فوز حمزة - غمزة سعاد...

ما إن رأيتُها في المحفل الأدبي حتى تذكرتُها. إنها سعاد، زميلتي في المدرسة الثانوية، كنا نلقبها أنا وزميلات الصف بـ ( سعاد ندمانة ) لأنها دائمًا ما كانت تردد ( أنا ندمانة لدخولي الفرع الأدبي ).
سعاد كانت تكسرُ المنصوب، وتسمحُ للممنوع من الصرف أن ينصرف، وليس لديها فكرة عما تفعله أخوات كان بالمبتدأ والخبر، وحينما سألتها ذات مرة كيف تحصلين على درجة عالية في درس اللغة العربية وأنتِ لا تفرقين بين شعر المتنبي وبين شعر السياب؟ غمزت وهي تشير برأسِها إلى الأستاذ سعيد مدرس المادة.
انتهى الدرس بسماعِنا صوتَ الجرسِ ومعهُ انتهى حديثنا دون أن أفهم وقتها سر غمزة سعاد.
قلتُ لها بعد تبادل القبلِ والاحضانِ: لم تتغيري كثيرًا، ما زلتِ جميلة كما عرفتكِ.
ضحكتْ ومشاعر رضا ارتسمتْ على ملامِحها وسرعان ما سألتني: كيف عرفتِ بموعدِ جلسة الاحتفاء بمناسبة صدور ديواني الأول؟.
صُدمتُ لما سمعتُ، وكي أجنب نفسي الإحراج، نظرتُ إلى الـ ( البوستر ) المعلق داخل الصالة وفيه صورتها لأتأكد مما قالتهُ.
فكرتُ في إخبارها أننّي لم أكنْ أعرف ذلك، بل أن حضوري كان بناءً على دعوةِ صديقة أخرى، لكن سرعان ما تراجعتُ لئلا أمسي لصراحتي (ندمانة مثلها ) ، أيضًا انشغالها برد السلام لأحد من الحضور أنساها حديثنا، فما كان مني إلّا مباغتتها بسؤالٍ لم يستطع فضولي أن يكتمه، فقلتُ لها بنبرة صوت تعبرُ عن الاستغرابِ: كيف أصبحتِ أديبة؟
حاولتُ أن أخففَ من وطأةِ السؤال، فتابعتُ على الفور: أقصد متى اكتشفتِ موهبتكِ؟
نظرتْ إليّ نظرات ذات مغزى واضعة سبابتها على خدها الأيمن وإبهامها تحت ذقنها رافعة أحد حاجبيها ثم اقتربتْ مني حتى شعرتُ بأنفاسها تلامسُ أذني لتهمسَ: يا عزيزتي، المواهب قد تبقى مدفونة زمنًا طويلًا حتى يأتي الوقت المناسب لتتفجر.
لا أخفي عليكم أن كلمة ( تتفجر ) كان لها وقع كبير في نفسي.
سادَ صمتٌ قصير بيننا، لكننّي في النهاية، تظاهرتُ بالموافقة على رأيها لأننّي فعلًا كنتُ مقتنعة بهذا الرأي، الموهبة قد تتفجر إن كان هناك فعلًا موهبة، لكن مع سعاد الوضع مختلف.
حاولتُ قراءة أشعار زميلتي قبل بدء الجلسة كي أكوّنَ فكرة عنها، قصائد سعاد جعلتني أشعر كأننّي كنتُ أهرول في غابة ليس لها مخرج بينما الظلام يحلُ فوق كل شيء!.
جلستْ سعاد بجانبِ المحاور الذي راح يقرأ سيرتها الأدبية الحافلة ولم ينسَ الإشارة إلى منجزها الإبداعي الذي سينقذ الأمة من ويلات الاستعمار الحديث والقديم على حد سواء، وسيحدث تغييرًا جذريًا في
سيكولوجية الفرد العراقي في الألفية الثالثة ولم يغفل ذكر أن أشعار سعاد صفعة في وجه العلمانية والعلمانيين سيظل التاريخ يذكرها وأخيرًا شبه كتاباتها بالشمعة المشتعلة في نفق مظلم.
في نهاية الحفل، بينما سعاد كانت تتسلمُ الشهادة التقديرية، صفقَ الحضور لها وأنا معهم وحرصنا على التقاط صورة جماعية توثق هذه الذكرى.
نادتني سعاد وهي ما تزال تحت وطأة انفعال الفرح والبهجة تحملُ باقة ورد من أحدهم قائلة وهي تشير لرجلٍ يقفُ بجانِبها: تعالي كي أعرفكِ على الأستاذ، أنه شاعر كبير، احزري من يكون!
وحينما قرأتْ في وجهي علامات الجهل به، أضافتْ وابتسامة ماكرة بانتْ على شفتيها مع غمزة من عينها اليسرى: إنه الأستاذ سعد شقيق الأستاذ سعيد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى