استيقظت مذعورة على اتصال في الماسنجر، الساعة كانت تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل بدقائق، احتجتُ إلى لحظات لأستعيد وعيي وأعرف من شاشة الهاتف اسم المتصل، إنها مريم العادلي، زميلتي في العمل الذي كنت أزاوله في بغداد قبل أن استقيل وأهاجر.
ما الذي ذكرها بي ونحن لم نكن على اتصال ببعضنا؟! لكن بوجود العالم الافتراضي أصبحنا مخترقين لمن يود ذلك!.
أغلقت الهاتف لتلقينها درسًا في احترام خصوصية الآخرين.
عند الصباح، وأنا أقود سيارتي متجهة للعمل، عرفت من مريم في اتصال آخر منها أن زوجها قادم إلى صوفيا ليقدم أوراقه كلاجئ سياسي على أن تلتحق هي وأولادها به بعد حصوله على قرار الإقامة الدائمة، خمنتُ ما الذي تريده مني بعد أن طلبت رقم هاتفي ليتسنى لزوجها الاتصال بيّ حال وصوله.
قلت لنفسي بعد إنهاء المكالمة: أيام من القلق والتعب بانتظاري.
عليّ أن أكون برفقة الزوج لأقدم له المساعدة، وكأنني مسؤولة عن شؤون اللاجئين هنا.
وأنا أقرأ اسم زوجها الذي دونته برسالة في الماسنجر، صعقت! قلت لنفسي، وأنا غير مصدقة: ربما هو تشابه أسماء ليس إلّا، لكن هل يصل التشابه للجد الرابع؟!.
بحثتُ في صفحة الصديقة للتأكد من اسم زوجها، إنه خطيبي السابق، بل الخائن الذي تركني من أجل فتاة أخرى، شهور طويلة فشلت في معرفة اسم من فضلها عليّ، الآن كأنني أشاهد فيلما في صالة سينما، ما عليّ سوى الانتظار لمعرفة كل شيء.
بدأتُ أعد الدقائق مترقبة اتصال منه. تم ذلك بعد يومين، كنت حائرة خلالها كيف أتصرف حينما ألتقي به.
حددت له موعدًا في أحد مقاهي صوفيا، خلعتُ قفازيّ قبل أن أمد له يدي للمصافحة والترحيب به ببرود وكأنه شخص لم يسبق لي رؤيته، لكن لم تمر لحظات حتى عادت لي ذكرى أيام خطبتنا، وأنا أنظر لعينيه وهو يتحدث عما جرى له في الرحلة من بغداد إلى صوفيا، تذكرت أحاديثنا ولهونا، كلماته العذبة التي كان يسمعني إياها، فقاطعته معتذرة لانشغالي، وحددت له يومًا آخر لنباشر بإجراءات اللجوء.
شعرت بالنصر على رجلٍ أهان أنوثتي وسبب جرحًا كنت اعتقد أنه اندمل لغاية اليوم، ربما ظن أنني سأسامحه وأنسى. يكون غبيًا لو صدق ذلك!.
تعمدت أن أماطل في الذهاب معه، وتحججت بأسباب واهية للتأجيل في كل مرة وكأنني كنت انتقم منه ومن تلك التي حلت في قلبه بدلًا عني، لكن بعد مرور شهر كان لابد من وضع نهاية لهذا الأمر الذي أخذ حيزا من تفكيري كافيًا ليربك حياتي.
قلت له:
ـ عليك أن تقدم لهم كل ما من شأنه أن يعزز قصتك، لكن أين الأوراق التي ستحتاجها حينما تذهب إلى دائرة اللجوء، ألم أطلب منك إحضارها؟!.
قال بعد لحظات:
ـ لدي ما أخبركِ به.
ـ هل هناك شيء؟.
ـ نعم. لقد غيرت رأيي، سأعود إلى زوجتي وأولادي، لم يمضِ سوى شهر على فراقي لهم واستبد بي الحنين و قتلني الشوق فكيف لو طال الأمر لسنوات؟!.
شعرت كأنه يمزق قلبي بين يديه. استأنف حديثه وهو ينظر إلى الشارع:
ـ كان هذا الشهر ضروريًا لاختبر نفسي، انتصر الحب أمام فشلي.
هنا شعرت بالغضب يتدفق من كل مسامات جلدي، فصرخت به:
ـ تريد العودة ثانية لتلك المرأة التي سرقتك مني؟.
حدق فيّ باستغراب ليقول:
ـ لم تسرقني أيّة امرأة يا هند، لقد تعرفت على مريم بعد فسخ خطوبتي منك بأشهر.
ـ لكنكَ أخبرتني بأن مشاعرك نحوي قد تغيرت.
ـ نعم. لا أنكر هذا، وجدت أن الحياة بيننا ستصبح مسرحًا للصراعات والخصومات، فكان علي حسم الأمر لصالحنا.
لم أجد ما أرد به عليه، أيعقل أنني كنت السبب لسنوات طوال وأنا أرى نفسي تلك المغدور بها؟.
قلت هذا في نفسي ثم التفت إليه بينما شحنات الغضب تتشاجر فوق ملامحي.
ـ أتعني أنني ...؟
فقاطعني بالقول:
ـ نعم. ولم أبح بالأمر لئلا أجرح مشاعرك.
ـ ولكن؟
وقبل أن أكمل حديثي، وبينما هو ينتفض واقفا ليرتدي معطفه الأسود، أمسكتُ بأطراف المعطف وكأني أريد الاختباء فيه مني ومن تلك اللحظة التي أدخلت الرعب في جسدي. سحب معطفه بهدوء وابتسامة صفراء تعلو جبينه وهو يهمس على مقربة مني:
ـ كوني بخير يا هند.
.................
نُشرتْ في مجلة المهاجر الأسترالية الورقية..
