلاطعم يفرّ مني الأصدقاء أكره صرير الباب وأحب عجلات القطار مستلقي أنا على السكك الحديد يسير عليّ الجميع بلاوجهة مختنق جداً تؤلمني معدتي أكرع كأس البيرة الرخيص. يضاعف من الآمي لا أكثر مشغولة عّني بأحذيتك الصغيرة إبنتي أنت ، أنتِ حبيبتي كيف تسمحين لي بالتضائل والموت هل يغريك ذلك..
هل يغريك العالم المتفتق داخلي كنائس ومساجد وبارات ومنازل للكلاب الأليفة العالم كله برياض للأطفال وزيوت لماكينات المصانع، العالم بنوافذ كثيرة والعاب بهلوانية بقُبل سريعة خلف الأذقة الدافئة بالصراصير الميتة وحبوب المهدئات، وطرق طويلة للسابلة هل أغريك أنا

أمامي محطة للوقود لكنني أفكر في أعمدة الجسر وبالوعة المياه العادمة

مطبخ كبير في شقتي مطبخ كبير لكنني أشعر بالجوع، في غرفتي سرير شاسع لكن لا أحد يحتضنني سوى الحزن الحزن متمدد على صدري وانت لا يهمّك ذلك، يسرقن النساء سمرتي لعرس النعنع وأنا أموت كوردة ، أحاول أن أغيب في دهاليزي السريّة اتخبط كخفاش في الظلام اصطاد الصراصير من خباياها البعيدة اعود بطلقة أو بمزهريّة ..المهم ألا أبتسم..

تجيبين وكأن ذلك لا يعنيك..

أتّبع الشمس سأسال عنك الفجر ونلتقي هناك لا تدع المدينة تهزمك

[4]

في البلاد البعيدة عن أصوات المدافع، في الحي الذي يضجّ بالأعياد لأنك تقطنه، في البحر حيث يجدّف قلبك، وفي المتنزهات والأطفال والكثير من مسببات الفرح، أدين لتلك الصغيرة التي لا أعلم عنها غير أنها زهرة فأسميتها "فلّة"
صديقتك الصغيرة المفعمة بالقصص والأمنيات البريئة، التي تضع يدها الصغيرة في يدك وتقول لك: لنبتسم

أخبرها أنها تصنع معك سعادات كثيرة تصبح أزهارا في حديقة بعيدة."قلبي"

لعلها لا تتوقف عن أفعالها الصغيرة

هنا ياعزيزي لا يمكنني أن أغار، أنظر للصورة وأحبكما
لذا ألف قبلة وألف زهرة وألف ابتسامة للصغيرة التي تحمل في وجهها كوكبا من الفرح.بالفعل
يالحظّ من يعاينوك بالمجان، أحسدهم وأتمنى لو كنت كلهم أنا لأشعر بحجم الرضا الناجم عن ذلك..
وللحظة تتفتح
بابتسامة أمام عيوني مثل قديس في بيت سماوي : يا لتلك اللحظة الشاعريّة
الوشاح يلتحف بعنقك حاملا معه رائحة الأرض بعد المطر
القبعة التي تليق بك جدا

أيها الولد الوسيم انظر للبحر خلفك
والتي كانت محظوظة بطريقة ما لتتعلق بأماليد الشمس أنظرُ للبحر خلفك
وأقول رغم ذلك لست مثلك يا بحر لست بارعة في تنظيم موجات الحنين في بحر أجهله بعد.
يكفيني من الحديث الآن
توقفت العصافير عن تصوير المشاهد واِخباري.

الكتابة إليك لا أعلم هي عادة أم حاجة، إلا إنها منقذتي من الموت هذه الأيام أنا المحاصرة بكل مصائِده فأنا غبية وموهومة ومذنبة
مذنبة بكثير من الخطايا، بالكذب عليّ، بالأوهام التي ألفها حول قلبي وأتتبعها كالعمياء، وغبية لحب ماليس لي وبقدر ذلك أنت مذنب، لأنك تدعوني للكلام أنا الملغومة بالصمت
البارحة رهنت روحي، صفقت كل أبواب الكلام، وانطوت شفاهي على صمتها
أحيانا أرفع خنصري في وجه الحياة وأخاصمها وأكره الجميع، أتدرب ليلاً على الانتحار، تخطر على بالي هذه الطريقة التي رأيتها أنسب للوحة فنية، ان وضعت كرسياً ووقفت عليه سيكون رأسي كرة جيدة للمروحة، سهلة وسريعة، ضربة جانحة في مرمى الموت

وصباحا أجدني أواعد الحياة أقول انها حلوة أغازلها لتميل على كتفي
وأمسك بيدها يوميا أرفع كأسي للموت والحياة أجدني لا أملك رفاهية الاختيار مهما قذفت العملة تكون اما وردة أو رصاصة.هذه الليلة ترتفع كؤوسها نخب المرأة التي تركت على سترتك السوداء، صوتها المضيء

