سمية جمعة - وسـرقتها الدمـوع...

بدا المكان على اتساعـه، ضيقًـا على أحلامها الزهرية. تتساءل وهي تقلب أفكارها: هل يمكن أن يصبح هذا المقهى مكانًـا مناسبًـا لكتاباتها؟ تريد أن تكتب كيما تبتعد عن ضجيج الحياة وتلك الذكريات الـمؤلمة التي تسكن روحها..

كان يأتي لهذا المكان ويجلس عند الزاوية اليمنى جهة الشرق، صامتًـا ويكتفي بالنظر إلى نادل المقهى مع ايماءة شكـر من عيناه القمحيتين. له ذقن فوضوية بعض الشيء، بدأ يستولي عليها الشيب لا يحفل بحلاقتها كثيرًا .

يدخن لكن ليس بشراهة ككل الرجال هنا، يحمل معه صحيفة السفير ويغرق لساعات في قراءةٍ لا تتوقف بينما الناس منشغلة بهواتفها الذكية.

سرحت بأحلامها وتذكرت كيف أنها أكتشفت وقتئـذ بأن لا رجل بالمقهى يشبهه في طريقة حياته . ستكتب، نعم هذا قرارها، لكنها تتساءل: عن أي شيء ستكتب؟ هل مجرد رؤيته في زاويته ذلك الصباح ولمدة ثلاثة أشهر قبيل اختفائـه فجأة تصلح لأن يكون قصة حُـب؟

أي كتابـةٍ ساذجـةٍ هذه؟!

الحب لا يكون هكذا .. مما يؤثث بين طيات الأوراق ورائحة الحبر بل هو أعـمق وأكثر غـورًا مما نعتقد. لكنها تعرف أن تبادل النظرات مع رجلٍ عـابر ووحيد أشعل فتيل عالمها الغارق في صمت السنوات العجاف. تعرف أن وحدتها الثلاثينية كبئر لا بد أن تُـردم، لتكون مكانها شجرة مخضرة بالحياة.

كان هنا يأتي ثم انطوى ذكـره ولكنها بأنفاس عـاشقة قررت أن تسطر الحروف عن حب يسكن شرايينها ويتصيدها في جفاف الشهور الماضية .. فقط ستتخيل أيما ذكرى ترتجل كذبها وإن لم تختبر خبزها ..

فتحت أول صفحة في دفتر مذكراتها وكتبت:

مررنا من هنا. كانت الشوارع خالية إلا من وقـع أقدام الحنيـن، المطـر زائـر مفاجىء، بحجته احتمينا تحت سقيفـة ضيقة من الصفيح الصدىء وهكذا بصمت تعاهدنا وقتذاك ... تعاهدنا أن نكون...

لا، لا ما هكذا تخربش كيفما أتفق عن قصة حبٍ كبيرٍ يعيش في مخيلتها وحسب.. هذه سطور تصلح لتعبر عن تفكير فتاة مراهقـة ترى هوسها بفتاها كحب أسطوري، طرية العود لا تفـهم الحياة بعد، ستكتب لكن تلك الكلمات الفارقة التي تهز كيانها . يقطع عليها تفكيرها اتصال هاتفي من صديقتها " سهـى " لم تلتقيا منذ ثلاثة أسابيع، جميلة الروح والمعنى وتتبادل معها أسرارها كلما فاضت الأرواح بوجعها ..

-اهلا سُهى كيف حالك ؟

-الحمد لله ماشي الحال، وأنتِ يا عـاشقة أكيد عندك أخبار جديدة عـن...

-أعرف من تقصدين.

-اعـترفي يا مجرمة، أكيد تجلسين معه في المقهـى وأتفقتما على كـل شيء. لا تتسترين في القصة أخبري أهلك، نحن في مجتمع شرقي ، على بالك نحن في باريس؟! أوه .. عندي مكالمة كنت أنتظرها ، أتصل وقت آخر ، مع السلامة.

ختمت مكالمتها بسرعـة وهذا أفضل من تبادل كلمات التبرير لقصة مبتورة وغـريبة، أكان عـليه الاختفاء فجأة حتى... هل تسيء إلى نفسها وحيائها كفتاة فيما لو سألت عـنه صاحب المقهـى الشيخ الوقور؟ كان والدها سيكون بمثل هيئتـه لو أمتد بـه العمـر لكن مضى إلى ربــه برصاصة طائشـة في غفلة من الزمن بسبب هؤلاء الذين يفرغـون رصاص أسلحتهم في الأفراح، هُـم أبتهجوا وهو باغـتتهُ منيته بلا توقيت !

حملت ما تبقى من ألمها وقررت أن تفعلها وتسأله..

-مساء الخير .

-أهلا ابنتي .

-أحب أسأل عـن...

كان هنا رجل يجلس في تلك الزاوية يضع فوق رأسه قبعـة فرنكفونية ويتأبط جريدة

طريقته وهو يهز رأسه جعلتني أطمئن، يا رب يكون لديـه خبـر يفرح قلبي المهرول في لهفته على جمر الشوق والانتظار.

-تقصدين حاتـم .. هذا الرجل كان مطلوب لخدمة العلم .

-ذهب للحـرب؟

-بمجرد القبض عـليه هنا في القهوة أكيـد ، وحاليًا لا أخبار عـنه .

-..........

-قريبـك ؟

لا ولكن....



هـز الشيخ رأسـه وفهم القصة ، رشف من كأس الشاي ثم قال:

-يا ابنتي ، لا ترهني حياتك مع جندي دخل جحيم الحرب.



طاطأت رأسها في شيء من الصمت والخجل ، لم تجرؤ على مقاطعته، عـادت إلى طاولتها بقلب مصاب بالمزيد من الحنيـن ثم تسمرت نظراتها نحو باب القهوة تنتظره ولا شيء غـير الانتظار بينما سهى أرسلت عبر واتساب كلمات سريعة .. " حبيبتي حنان اخبريني كل التفاصيل عـنه ، أين يعمل وماذا يحب ، على فكرة ..سيكون الارتباط به أفضل لما تكون والدته متوفاة اخبريني كل التفاصيل ولا تخافي ، سركِ أدفنه في قلبي أتفـقـنـــا " .

تبسمت في شيء من الضيـق وتركت هاتفها، عــادت تحدق في الباب لا تدري ماذا حــل بها، نبض قلبها يتسارع ، تتخيله ربما يلج باب القهوة الآن، يا ليتـه يفعل ، يدخل المكان وستخبره بأنها تحبـه ، لم يتوارى عنها ولم يتفوه صاحب القهوة بتلك الكلمات..

" لا ترهني حياتك مع جندي دخل جحيم الحرب. "

بقيت تأتي كل يوم وتحملق في الباب ولا تدري كم من عمـرها أكل الانتظار ، ثمة أمـل لا تبصر تباشيره غـيرها ، ستنتظـره فهو قادم ، قادم يحمل إلى قلبها البشرى.. صاحب القهوة متشائـم ولن تكترث بكلماته، وسرقتها الدمـوع.

سمية جمعة سورية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى