فوز حمزة - مُلهم من ورق...

أحبُّ كتابةَ القصصِ على ضوءِ النهارِ، لأمنحَ شخصياتي من الصبحِ إشراقتهِ، ومن الشمسِ وضوحها، أو ربما هو هاجسٌ كي أجعلها نسخًا مكررة مني ولِمَ لا ؟ ألستُ أنا مَنْ خلقها ؟.
بطلٌ ورقي من أبطالي - كنتُ أفضلهُ على الآخرين - استفزهُ ما كتبتُ ، فقال لي بعد أن وضع ساقًا فوق ساق:
ماذا قلتِ؟ تجعلينني نسخةَ منكِ، هذا غباء .. غباء!.
بتكرارهِ للكلمة تمكنَ من الحوزِ على غضبي! .
لففتُ ذراعيَّ حَولَ صدري، ورجعتُ بظهري على الكرسي أفكرُ في العثور على ردّ مناسب لذلك الجاحد، ثم لأقول له بثقة:
هل تدرك أنني وببضعِ كلمات قد أخلعُ عنكَ روبَ الطبيبِ الذي تتباهى به، وأجعلكَ مجنونًا ترقص أمام المرآة؟ وبكلماتٍ أخرى، أجعلُ قرائي يتعاطفونَ معكَ بعد تعرضكَ للسجن، والتعذيب، وبكلِ بساطة قد أخلقُ منكَ صعلوكًا مضحكًا!. لا أخفيكم سرًا، لقد قسوتُ عليهِ قليلًا، أو ربما كثيرًا!.
بعد لحظةِ صمتٍ، نجحتُ في إثارة استغرابهِ، فاستطردتُ وأنا أحاولُ التخفيفَ من وطأة ما قلتُ: لا تخفْ ، لن أفعلْ أيّ شيء مما كتبتهُ، بل سأجعلُ منكَ أميرًا وسيمًا كأمراء القرون الوسطى. هل تفضلُ فرسًا بيضاء أم شهباء؟.
لم يرد، وسحبَ نفسًا عميقًا من سيجارة وضعتها في فمهِ حالما رأيته يتجه نحو النافذة، ثم طلبتُ منه نفثَ الدخانِ ببطءٍ وعيناه تحدقُ في الفراغ.
بصوتٍ هادئ ، وأنا لا أعني ما قلته تمامًا، كتبتُ له:
لو شئتُ لجعلتُ الموتَ نهايتكَ ...
قاطعني مندهشًا:
هل يحق لكِ فعل ذلك؟ أيّة مغرورة أنتِ، أعرفُ أنكِ تخفين وراء كلماتكِ هذه ذكرى حبيب خانكِ، أو مدير عنّفكِ، أوربما صديق خذلكِ. ثم أردفَ بعد تراجعه عدة خطوات: لقد ذهبتْ بكِ الأحلام بعيدًا أيّتها الكاتبة!.
قلتُ بيني وبين قلمي:
لِمَ لا ! لا أحلم إلّا حينما أكتب ، سأجعلُ منك الرجلَ الذي أحلمُ به .
ثم نظرتُ إلى الأعلى لأبعدَ أفكارهُ عن رأسي، وفي ذاتِ الوقت، أحاولُ العثورَ على نهايةٍ تليقُ بالبطل الذي أحبه، لكننّي أخشى إن أنا منحته حريته، سيتحول إلى رجلٍ يشبه الذين أقابلهم في المقهى، أو العمل !.
الوقتُ يقتربُ من الغروب، وبطلي يجلسُ على الأريكة يقرأ في روايتي المفضلة، ويحتسي قهوتي المرّة، منتظرًا نهايته التي سأكتبها على يدي.
تركتُ الورقة والقلم، سرتُ نحوه. أغمضتُ عينيَّ وتركتُ يدي تداعبُ شعره الكثيف اللامع ثم تركتها تنزلق نحو وجهه الجميل متحسسة ملامحه. رفعَ رأسهُ وثمة ابتسامة ولدتْ على فمهِ غطتْ على السطور الأولى.
نهضَ من مكانهِ متلفتًا خشية أن يرانا بطلٌ آخر فيسرقني منه، لكنْ السطور كانتْ فارغة سوى منه. تبادلنا قبلة المساء ثم رقصنا على ضوء شمعة وحيدة قرب نافذة تطلُ على بحرٍ.
انتهى الليل، وهو يصنعُ لي سريرًا من زهرِ الأقحوان وعطر القرنفل وتركني فوقه كي أغفو وأكمل الحلم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى