بدا لي أن أدون سيرة الدراويش في كفر المنسي أبوقتب؛ سيدنا الشيخ سلامة وحوله هؤلاء الذين ينعمون ببركته وحظوته، قريبا من دوار العمدة الكبير، تحيط بيوت الكفر به، نشعر بالخير في جيرته، كانت عادة أبي أن يعزم الشيخ ودراويشه؛ تمتليء دارنا بأولاد العم، ننتظر مقدمه؛ مبارك من ينال الحظوة بالسلام عليه وتقبيل يديه!
يتهادى الشيخ وحوله الدراويش؛ وفود تأتي وأخرى تذهب، في كفرنا ولي وله أتباع، كان مولد وصاحبه حاضر، ألقاب مالها حصر، أبوعيشة، وبطاطا خضر، الخليفة راكب جمله، سيدنا يتمايل وجدا، في كفرنا مقام وحضرة، تغدو الناس وتروح، من تاهت عنزته أو ضاعت بقرته، لاشيء يفوت شيخنا صاحب الكرامات؛ كنت أقبل يديه، أدنو منه فيمسح على رأسي ثم يدعو الله أن يجعلني مباركا!
ماتزال في الكفر سيرته تروى، مسجد ومقام، وأجنحة تطير بلاريش، معين الحب!
حزنت النخلات ماتت واقفة!
ثمة درويش تدهشني أفعاله؛ حيله التي أتقنها، كلماته وحركات يديه؛ يبدو أنه ساحر من صنف عجيب من حواة الغجر الذين تناسلوا في كفرنا، يمسك بحبل سري يجذب إليه الدراويش، أحدهم صار العمدة يتبعه الخفراء يأتونه بالوشايات؛ وآخرون بلغوا مكانة الوجهاء فسدوا عين النهر؛ ينقلب كل شيء على رأسه؛ طاقت نفسي للتجول في الشوارع والحارات والأزقة؛ للبيوت القديمة رائحة، اغتربت بضع سنين وما يزال الحنين إلى الناس والحكايات والعراك تحت شجرة الجميز؛ ليلة المولد الكبير والمداح يسرح بنا ويجول في سيرة النبي؛ وأحيانا يراقص الطوب فوق خشبة الساحة، يسرق الكحل من العيون، نتبعه حتى حافة البئر المليء بالأعاجيب: خلاخيل وخمسة وخميسة وحبة البهلوان وتراب العفريت، دهن العطار الذي يعيد ماء الحياة لمن ضربهم الجفاف، مضى كل هذا؛ غير أن السر تحول إلى شبح يشبه الجن وبه بقية إنسان تلبسه جسد غريب.
يرتدي نظارة سوداء، رجله مسلوخة وحاجبه الأيسر تتدلى منه شعرة حمراء؛ مشقوق الشفة العليا؛ نحسبه أرنبا فر من جحر خالتي ستوته العمياء.
جحر من وراء آخر تمد يدها فتكاد تتحرك أصابعها كأنما هي ديدان الأرض تخرج من عفن المساقي وبرك الماء.
في ذلك العالم كل شيء له منفعة؛ الساحر والحكواتي والغجري؛ بائع الخرز الأزرق ومزين الصحة حتى توحة العرجاء التي تدب على عصاها الخشبية؛ تختن البنات وتسد مجرى الدم برماد الفرن، بهلول صباغ الحمير يفعل الأعاجيب؛ حتى حفار القبور الذي تسميه جدتي" المخفي" لايكف كل صباح عن شق أرض الفدان؛ يخرج حاملا فأسه وكسرات خبزه قد شد حبلا حول وسطه فيبدو أشبه بخيال المآته يخيف العصافير وتقف فوق عارضته الغربان.
يجول في كفرنا الذي نهشه الفقر وعضه الجوع أصناف عجيبة من الناس؛ سحرة غجر ورجال يرتدون لحى كثيفة وثيابهم لا تطول ركبهم؛ يتطوحون ويتمايلون؛ يجرى وراءهم الصغار يصنعون حبلا من البنين والبنات؛ شعر مجعد وثياب سرحت فيها فئران البر، يتقدمهم سعدون ذو المسبحة الخضراء؛ كلما مر بحارة امتلأ جواله بأرغفة شتى، حتى عظم البهائم وجلود الماعز وعلب الحلوى يجمعها وعربته يجرها حماره الهزيل ويدفعها الذين يصلون على النبي.
حتى نسوان كفرنا ضربهن سن العجز قبل الأوان، لا ولد يسند الظهر ومال ينفع فى زمن القهر.
أخبرهم أن زاوية الكيال تحتها كنز، حفر المخفي نفقا تحت الجامع فتساقطت جدرانه وانهدمت بوابة المدرسة العتيقة؛ قالت جدتي بناها: الباشا الكبير، كانت فيها عمامة خضراء ومصحف مكتوب بماء الذهب.
مضت الأيام والسبع سنين التى تبع فيها الناس سعدون ذو المسبحة الخضراء، تفل في الماء فخرجت حية تسعى، لسانها يتراقص وذيلها يحرك بيضة من تحت حجر في قعر النهر.
ولأن كل شيء له منفعة في كفرنا المصاب بالقر والمن.
جاء المخفي حفار القبور؛ ضرب الحجر ورمى الودع؛ ظهرت توحة الغجرية في صورة سمكة بلطية ذيلها أصفر في نهايته جرس يرن؛ ومداح النبي يضرب بالموال في كفر النوام.
مددت يدى لأجولة سعدون؛ أخرجت نصف رغيف، شربت من ماء النهر، انكشفت غمامة كانت تحجب ضوء الشمس، سرحت عنزة وراء أخرى؛ يجري سعدون الذي كانت مسبحته خضراء، يقذفه الصغار بالحجر، يفر حماره الهزيل يغوص المخفي في باطن الأرض.
يمسك الدراويش بعصيهم، تتساقط رؤوس وتمتليء الزاوية بالدم، يعلو صوت سعدون يطلب المدد، ترميه توحة العرجاء بطرف عينها اليسرى فينتشي طربا، صعب على من انحنى ظهره وتيبست يده من طلب الرغيف أن تشبع بطنه، يظل مكسورا ولو لفوه في نخلة البلح، يجري دمه في عروق الذل.
يتهادى الشيخ وحوله الدراويش؛ وفود تأتي وأخرى تذهب، في كفرنا ولي وله أتباع، كان مولد وصاحبه حاضر، ألقاب مالها حصر، أبوعيشة، وبطاطا خضر، الخليفة راكب جمله، سيدنا يتمايل وجدا، في كفرنا مقام وحضرة، تغدو الناس وتروح، من تاهت عنزته أو ضاعت بقرته، لاشيء يفوت شيخنا صاحب الكرامات؛ كنت أقبل يديه، أدنو منه فيمسح على رأسي ثم يدعو الله أن يجعلني مباركا!
ماتزال في الكفر سيرته تروى، مسجد ومقام، وأجنحة تطير بلاريش، معين الحب!
حزنت النخلات ماتت واقفة!
ثمة درويش تدهشني أفعاله؛ حيله التي أتقنها، كلماته وحركات يديه؛ يبدو أنه ساحر من صنف عجيب من حواة الغجر الذين تناسلوا في كفرنا، يمسك بحبل سري يجذب إليه الدراويش، أحدهم صار العمدة يتبعه الخفراء يأتونه بالوشايات؛ وآخرون بلغوا مكانة الوجهاء فسدوا عين النهر؛ ينقلب كل شيء على رأسه؛ طاقت نفسي للتجول في الشوارع والحارات والأزقة؛ للبيوت القديمة رائحة، اغتربت بضع سنين وما يزال الحنين إلى الناس والحكايات والعراك تحت شجرة الجميز؛ ليلة المولد الكبير والمداح يسرح بنا ويجول في سيرة النبي؛ وأحيانا يراقص الطوب فوق خشبة الساحة، يسرق الكحل من العيون، نتبعه حتى حافة البئر المليء بالأعاجيب: خلاخيل وخمسة وخميسة وحبة البهلوان وتراب العفريت، دهن العطار الذي يعيد ماء الحياة لمن ضربهم الجفاف، مضى كل هذا؛ غير أن السر تحول إلى شبح يشبه الجن وبه بقية إنسان تلبسه جسد غريب.
يرتدي نظارة سوداء، رجله مسلوخة وحاجبه الأيسر تتدلى منه شعرة حمراء؛ مشقوق الشفة العليا؛ نحسبه أرنبا فر من جحر خالتي ستوته العمياء.
جحر من وراء آخر تمد يدها فتكاد تتحرك أصابعها كأنما هي ديدان الأرض تخرج من عفن المساقي وبرك الماء.
في ذلك العالم كل شيء له منفعة؛ الساحر والحكواتي والغجري؛ بائع الخرز الأزرق ومزين الصحة حتى توحة العرجاء التي تدب على عصاها الخشبية؛ تختن البنات وتسد مجرى الدم برماد الفرن، بهلول صباغ الحمير يفعل الأعاجيب؛ حتى حفار القبور الذي تسميه جدتي" المخفي" لايكف كل صباح عن شق أرض الفدان؛ يخرج حاملا فأسه وكسرات خبزه قد شد حبلا حول وسطه فيبدو أشبه بخيال المآته يخيف العصافير وتقف فوق عارضته الغربان.
يجول في كفرنا الذي نهشه الفقر وعضه الجوع أصناف عجيبة من الناس؛ سحرة غجر ورجال يرتدون لحى كثيفة وثيابهم لا تطول ركبهم؛ يتطوحون ويتمايلون؛ يجرى وراءهم الصغار يصنعون حبلا من البنين والبنات؛ شعر مجعد وثياب سرحت فيها فئران البر، يتقدمهم سعدون ذو المسبحة الخضراء؛ كلما مر بحارة امتلأ جواله بأرغفة شتى، حتى عظم البهائم وجلود الماعز وعلب الحلوى يجمعها وعربته يجرها حماره الهزيل ويدفعها الذين يصلون على النبي.
حتى نسوان كفرنا ضربهن سن العجز قبل الأوان، لا ولد يسند الظهر ومال ينفع فى زمن القهر.
أخبرهم أن زاوية الكيال تحتها كنز، حفر المخفي نفقا تحت الجامع فتساقطت جدرانه وانهدمت بوابة المدرسة العتيقة؛ قالت جدتي بناها: الباشا الكبير، كانت فيها عمامة خضراء ومصحف مكتوب بماء الذهب.
مضت الأيام والسبع سنين التى تبع فيها الناس سعدون ذو المسبحة الخضراء، تفل في الماء فخرجت حية تسعى، لسانها يتراقص وذيلها يحرك بيضة من تحت حجر في قعر النهر.
ولأن كل شيء له منفعة في كفرنا المصاب بالقر والمن.
جاء المخفي حفار القبور؛ ضرب الحجر ورمى الودع؛ ظهرت توحة الغجرية في صورة سمكة بلطية ذيلها أصفر في نهايته جرس يرن؛ ومداح النبي يضرب بالموال في كفر النوام.
مددت يدى لأجولة سعدون؛ أخرجت نصف رغيف، شربت من ماء النهر، انكشفت غمامة كانت تحجب ضوء الشمس، سرحت عنزة وراء أخرى؛ يجري سعدون الذي كانت مسبحته خضراء، يقذفه الصغار بالحجر، يفر حماره الهزيل يغوص المخفي في باطن الأرض.
يمسك الدراويش بعصيهم، تتساقط رؤوس وتمتليء الزاوية بالدم، يعلو صوت سعدون يطلب المدد، ترميه توحة العرجاء بطرف عينها اليسرى فينتشي طربا، صعب على من انحنى ظهره وتيبست يده من طلب الرغيف أن تشبع بطنه، يظل مكسورا ولو لفوه في نخلة البلح، يجري دمه في عروق الذل.