الأمر أشبه بأن تلتقي بسعادة ملتفة بطائرة ورقية، تحلّق في سماء أمنياتك تحاول أن تتمسك بها بأصابعك العشرة، تعض بأسنانك وقلبك و تفقدها لأنها ل مم تكن ملكا لك يوما
قلت لربما أنه القدر

[5]

لا أذكر قولك مرّة لو كنت مهيأة لأن أعشق لعشقتك أنت ، أو حسبما ذُكر ..
حوار العشق هنا اليوم أقول قد لا يهم..لطالما لازلت تخبئيني في داخلك كإشاعة
هل تخافين عليّ من مخلوقات الله والمصائب أم تغارين عليّ من بنات الأنس، دعينا من ذلك أيضًا فأنا أكتب إليك ولأسباب كثيرة أكتب إليك
في الفرح في الحزن في الوحشة في التشرد
في الضبابية في الجنون في الانتشاء في نفاذ الصبر أكتب إليك في الوحدة
حتى او في الزحام
فأنا مصاب بك يا عزيزتي كما أنك ممتلئة بي وتفيضين..

أو أقول أهرب إليك بالكتابة بالوجع ذاته، وجع الأحرف المشتعل على أصابعي مثل لهب المجوس، فأعجنيني خبزاً إن شئتِ انت أيضًا..

أوأذكريني عند كوب بابونجٍ ساخن سأكون لحظتها هناك هناك تمامًا أشاركك الضّحكة مع صديقاتك الجامعيّات وأغيب فجأة حتى تعثرين عليّ خائفا أرتعد في أغوار قلبك البعيدة.

أشعر بالبرد أرجوك أرسلي لي معطفا أو قبلة

[6]

لا أخبئك وأنت حبيبي أيها الولد الذي يتسلق شرفتي ويقرع نافذتي في ليالٍ كثيرة يأخذني معه ويعيدني قبل الفجر
أحفظ قصتك مع الغياب أنا التي لا تغفر ،
أغفره وأنتظرك لتعود بعد ليال مرة مجروح أعري فيها روحك فتتوسدني وتنام ، ووحدي فقط تعلم ما حدث

ومرة تأتيني ممتلئ بالحب أنظر إليك وأشهق فقط
في كل مرة تطرق علي أجد وجهاً وشخصاً ألفته ووحدي من تنتمي إليه كيف لا أخبئك!

أحب أن أخبئك أنت ملكي بعقلك وثقافتك ومزاجيتك ولغتك وبقلبك، بقلبك يا عزيزي قلبك الذي لم أعرف غيره
لم اخشى مزاجك العاصف يوما ولم أستغرب هدوئك.
سمائك واسعه رغم التيه الذي تقف على حافته فأخبئك لأني أحبك هكذا.

[7]

وأنت تجلس في ركن المقهى الجديد تحاول أن تألف طعم البنّ الفاخر، وتفكّر في المدينة
تخيل لو قطعت عينك الآن ورميتها من النافذة قبل النظر إلى الشارع، بحكم الغيرة التي لا تحتاج إلى مبررات
تسألني عن سبب فعلي لذلك فلا أجد، هل يحتاج المرء ليغار للحصول على الضوء الأخضر لفعلها يا عزيزي؟
يجب سأبدأ رسالتي بعزيزي الجاهل عن غيرة النساء، لكنك تعرفهن أكثر منّي..
لا أعرف عنك شيئا لكن هناك مبرر كافي لأن ابقى معك بدون خوف.

[8]

إيتها البزّاغة الصغيرة قلتُ لك ذات مرّة وأنا أقبض حفنةً من مـاء:
لقد صالحتني الغيوم، وبكت يومها أرضي البور مثل آخر مرّة عثرت فيها على امرأة تحبّ " الطين".

وقلت لك مرّة وأنا أواجه ذات الشّتاء القاسي وأعضّي بأضراسي على صدَفة نفاها البحر عند سريري في ذاك الموسم، أمطار الشّتاء هي كذبة المتوسّط البيّنة
وقلتُ لك مرّة حين نمى حقل ريش في إبط أيّامـي سأطير غداً لأموت بعيداً عن مدينة البرد .أردفت (وأنا أواصل نوبة الفرح الحزين)
كجميع الذين ضحكوا وهم يغلقون الباب على أصابعهم وأشرتُ إلى أقرب نقطة في قلبي

وصحتِ :قم فأنجو
.
كنتِ لحظتها قريبة جداً كالبُعد وكان الوقت يمر عليّ بيوم مقداره ألف قبلة. حدّثتني كثيراً في مساءٍ غامض وصببتِ البارود على كمّ قميصي. حدثتني عن القمر الآفل وفلسفة الملح، ودورة الجيولوجيا.
كنتِ تشدّين من أزري وتقولين كلاما يصلني بصعوبة.
قل أيها الولد المهم ألاّ تبقى صامتًا أمام امرأة مخبولة عليك

[9]

((لم يحبك أحد في هذا العالم أنت لم تكن سوى القطار الذي عبر فيهم محطات الإدهاش فقط)).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى