2
أنزل رصيف شارع بِسلا الجديدة. أدخل دكاناً وأشتري قنّينة ماء مُتوسّطة الحجم. أستمرّ في المشي وأقترب من مسجد كبير جميل المعمار، يُنعت بمسجد الإمام مالك. أجلس غير بعيد عنه، فوق مصطبة حجريّة. أصبحتْ لديّ عادة الجلوس فوق هذه المصطبة كلّما أوصلتني قدماي إلى هذا المكان، وهما كثيراً ما تفعلان. إلى يميني شارع كبير، به حركة سير نشيطة. وفيما وراءه هنالك منبسط من الأرض به أشجار متناثرة ونباتات خضراء... إلى يساري، باب كبير من أبواب دائم الانغلاق حسبما لاحظت.
ما الذي كان يحدث في مرّات سابقة إثْرَ مجيئي إلى هذه المصطبة؟ كانت ثلاث وأربع سيّارات - تكون في الغالب سوداء - تنزل، على التّوالي أو بشكل متزامن، عبر الشّارع الذي إلى يميني، وإذ تدخل في مجالي البصريّ، تتوقّف إحداها بِضغط مباغت على الكابح، وتتوقّف الأخريات أبعد منها قليلاً، وكلّ من السّيّارات تقوم بنصف دورة وتعود، وقد تتوقّف واحدة منها أو أكثر بِقُربي للحظات، وقد يُحَدِّق فِيّ سائق إحداها مُطَوَّلاً وقد لا يفعل... لقد ألفتُ هذا النّوع من العَرْض السّينمائيّ، فلا تأثير له عليّ. أمّا اليوم، فإلى يميني، على مسافة نحو خمسين متراً منيّ، هنالك صاحب عَربةِ يَد يبيع عصير قصب السُّكَّر. وعلى الرّصيف الآخر، شخصٌ قصير يلبس فوقيّة من صُوف سوداء مُخطّطة بالأبيض، يُمسك بيد طفل في نحو الخامسة ويقطعان الشّارع قادِمَين صوب المسجد. الطّفل الصّغير يَسحب إلى جانبه درّاجة هوائيّة صغيرة، خفيفة. يَمضي الرّجل القصير والطِّفل عبر مسلك ضيّق لِيَجلسا أمام باب المسجد المُغلَق. وسيّارات قليلة تسير في الشارع الآن، الطّفل، إلى يساري، يجرّ درّاجته ثمّ يَعتلي سرجها، وبقدميه يضغط مِدْوسيها. يَطوف بِدرّاجته في دائرة بالقرب مِن الشّخص القصير، الذي يمكن أن يكون أباه. بعد لحظات، تبدو لي خمس نساء في مُقتَبَل العُمر، قادماتٍ من بُعد مئة متر تقريباً. درّاجة الطّفل أصبحتْ تَصل به أحياناً حتّى حافّة الشّارع. النّسوة الخمس الشّابّات يتمشّين متقاربات ويصلن إلى فسحة أمام المسجد. الطِّفل يَنْعطف بِدرّاجته نحوهنّ وينفذ مِن بينهنّ. تتوقّف إحداهنّ وتشرع في توبيخه. تتوقّف الأخريات بِدورهنّ. يسألهنّ الأب (مِن بعيد) ما بِهنّ. تقول واحدة: "فليبقَ طفلك إلى جانبك. لقد صَدَم ساقي بِعجلة درّاجته. إنّه عديم التّربية". وتقول أُخرى: "تُنجبون الأطفال وتتركونهم سائبين في الشّوارع". هنالك ثالثة تضحك، ورابعة تفعل مثلها. الخامسة تبقى صامتة. يتوجّه من أظنّ أنّه أبو الطِّفل للمرأتين اللتين تكلّمتا بالشّتائم. ثمّ ينعت مجموعة النّسوة الشّابّات بأقذع النّعوت. لكنّهنّ لَا يُجِبنه. ثلاث منهنّ شرعن الآن في الضّحك بصوت مُرْتفع. أستغربُ مِمّا أراه وأتأمّل المشهد. حين مرّت الشّابّات بالقرب منّي، لَم أُلاحِظ على وجوههنّ أيّ أثر للغضب أو التّذمّر، بل بَدتْ لي خدودهنّ مُتورّدة، كأنّ ما سمعنَه كان إطراءً لهنّ. أمر غريب. أُفكّر أَنّ في الأمر مسرحية ما (رديئة طبعاً).