العدد 369 .. 15 مارس 2025.
شكرًا للصديقة غيداء عبق الياسمين رئيسة تحرير المجلة ..
ما الذي ذكرها بي ونحن لم نكن على اتصال ببعضنا؟! لكن بوجود العالم الافتراضي أصبحنا مخترقين لمن يود ذلك!.
أغلقت الهاتف لتلقينها درسًا في احترام خصوصية الآخرين.
عند الصباح، وأنا أقود سيارتي متجهة للعمل، عرفت من مريم في اتصال آخر منها أن زوجها قادم إلى صوفيا ليقدم أوراقه كلاجئ سياسي على أن تلتحق هي وأولادها به بعد حصوله على قرار الإقامة الدائمة، خمنتُ ما الذي تريده مني بعد أن طلبت رقم هاتفي ليتسنى لزوجها الاتصال بيّ حال وصوله.
قلت لنفسي بعد إنهاء المكالمة: أيام من القلق والتعب بانتظاري.
عليّ أن أكون برفقة الزوج لأقدم له المساعدة، وكأنني مسؤولة عن شؤون اللاجئين هنا.
وأنا أقرأ اسم زوجها الذي دونته برسالة في الماسنجر، صعقت! قلت لنفسي، وأنا غير مصدقة: ربما هو تشابه أسماء ليس إلّا، لكن هل يصل التشابه للجد الرابع؟!.
بحثتُ في صفحة الصديقة للتأكد من اسم زوجها، إنه خطيبي السابق، بل الخائن الذي تركني من أجل فتاة أخرى، شهور طويلة فشلت في معرفة اسم من فضلها عليّ، الآن كأنني أشاهد فيلما في صالة سينما، ما عليّ سوى الانتظار لمعرفة كل شيء.
بدأتُ أعد الدقائق مترقبة اتصال منه. تم ذلك بعد يومين، كنت حائرة خلالها كيف أتصرف حينما ألتقي به.
حددت له موعدًا في أحد مقاهي صوفيا، خلعتُ قفازيّ قبل أن أمد له يدي للمصافحة والترحيب به ببرود وكأنه شخص لم يسبق لي رؤيته، لكن لم تمر لحظات حتى عادت لي ذكرى أيام خطبتنا، وأنا أنظر لعينيه وهو يتحدث عما جرى له في الرحلة من بغداد إلى صوفيا، تذكرت أحاديثنا ولهونا، كلماته العذبة التي كان يسمعني إياها، فقاطعته معتذرة لانشغالي، وحددت له يومًا آخر لنباشر بإجراءات اللجوء.
شعرت بالنصر على رجلٍ أهان أنوثتي وسبب جرحًا كنت اعتقد أنه اندمل لغاية اليوم، ربما ظن أنني سأسامحه وأنسى. يكون غبيًا لو صدق ذلك!.
تعمدت أن أماطل في الذهاب معه، وتحججت بأسباب واهية للتأجيل في كل مرة وكأنني كنت انتقم منه ومن تلك التي حلت في قلبه بدلًا عني، لكن بعد مرور شهر كان لابد من وضع نهاية لهذا الأمر الذي أخذ حيزا من تفكيري كافيًا ليربك حياتي.
قلت له:
ـ عليك أن تقدم لهم كل ما من شأنه أن يعزز قصتك، لكن أين الأوراق التي ستحتاجها حينما تذهب إلى دائرة اللجوء، ألم أطلب منك إحضارها؟!.
قال بعد لحظات:
ـ لدي ما أخبركِ به.
ـ هل هناك شيء؟.
ـ نعم. لقد غيرت رأيي، سأعود إلى زوجتي وأولادي، لم يمضِ سوى شهر على فراقي لهم واستبد بي الحنين و قتلني الشوق فكيف لو طال الأمر لسنوات؟!.
شعرت كأنه يمزق قلبي بين يديه. استأنف حديثه وهو ينظر إلى الشارع:
ـ كان هذا الشهر ضروريًا لاختبر نفسي، انتصر الحب أمام فشلي.
هنا شعرت بالغضب يتدفق من كل مسامات جلدي، فصرخت به:
ـ تريد العودة ثانية لتلك المرأة التي سرقتك مني؟.
حدق فيّ باستغراب ليقول:
ـ لم تسرقني أيّة امرأة يا هند، لقد تعرفت على مريم بعد فسخ خطوبتي منك بأشهر.
ـ لكنكَ أخبرتني بأن مشاعرك نحوي قد تغيرت.
ـ نعم. لا أنكر هذا، وجدت أن الحياة بيننا ستصبح مسرحًا للصراعات والخصومات، فكان علي حسم الأمر لصالحنا.
لم أجد ما أرد به عليه، أيعقل أنني كنت السبب لسنوات طوال وأنا أرى نفسي تلك المغدور بها؟.
قلت هذا في نفسي ثم التفت إليه بينما شحنات الغضب تتشاجر فوق ملامحي.
ـ أتعني أنني ...؟
فقاطعني بالقول:
ـ نعم. ولم أبح بالأمر لئلا أجرح مشاعرك.
ـ ولكن؟
وقبل أن أكمل حديثي، وبينما هو ينتفض واقفا ليرتدي معطفه الأسود، أمسكتُ بأطراف المعطف وكأني أريد الاختباء فيه مني ومن تلك اللحظة التي أدخلت الرعب في جسدي. سحب معطفه بهدوء وابتسامة صفراء تعلو جبينه وهو يهمس على مقربة مني:
ـ كوني بخير يا هند.
.................
نُشرتْ في مجلة المهاجر الأسترالية الورقية..
العدد 369 .. 15 مارس 2025.
شكرًا للصديقة غيداء عبق الياسمين رئيسة تحرير المجلة ..