بعد لحظات، نهض الرّجل، وجاء صوبي، يتبعه الطّفل الذي كان يقتاد درّاجته ولا يركبها. ووقفتْ سيّارة سوداء في الشّارع، جنب الطِّوار القريب منّي. نزل منها رجل طويل يلبس جاكيتة خضراء، فمضى نحوه الطّفل بدرّاجته. فتحَ الرّجل الطّويل الصّندوق الخلّفيّ للسّيّارة، ووضع فيه الدّرّاجة. بَقِي واقفاً والطّفل بجانبه. أمّا صاحب الفوقيّة الخشنة، فقد قصدني. وقف على بُعد خطوتين منّي وقال: "أرأيتَ أولئك العاهرات؟ أَسَأْنَ لابني لكنّني أشبعنهنّ شتماً". ابتسَم وحدّق فيّ. قال لي: "ما رأيك؟ عاملتهنّ بالأسلوب الذي يليق بهنّ؟ وكان ممكناً أن أكون أسوأ مَعهنّ". صمت قليلاً ثمّ افترّت شفتاه عن ابتسامة خبيثة جديدة. بقيتُ أنا صامتاً. قال هو: "فما رأيك؟". تصنّعتُ الابتسام ولَم أُجِب. أدخل يده اليُمنى إلى جيب فوقيته وأخرج منه مِطواة صغيرة، اجتذبَ نَصلها من مَكمَنه، مُفْرِداً إيّاه. حرّك سكّينه قُبالة وَجْهه وقال لي: "كان ممكناً أن أستعمل هذه الشّفرة ضِدّ أيّ واحدة منهنّ".وأطلق العنان لِضحكة مصطنعة مَديدة. ثمّ تقدّم نحوي خطوة. ورفع مسكّينه إلى مستوى وجهه، وبدأ يُحرّكها بِشكل مُتسارع. كنتُ ما أزال جالساً فوق المصطبة، وكان هو يَقترب منّي أكثر فأكثر، ويَمدّ يده أكثر ويُدني النّصل مِن وجهي. نزلتُ وانتصبتُ واقفاً أمامه. قُلت: "لَمْ يَحدث شيء قبيح، في نهاية المطاف". قَرَّب الآن نَصل سكّينه مِن وجهي، وبدأ يُحرّكه يمنة ويسرة. قال: "انظُرْ ما كنتُ سأغرز في لحم أيّ منهنّ لو أنّها...". شعرتُ بِتضايق وانزعاج، وتوتّرتْ أعصابي حين قرّب نَصْل مطواته مِن خدّي الأيمن. رفعتُ ذراعيّ أمامي وقُلْتُ له: "أَبْعِد نصلك عن وجهي". قال، وهويَمُطّ شفتيه: "هذا النّصل كان سيطعن أيّاً منهنّ لو أنّها... أنت ما لك علاقة". قلتُ بِصوت حادّ: "هنّ انصرفن الآن. أَبْعِد نَصلك عن وجهي"، وشددتُ قبضتيّ ورفعتُ ذراعيّ قريباً من وجهه، فقد أردتُ أن أستفزّه بِدَوري. كان أقصر منّي، وفكّرتُ أنْ أسحب قبضة يُمناي بِسُرعة وأُوجّهها إلى فكّه السّفليّ، لكنّي فضّلت ألّا أُطبّق الفكرة التي راودَتني. وربّما كانت عيناي قد أفصحتا عمّا جال بذهني، فقد تراجع غريمي خُطوة. قلت له: "الآن، انصرفْ... اِذْهبْ...". خطا إلى الخلف، عائداً القهقرى، ثمّ التفت إلى الجهة الأخرى وخطا خطوتين. اقتربَ من صاحب السّيّارة السّوداء التي كان الطّفل واقفاً بجانبها، وتوقّف. إثْرَ ذلك، اندلق من فمه سَيل مِن الشّتائم، توَجّه بها إليّ. ورددتُ عليه بِما جادتْ به قريحتي في ذلك المضمار. ثمّ صعد سائقُ السّيّارة الواقفة إلى مقعده، وركب هو بجانبه، وكان مقعد خلْفِيٌّ مِن نصيب الطّفل. وانطلقت بهم السّيّارة السّوداء وابتعَدَتْ.
أنزل رصيف شارع بِسلا الجديدة. أدخل دكاناً وأشتري قنّينة ماء مُتوسّطة الحجم. أستمرّ في المشي وأقترب من مسجد كبير جميل المعمار، يُنعت بمسجد الإمام مالك. أجلس غير بعيد عنه، فوق مصطبة حجريّة. أصبحتْ لديّ عادة الجلوس فوق هذه المصطبة كلّما أوصلتني قدماي إلى هذا المكان، وهما كثيراً ما تفعلان. إلى يميني شارع كبير، به حركة سير نشيطة. وفيما وراءه هنالك منبسط من الأرض به أشجار متناثرة ونباتات خضراء... إلى يساري، باب كبير من أبواب دائم الانغلاق حسبما لاحظت.
ما الذي كان يحدث في مرّات سابقة إثْرَ مجيئي إلى هذه المصطبة؟ كانت ثلاث وأربع سيّارات - تكون في الغالب سوداء - تنزل، على التّوالي أو بشكل متزامن، عبر الشّارع الذي إلى يميني، وإذ تدخل في مجالي البصريّ، تتوقّف إحداها بِضغط مباغت على الكابح، وتتوقّف الأخريات أبعد منها قليلاً، وكلّ من السّيّارات تقوم بنصف دورة وتعود، وقد تتوقّف واحدة منها أو أكثر بِقُربي للحظات، وقد يُحَدِّق فِيّ سائق إحداها مُطَوَّلاً وقد لا يفعل... لقد ألفتُ هذا النّوع من العَرْض السّينمائيّ، فلا تأثير له عليّ. أمّا اليوم، فإلى يميني، على مسافة نحو خمسين متراً منيّ، هنالك صاحب عَربةِ يَد يبيع عصير قصب السُّكَّر. وعلى الرّصيف الآخر، شخصٌ قصير يلبس فوقيّة من صُوف سوداء مُخطّطة بالأبيض، يُمسك بيد طفل في نحو الخامسة ويقطعان الشّارع قادِمَين صوب المسجد. الطّفل الصّغير يَسحب إلى جانبه درّاجة هوائيّة صغيرة، خفيفة. يَمضي الرّجل القصير والطِّفل عبر مسلك ضيّق لِيَجلسا أمام باب المسجد المُغلَق. وسيّارات قليلة تسير في الشارع الآن، الطّفل، إلى يساري، يجرّ درّاجته ثمّ يَعتلي سرجها، وبقدميه يضغط مِدْوسيها. يَطوف بِدرّاجته في دائرة بالقرب مِن الشّخص القصير، الذي يمكن أن يكون أباه. بعد لحظات، تبدو لي خمس نساء في مُقتَبَل العُمر، قادماتٍ من بُعد مئة متر تقريباً. درّاجة الطّفل أصبحتْ تَصل به أحياناً حتّى حافّة الشّارع. النّسوة الخمس الشّابّات يتمشّين متقاربات ويصلن إلى فسحة أمام المسجد. الطِّفل يَنْعطف بِدرّاجته نحوهنّ وينفذ مِن بينهنّ. تتوقّف إحداهنّ وتشرع في توبيخه. تتوقّف الأخريات بِدورهنّ. يسألهنّ الأب (مِن بعيد) ما بِهنّ. تقول واحدة: "فليبقَ طفلك إلى جانبك. لقد صَدَم ساقي بِعجلة درّاجته. إنّه عديم التّربية". وتقول أُخرى: "تُنجبون الأطفال وتتركونهم سائبين في الشّوارع". هنالك ثالثة تضحك، ورابعة تفعل مثلها. الخامسة تبقى صامتة. يتوجّه من أظنّ أنّه أبو الطِّفل للمرأتين اللتين تكلّمتا بالشّتائم. ثمّ ينعت مجموعة النّسوة الشّابّات بأقذع النّعوت. لكنّهنّ لَا يُجِبنه. ثلاث منهنّ شرعن الآن في الضّحك بصوت مُرْتفع. أستغربُ مِمّا أراه وأتأمّل المشهد. حين مرّت الشّابّات بالقرب منّي، لَم أُلاحِظ على وجوههنّ أيّ أثر للغضب أو التّذمّر، بل بَدتْ لي خدودهنّ مُتورّدة، كأنّ ما سمعنَه كان إطراءً لهنّ. أمر غريب. أُفكّر أَنّ في الأمر مسرحية ما (رديئة طبعاً).
بعد لحظات، نهض الرّجل، وجاء صوبي، يتبعه الطّفل الذي كان يقتاد درّاجته ولا يركبها. ووقفتْ سيّارة سوداء في الشّارع، جنب الطِّوار القريب منّي. نزل منها رجل طويل يلبس جاكيتة خضراء، فمضى نحوه الطّفل بدرّاجته. فتحَ الرّجل الطّويل الصّندوق الخلّفيّ للسّيّارة، ووضع فيه الدّرّاجة. بَقِي واقفاً والطّفل بجانبه. أمّا صاحب الفوقيّة الخشنة، فقد قصدني. وقف على بُعد خطوتين منّي وقال: "أرأيتَ أولئك العاهرات؟ أَسَأْنَ لابني لكنّني أشبعنهنّ شتماً". ابتسَم وحدّق فيّ. قال لي: "ما رأيك؟ عاملتهنّ بالأسلوب الذي يليق بهنّ؟ وكان ممكناً أن أكون أسوأ مَعهنّ". صمت قليلاً ثمّ افترّت شفتاه عن ابتسامة خبيثة جديدة. بقيتُ أنا صامتاً. قال هو: "فما رأيك؟". تصنّعتُ الابتسام ولَم أُجِب. أدخل يده اليُمنى إلى جيب فوقيته وأخرج منه مِطواة صغيرة، اجتذبَ نَصلها من مَكمَنه، مُفْرِداً إيّاه. حرّك سكّينه قُبالة وَجْهه وقال لي: "كان ممكناً أن أستعمل هذه الشّفرة ضِدّ أيّ واحدة منهنّ".وأطلق العنان لِضحكة مصطنعة مَديدة. ثمّ تقدّم نحوي خطوة. ورفع مسكّينه إلى مستوى وجهه، وبدأ يُحرّكها بِشكل مُتسارع. كنتُ ما أزال جالساً فوق المصطبة، وكان هو يَقترب منّي أكثر فأكثر، ويَمدّ يده أكثر ويُدني النّصل مِن وجهي. نزلتُ وانتصبتُ واقفاً أمامه. قُلت: "لَمْ يَحدث شيء قبيح، في نهاية المطاف". قَرَّب الآن نَصل سكّينه مِن وجهي، وبدأ يُحرّكه يمنة ويسرة. قال: "انظُرْ ما كنتُ سأغرز في لحم أيّ منهنّ لو أنّها...". شعرتُ بِتضايق وانزعاج، وتوتّرتْ أعصابي حين قرّب نَصْل مطواته مِن خدّي الأيمن. رفعتُ ذراعيّ أمامي وقُلْتُ له: "أَبْعِد نصلك عن وجهي". قال، وهويَمُطّ شفتيه: "هذا النّصل كان سيطعن أيّاً منهنّ لو أنّها... أنت ما لك علاقة". قلتُ بِصوت حادّ: "هنّ انصرفن الآن. أَبْعِد نَصلك عن وجهي"، وشددتُ قبضتيّ ورفعتُ ذراعيّ قريباً من وجهه، فقد أردتُ أن أستفزّه بِدَوري. كان أقصر منّي، وفكّرتُ أنْ أسحب قبضة يُمناي بِسُرعة وأُوجّهها إلى فكّه السّفليّ، لكنّي فضّلت ألّا أُطبّق الفكرة التي راودَتني. وربّما كانت عيناي قد أفصحتا عمّا جال بذهني، فقد تراجع غريمي خُطوة. قلت له: "الآن، انصرفْ... اِذْهبْ...". خطا إلى الخلف، عائداً القهقرى، ثمّ التفت إلى الجهة الأخرى وخطا خطوتين. اقتربَ من صاحب السّيّارة السّوداء التي كان الطّفل واقفاً بجانبها، وتوقّف. إثْرَ ذلك، اندلق من فمه سَيل مِن الشّتائم، توَجّه بها إليّ. ورددتُ عليه بِما جادتْ به قريحتي في ذلك المضمار. ثمّ صعد سائقُ السّيّارة الواقفة إلى مقعده، وركب هو بجانبه، وكان مقعد خلْفِيٌّ مِن نصيب الطّفل. وانطلقت بهم السّيّارة السّوداء وابتعَدَتْ.